مسعود شومان:رأيت الشعر فى حدائق الناس وكل ما كتبته محاولات لاصطياده

0

(1)

أنا كنت بسقى الورد علشان بحبه

ومش طمعان فى رتبة جناينى

(2)

بدأت علاقتى المبكرة بالشعر  قبل كتابته ، وكذا علاقتى بالفولكلور قبل توجهى لدراسته ، فدراستى له كانت مبنية على رغبتى فى فهم ما امتلكته من عناصر تمر أمامى ، وتكبر داخلى دون أن أعيها جيدا ، لذا فقد كان اختيار الدراسة ، فقد كانت مساهمة المكان والأسرة فى التكون كبيرة، بل عظيمة ، وقد قامت بدور فعال في اكتناز حقيقتى الثقافية والإبداعية ،واكتسابى لكم هائل من الموروث الشعبي من خلال حكايات أمى ، وإيمانها بالعادات والمعتقدات الشعبية ، فهذه المعتقدات التى اختارت اسمى ، بل وتوجهى فيما بعد لدراسة الفولكلور ، وربما لكتابة شعر العامية تحديد ، فضلا عن جدى الذي كان واحدا من كبار المريدين للموالد الكبرى وكان يصحبنى إليها ، من هنا فقد تمرنت العين على أن ترى أشياء مدهشة بألوانها (الصوارى ، الزخارف على الحوائط ، المشغولات المبهجة التى تغطى الجِمال فى الليلة الكبيرة )، والأذن على سماع الأصوات والإيقاعات ، طبول “النقرزان” ـ أصوات الدفوف والمزاهر والصاجات ، والطبول الكبيرة ،أصوات أدوات الحرفيين فى زفة الصنايعية ، وحركات الحواة والقرادتية ، وكلامهم المنغم ، والأذكار والتواشيح .. إلخ ، وتدربت الحواس جميعا فى هذا الجو لتكتسب خبرتها الحياتية ، فضلا عن خبرات التعلم فى “الكُتّاب” وما يصاحب ذلك كله من مشاهد شعبية عديدة ، كان “النعش” هو “السبورة ” التى يكتب عليها “سيدنا” ، فكان الحرف يولد على الوسيط الذى يحمل الموتى ، وكان اللوح الأردواز ، و “كوز” الصبغة ، والريشة المصنوعة من الغاب فقد كانت زيارة أضرحة الأولياء فى الموالد ، خاصة مقام” سيدي سعيد” المقام ببلدة شبين القناطر للوفاء بالنذر وهو عبارة عن “صفيحة جاز” لتعمير الكلوبات.كى تنير للمريدين والذكيرة ، وأصحاب الطرق الصوفية ، ولم أكن بعيدا عن قلب وروح المشهد ، لذا فقد كنت انجذب لحلقات الذكر مستمعا ومستمتعا بالجماعية فى الأداء وأصوات “الصييت” التى تتصاعد محدثة نشوة كبيرة فى نفوس المريدين ، وقد حدث أن وقعت فى إحداها مغشيا علي.. كل هذه الصور والمشاهدات والأصوات والكلمات الغامضة دفعتنى إلي محاولة فهمها من خلال الدراسة فالتحقت بالمعهد العالى للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون لاستجلاء ما استغلق علي ولم أجد له تفسيرا، لقد كانت الطفولة حافلة “بالشقاوة” وما كان ينجم عنها من كثرة الإصابات، مما دفعنى إلي اكتشاف طاقات كامنة بداخلى ، ومن خلال الألعاب الشعبية القديمة استطعت تكوين خريطة عامة لمدينتى الأقرب إلى الريفية ، وأصبحت لدي قدرة جغرافية دربت حواسى، وقادتنى إلي محاولة اكتشاف صورة جديدة للمكان وأبعاده وعلاقات ناسه ، عاداتهم، تقاليدهم ، احتفالاتهم .

(3)

 لقد تشكلت روحى فى هذا العبق ووسط هذه الأصوات ، وانا لا أتحدث عن الماضى بوصفى “أسيرا” له ، وإنما لأنه حقيقة حية مارست نفسها على الحياة التى أعيشها ، من هنا فأنا لا استسلم له ، وإنما أطوعه فى الشعر متجاوزا أصواته الساكنة وعاداته الميتة ومعتقداته المعطل،ومن أسف أن كثيرا لأطفال أعتبرهم بؤساء خاصة الذين ولدوا في زمن” البلاي ستيشن” والفيديو جيم، والكومبيوتر حيث تعطلت لديهم الطاقة والأفكار التي كانت هذه الألعاب الشعبية تنميهـا ، وعلي عكس ما يشاع عن الأدباء وبين بعضهم ، فقد كنت متفوقا في دراستى ، فأنا ضد أن يكون الشاعر بالضرورة صعلوكا طوال الوقت ، فلا بد أن يجاور تمرده وخروجه معرفة وتدريبا كبيرين.

(4)

الشعر عديد، والشاعر الحق بمثابة حديقة تتسع لكل أنواع الأشجار الشعرية، ولا يمكن إغفال ما لقصيدة النثر من جماليات، لكن بعض الشعراء ضيقوا عالمها وحصروا الشعر فيها وفى توجهاتها، وكان على إكتشاف طاقات الأشكال المتعددة، والدواوين الخمسة الأخيرة بمثابة قصائد تنحو للدرامية والملحمية فى عالم لا يعرف توجها واحدًا ولا يركن لقيمة جمالية بعينها، إن محاولاتى كانت بحثا عن الشعر فى أى شكل، فالشعر لا يكمن فى شكل محدد سلفا،وحتى الآن إذا أتتنى قصيدة نثرية أسارع إلي صيدها بشباك الجمال.

(5)

الشعر الحقيقى لا يخبو إذا كان شعرا، وحديقة الشعر ملآنة بكل الأشجار، أحب شجرة النثر، لكننى أحب غيرها، وأفدت من إمكاناتها الجمالية حين أكتب التفعيلة حيث القدرة على صيد التفاصيل والبعد عن الإلغاز والألعاب اللغوية المهيكلة، قصيدة النثر فرع مهم فى حديقة الشعر، وهناك شعراء أقدر تجاربهم لأنهم لم يحصروها فى وصفات جاهزة بديلة لوصفة المجاز والصور المفارقة، والسؤال هل توجد قصيدة نثر واحدة، بالطبع لا، لأن الشعر يستعصى على النمذجة والوصفات التى تشبه الكيمياء، الشعر تشكيل جمالى يسعى للكشف عن الروح الإنسانية أيًا كان شكله، وإلا نزعنا تجارب الشعراء الكبار الذين جربوا فى الأشكال كافة من حديقة الشعر.

(6)

قمت بعد أن سلحت نفسى بالدراسة بعمل ميداني مستخدما الكاسيت والكاميرا الديجتال. أكسبني هذا حرفية البحث إلا أنني كنت أعمل بروح أخري لأن كل ميدان هو المعلم الحقيقي وليس الكتاب، من هنا فتجربة الآخرين قد لا تصلح أن تكون تجربة شخصية لك، لذا فقد كنت أجمع مقولات ونصوص الرواة وأسجلها، من هنا جاءت فكرة الأصوات التي تتحول فيما بعد إلى مقولات لذا فأنا أتصور أن الشفاهية لن تنتهي أبدا وستظل القيم الجمالية الخاصة بها موجودة بوجود الإنسان الذى لن يكف عن انتاج الحكمة والشعر ، ومن مغامراتى الميدانية توجهت إلى عدة أماكن في ربوع مصر منها ” أسيوط ـ الواحات البحرية ـ الوادى الجديد ـ الفيوم ـ وإنما حيوات كاملة.

(7)

أعجب ممن لم يقرأوا تجارب الرواد ويسخرون منها ، أزعم أن بيرم وحداد وجاهين وقاعود لم يقرأوا بعناية حتى الآن وكذا لم تقرأ الدواوين العلامات فى فترتى السبعينيات والثمانينيات ، ظنى أن ما يحرك توجهاتنا هى ثقافة الشائعة ، هذا ديوان جيد ، وهذا شاعر كبير ، وهذا شاعر متمرد على القوالب ، وذاك شاعر عاد للتفعيلة، الشائعة لا غيرها دونما قراءة فاحصة للمشهد الشعرى ، وبالرغم من امتلاكى لمعظم خطوط خريطة شعر العامية فإننى لا يمكن أن أردد مثل هذه الجمل المغرضة التى تنتصر للشائعات الثقافية .

Leave A Reply

Your email address will not be published.

Verified by MonsterInsights