السيد نجم يكتب هوية الطفل بين العولمة واﻹنترنت

0 25


تخوف البعض من آثار العولمة, وهى تتمثل في ﺇضمحلال دور الدولة الذي ينحصر في وضع السياسات.. التخوف من التغييرات اﻹجتماعية المتوقعة عن سقوط وﺇرتفاع ﺇقتصاد الدول على حسب قدرتها على مواجهة أو التعامل مع مفاهيم آليات السوق الجديدة..
لعل أهم الأسئلة: ماذا عن الهوية.. عن الذات الجمعية واﻹنتماء الوطني والقومي؟

إذا كانت الثقافة هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف, وكل المعتقدات والعادات التي يكتسبها الفرد من حيث هو عضو في مجتمع.. فهي تعنى أن الثقافة تحمل في طياتها: الذاتي المجرد مثل المعتقدات والمعرفة, بجانب التقييمى مثل الأخلاق والسلوك والتقاليد.. كما أنها مستقلة عن الفرد, أي تكتسب بالممارسة الحياتية والتعلم, فهي ليست فطرية أو غريزية. لذا تعد الخصوصية الثقافية ممكنة ومطلوبة أيضا لكونها العمود الفقري للهوية.

وإلى جانب الثقافة، يعد اﻹنتماء والوطنية من جوهر الهوية. فالوطنية ثقة بالأنا الجمعية, لمجموعة تعيش على أرض مشتركة, يشعرون بالولاء واﻹنتماء والالتزام بمجموعة المفاهيم الرابطة مع ﺇستيعاب لذاكرة جمعية تتمثل في جوهر العادات والتقاليد والقيم العامة.
لذا فالمشاركة مع الآخر وبلا ﺇفتعال بالتشدق بمصطلحات أكبر هو جوهر العلاقة بين الهوية والعولمة.

ماذا نقول ونكتب للطفل؟
بداية لا يمكن إلا أن نعترف بالممكن ونخاطب الصغير كانسان قادر على “اﻹختيار” وليس تابعا لأفكارنا جبرًا. فحبس بعض الوسائل الإعلامية الجديدة عن الصغار (كما يتبع بعض الآباء) يزيد الطفل عنادًا.. أن نصارح الصغير بأن لكل شئ فوائده وأضراره حتى “الدواء المعالج للأمراض” هو البداية.. وغيرها.

لتأتى معاملة الآباء للصغار كخطوة عملية وإيجابية لتحقيق الهدف.. ألا نعامل الصغير على أنه رجل أو آنسة بل على قدر عقولهم, حتى يعيش الطفل طفولته, ولكل مرحلة طفولة خصائصها.. إذا كانت الملكات الخاصة والمواهب هبة سماوية يضعها الخالق في الإنسان, فلا يبقى سوى التنقيب عنها باعتبارها جوهر “التربية” وهدفها.. فالوصفة السحرية هي أن يقل كلام الأبوين في التلقين, ويكثر الفعل سواء بالسلوك المباشر منها أمام الطفل, أو في التعامل مع الطفل.

هل يمكن أن نحدد محاور مخاطبة الطفل حول الهوية؟
بداية لا يمكن إلا أن نعترف بالممكن ونخاطب الصغير كانسان. لتأتى معاملة الآباء للصغار كخطوة عملية وإيجابية لتحقيق الهدف/الأهداف..
أولا: التعرف على التراث الشفهي
التراث الشفهي مهدد بالضياع, ليس على مستوى الوطن العربي فقط, ربما يعتبر أحد المتغيرات أو المؤثرات المباشرة لثورة التكنولوجيا المعاصرة. طغت وفاضت المحطات التليفزيونية الفضائية والأرضية, ثم المحطات الإذاعية, وغيرها من وسائل الترفيه والاتصال.. في مقابل إهمال غير مقصود من الأفراد لتداول العناصر التراثية.. مع رواج ملامح العناصر الاستهلاكية الجديدة!
يعتبر التراث الثقافي الشفهي المتمثل في الأغاني الشعبية والأمثال والأهازيج والألغاز والحواديت من المحاور الثقافية الفاعلة في تربية وتنشئة الطفل.. حيث تدعو إلى ترسيخ القيم النبيلة, وتنشيط النفوس بالمرح والحكمة, فضلا عن الإحساس بالأصالة والانتماء.

تتعدد العناصر ومنها الأهازيج الشعبية.. : أهازيج التنويم.. من تلك الأهازيج : ” يا ولد يا زين/ يا كحيل العين/ عندنا بنتين/ ياولد.. تتجوزشى” وتتابع بحيث تلزم بمخاطبة الذكور من الأطفال, مع الحرص على تأكيد الجمال الذكورى.

أما أهازيج البنات, وﺇن بدت وكأنها محاورات للدفاع عن قيمة البنت وفضلها, وكذلك مقارنات بين الولد والبنت!
” ما تفرحيش يا أم الولد/ بنتى كبرت تاخده/ وتسكنه بحرى البلد”
يلاحظ المتابع أن تلك الأهازيج أطول من تلك التي تتغنى للولد, مع وجود عنصر الصراع والحوار على العكس من الكثير التي تتغنى بالولد.

“الانتماء” في أغاني وألعاب الطفل
من الأسماء التي أخلصت في هذا المجال: سيد عويس, جمال حمدان, عبدالحميد يونس.. وغيرهم من الأجيال التالية..

لعبة “الغراب النوحى”..حيث تتجمع الأطفال ,بنات وبنين, إحداهن تقوم بدور الأم, يتعلق بذيل فستانها طابور بقية الأطفال, إلا أحدهم يمثل دور الغراب. يسعى الغراب للانقضاض على أي من الأطفال كرا وفرا والخصمان متواجهان. يسعى الغراب لاصطياد طفلا, وتسعى الأم لحمايته.. ثم يغنى الجميع:
يقول الغراب: “أنا الغراب النوحى.. النوحي/ أخطف وأروح سطوحي.. سطوحي
فترد الأم: “وأنا أمهم أحميهم../ إن عشت أربيهم../ وان مت ضربة تقطم رقابيهم!”

لعبة “عسكر وحرامية”..
ينقسم اللاعبون إلى فريقين, فريق حرامية, وفريق عساكر. يجرى الحرامية وفريق العساكر خلفهم. ومن يمسك, يتم ربطه (كأنها كلبشات أو أصفاد) إلى أن يتم مسك بقية الحرامية جميعا.. ثم يذهبون إلى القسم (مركز الشرطة).

ثانيا: التعرف المكاني والزماني لعالم الطفل
المقصود بالتعرف المكاني والزماني لعالم الطفل, هو مساعدة فضوله الفطري في البحث عن المكان والزمان. فقد رصدت الأبحاث التربوية أن الوليد يبدأ منذ شهوره الأولى تلك الرحلة البحثية من خلال حركة العينين والكفين, ثم عندما يحبو ويكتشف الأشياء الخفية أو المختفية تحت ألأسره أو أعلى الموائد! ثم بالسؤال “من أين أتيت؟ وأين الله؟”..وغيرها من الأسئلة التي تكشف أهمية البعد الزماني والمكاني عند الطفل. وهو ما يعد مدخلا فطريًا لبث روح الانتماء وتعميق الهوية.

ثالثا: القدرة على ﺇكتساب المعارف والعلوم
تلاحظ أن الطفل في تقنية النشر الالكتروني يوجد مبعثرًا على عدد من الأشكال داخل المواقع المختلفة على شبكة الانترنت: الطفل في مواقع المرأة.. الطفل في مواقع الأسرة.. الطفل في مواقع عامة وجامعة.. الطفل في مواقع تسلية وترفيه.. الطفل في مواقع دينية عقائدية..
الطفل في مواقع تعليمية.. الطفل في مواقع خاصة بالطفل..

وقد تلاحظ على المواقع التي تتعامل مع الطفل:
: عدم الالتزام الدقيق بخصائص المرحلة العمرية للطفل.. مخاطبة الطفل الأنثى والذكر على قدر واحد من التناول.. تقديم المفاهيم الغربية للأعمال المترجمة للطفل بشخصياته, ومفاهيمه وكأنه الشخصية النموذج.. أما عن مضامين الموضوعات التي تقدم للطفل, فهي على شقين إما البعد عن روح الطفل في التناول مع تقديم المعلومة قبل التناول ألفني.. أو الاهتمام بالمعلومة البعيدة دون القريبة.

السؤال مجددا: من أين نبدأ؟
البداية في التربية ولا يمكن إغفال التعليم وليس التعليم التقليدي فقط, بل التعليم عن بعد,
وضرورة توافر ملمح عام وهام:

: أن يوفر للطفل المعلومة.. وإبراز السلوك القويم والقيم العليا, كل ذلك في إطار جذاب.. أن توفير الاسطوانات أو الأقراص الإلكترونية (الديسكات) بات شائعا.. أن يضم الديسك أو الاسطوانة على التتابع والتوازي.. المادة اللغوية والمادة الفنية أو الرسومات المكملة التوضيحية. وقد وجد المختصون أن الألوان “الأصفر-الأحمر-الأزرق” هي أهم الألوان للطفل حتى سن التاسعة.. يجب أن يكون الخط واضحا وكبيرا.. يجب أن تكون الرسوم مكملة للمعنى.. ﺇستخدام التقنيات الحديثة في إطار من الإخراج الفني الملائم الجذاب.. البعد عن النصح والإرشاد وبالعموم.. أن تغلب روح الطفولة على المادة المنشورة (الملائمة لسن الطفل ولجنس الطفل).. تقديم المادة الثقافية/العلمية/التعليمية في إطار يحث الطفل على المشاركة, وتأهيله للتفكير الابتكار, بعيدا عن التلقين.. أن يصبح التعامل مع جهاز الكمبيوتر ومعطياته (في النهاية) لعبة بين يدي الطفل.

أخيرا.. لم يفقد الكتاب التقليدي مكانته (ولن!!), أما القضية فهي ضرورة الاستفادة من المنجازات التقنية الحديثة.

خاتمة: ولا يبقى إلا البحث الوعي بوسائل التحقيق والتنفيذ.. فلا شك إن للتعليم (المعلم والمناهج و العملية التعليمة) دوره, وأن للثقافة العامة والخاصة (بكل وسائل التثقيف) أهميتها. وفى إطار ذلك تتعاون المؤسسات المؤهلة لتزكية مفاهيم الهوية.. بلا تهويل ولا تهوين.
ab_negm2014@yahoo.com

%d مدونون معجبون بهذه: