يحيى الكفراوي يكتب من تونس ل مصر المحروسة .نت :سبعةُ أيام مع الشاعر مصباح المهدي

0 44

اليوم الأول
من أهم حسنات شبكات التواصل الاجتماعي اليوم هي سهولة التواصل بين بني البشر أينما كانوا، ومتى أرادوا، وبالمجان، وتعتبر هذه الشبكات من أبرز ما توصل إليه العقل البشري في العصر الحديث، بسبب النقلة النوعية التي أحدثتها في عالم الاتصالات، ونقل المعلومات، حيث صار بمقدور أي إنسان استخدام هذه الشبكات بطريقة سهلة، وبشكل مستمر، وقد استفاد منها عامة البشر كما المشاهير من أدباء، وعلماء في العلوم العصرية، وكتّاب، وسياسيين، وفنانين، وعلماء دين، وغيرهم من بث الأفكار التي يودّون بثها بشكل واضح، وبفاعلية كبرى بين مريديهم، وكافة أفراد الشعب.
من بين هؤلاء المشاهير الذين لفتوا انتباهي بنشاطه “الفايسبوكي” الكثيف وبأخلاقه الرفيعة، الشاعر المصري “مصباح المهدي” الذي أستطاع من خلال حسابه على الشبكة أن يعبّر عن كل ما يجول في خاطره من أشعار عذبة، وأفكار وطنية، وتعليقات سياسية وآراء فنية، وقد شكل بنشاطه المحمود علامة استـثـنائية فـي خريطة الشعراء “الفايسبوكيين”، وذلك بتميزه عن معظمهم بتسليط الضوء على العديد من أهل الإبداع الذين انتقل أغلبهم إلى رحمة الله، وعلى الذين ما يزالون على قيد الحياة، وكلها منشورات عن حياة أهل الإبداع قديماً وتأثيره في حياة المعاصرين، وعن الوطن والتاريخ والشعر القديم ، معتبراً أن هذه المنشورات هي عربون صداقة وهدية للأجيال الجديدة التي لم تلتقِ بهؤلاء المبدعين، ولم تتعرف على أخبارهم، هادفاً من إعادة إخراجها إلى النور، استفادة زوّار صفحته منها، والاستمتاع برؤيتها.
كما نشر في صفحتـه للعديد من أصـحاب المواهب الشعرية المعاصرة، كـتابةً ورسـماً وعلماً متنوعاً، ولا يفرق بـينهم إلا بـمقدار عطاءاتـهم الإبداعية، وأنّه يختار نشر موادهم الدسمة التي تقدّم القيم والأخلاق والإبداع، والتي تخدم الثقافة العربية العامة، والمشهد الإعلامي المعاصر، وهو يعتبر عمله هذا كخدمة جليلة ومرضية لزوّاره “الفايسبوكيين”.
هذه بعض الأسباب التي جعلتني أخص الشاعر “مصباح المهدي” بسبعة أيام أكتب فيها خواطري عن انتاجه الشعري، وأنا سعيد بذلك كوني أساهم ببعض الشكر الذي يستحقه هذا المبدع الذي خدّم الشعر الشعبي المصري، والأدب والتراث والثقافة العربية.
ويطيب لـي أن أدعوكم إلى مشاركتي بكل مـحبة واحـترام فـي تقدير هذا المبدع الذي نذر نـفسه وطاقاتـه الإبداعية، وعطاءاتـه المـخـتلفة إلـى تراب وطـنـه مصر، وإلـى عالمها العربي الذي وهبـه مقومات حياتـه الماديـة والروحية.
اليوم الثاني
بعد عدة زيارات لمضامين منشورات الشاعر “مصباح المهدي” تبيّن لي أنّه نشأ في بيئة مصرية يأتيها الشعر على الطبع لا على التطبع، فمنذ طفولته كان يكتب قصائده على أوراق متفرقة، وينشرها على صفحات الجرائد والمجلات، وقد سكنه الشعر، وأصبح بين أبياته يحيا، يستدعيه حيناً، ويلوذ به حيناً آخر:
“يا شعر بطل زنّ على ودني
أنا ما خطبتك من أبوك سيبني
رجّعني شجرة ف بيت
قناية في غيط
وبلاش أمانة عليك تغلّبني
وهكذا قضى حياته بين تفاعيل القصيدة، والخروج عنها حرّاً يغرّد كما يشأ، إلى أن أصبح الشعر جزءاً لا يتجزأ منه شكلاً ومضموناً، وإن تغيرت مفرداته، إلا أن قصيدته بقيت ثابتة بوزنها وبحرها وصورها وفضائها الإنساني الحرّ، والذاتي الفسيح:
“دا لو سمحتم قلبي مش نادي
محتاج يكون فاضي ساعات هادي
خلوني أسمع قلبي عايز إيه
يحكي لي غضبان ليه ومش راضي
جاب في الشعر الشعبي دروباً حتى لم تعد تخفى عليه شاردة ولا واردة، وانشغل بدراسة ثمار شعراء غيره، وأصدر الدواوين، وحقق حضوره في الصحافة المكتوبة حتى بات واحداً من أبرز أقلامها المبدعة في مجال الشعر والأدب الشعبي، وجذبته الأمسيات الشعرية بسحرها، فاقتفى أثرها، وأحيا العديد منها في المدن والقرى، وتنقل بين أروقة الإذاعة والتلفزيون ضيفاً عزيزاً، ونشرت قصائده في معظم الوسائل الإعلامية المقروءة والمسموعة:
“القصة مش قصة جاني
ولا أغاني ولا أفلام
أنا كنت حوّلت الراديو
على زنّة تنفع لما بانام
***************
لا استقبل السيد بطّة
ولاع المحطّة وقف ملطوع
ولا صرّح المصدر ذاته
إن المواطن مستهدف
*****************
الراديو زن ّودا كويّس
أتصوّر الرجُل الكيّس
يحمي ودانه من الدوشة
يحمي ضميره من التأنيب”
اليوم الثالث
هناك سمة رئيسيّة بارزة في قصائده، ومنشوراته المصوّرة، هي سمة الرموز الدينية، وهذه الرموز قد استعملها مجموعة من شعراء العامية في مصر، وعالمنا العربي، مسيحيين ومحمديين، كهنة وشيوخ، مدرسيّن وأطباء ومحامين وأصحاب مهن حرّة من دون الاكتراث بالموقف الديني الذي نشأوا عليه، أرادوا منها فقط أن تلعب دوراً مميزاً في ظهورها إلى جانب بعضها البعض، والتأكيد على تعاضد المسيحية والمحمدية في الإطار المصري الوطني والقومي.
“يا مصر داب عنصرينك
في بعض والحب دينك
ما بخلش جورج وحسينك
بالدمّ في طور سنينك
****************
يا مصر من عمرو سامحة
بالعيشة طيبة ومسامحة
على تربة والتربة صالحة
تزرع زهور ياسمينك”
***************
وقد أحسن الشاعر “مصباح المهدي” باستعماله لهذه الرموز، والصور معتبراً أن الفروقات بين المسيحيين والمحمدين يجب أن تنتفي لتشكيل مجموعات شعبية ذات أبعاد فكرية واحدة في مواجهة أعداء الدينيين.
يا مصر حضتك أماني
أدان\جرس \أي مدنة
ماري وزينب ويحيى
ويحيا مسلم وقبطي
وتحيا مصر اللي قبلي
وقبل منك مآمنة”
أعتقد شخصيّاً، أن هذا الميل إلى استعمال الرموز الدينية عند الشاعر لم يكن ناتجاً عن رغبته الشعرية المجردة بقدر ما كان ذلك أيضاً، لتوضيح نظرته الدينية للقراء، ولتحدي سلطة بعض رجال الدين، المسيحيين والمحمديين، التي أدّت إلى حروب مدمرة بين المصريين جعلتهم يرزحون تحت عبء الارهاب والتقاتل الداخلي والمشاكل الحياتية المتعددة، وبنفس الوقت، أملاً للراغبين من المصريين مسيحيين ومحمديين بالحياة معاً على التراب المصري.
يا مصر مش دين دقونهم
الاتنين دقونهم ضلال
لا دول ولا دول نكونهم
نكونك انتي الضفاف
يا مصر لمينا تاني
على أساس المواطنة”
وقد برع في نصه الشعري، عندما وصف الإنجيل والقرآن ككتابين يتفقان في أغراض الدين، ويثبّت كل منهما الآخر، إذ أنّه يوجد فيهما الكثير من العبادات المماثلة في الطقوس والعادات، ولم يجد حرجاً من التعبير عن تجربته الوجدانية الدينية الصادقة إذ يتوحّد مع الآخر في فهمه للأبعاد الإنسانية الواحدة الهادفة إلى خدمة الإنسان مهما كان لونه، جنسه، موطنه، أو مرتبته الاجتماعية.
“وابويا الأبّ ف الإنجيل وف القرآن
تُربَة وحضنك يا وطن أكفان
أسمّيكم واسمّي بناتي
مريم .. نور سعاد ..
زينب .. خديجة .. بدور
واقوم اتوضّى وياكم وأتعمِّد
وينزل برضه نفس السور
وانا نفس النسيج
فرحان بعيد الفطر والأضحى
ولو يصحى الوطن باصحى
ولو تنزل ستاير ليل باغنِّي
ليل يا عين موال
وادوَّر إيد بإيد عن شمسه لو غابت
واسمّيني واسمّيكم عيال تلعب وناس شابت
وناس في الأرض دي دابت
صليب وهلال”.
أعجبتني كثيراً ثقافته الدينية المتنوعة والعميقة التي احتلت رموزها مساحة كبيرة في قصائده فاقت الرموز التاريخية، الأسطورية والثقافية الأخرى، وأود أن أشير هنا إلى أنني لم أكتب عنه هذه الخواطر من خلفية دينية تهدف إلى إبراز المفردات في إطار ديني، بل من خلفية نقدية تبرز الدلالات الدينية في قصائده كبعد شعري وتسليط الضوء عليها.
اليوم الرابع
بعدما زرت شبكة “اليوتيوب” وشاهدت العديد من “الفيديوهات” للشاعر “مصباح المهدي” شعرت أنّه كان يلقي قصائده للحضور بصوت رخيم جذّاب، وبلهجة مصرية عامية محببة تدل على شاعريته الفياضة التي تأثر القلوب والنفوس بعذوبتها، بما تحتوي من رشاقة وسمو في المعاني، ومن فخامة وبلاغة في التعبير، كما بدا لي أيضاً، أنه شاعر مكتمل المواهب من الناحية التقنية كشاعر منبري من طراز رفيع.
قد لا استطيع في هذه الخواطر أن أعطي صورة واضحة عن مواهبه المكتملة كشاعر منبري، وذلك لا يعود فقط إلى طاقتي على النقد وإبدا الآراء، بل إلى الظواهر الإبداعية التي ظهرت في تلك “الفيديوهات”.
ومع ذلك، بالرغم من المعوقات التقنية المحتملة، قررت أن أكتب خواطري السريعة، لأنه يسرني أن أكتب عنه، كونه مبدع مصري مكتمل المواهب كشاعر منبري في اللهجة العامية المصرية، وعندي أمل كبير أن يشاركني زوّار “الفايسبوك” بكتابة آراءهم وملاحظاتهم بإبداعاته الشعرية.
وللتعرف على إبداعاته الشعرية، سأحاول الغوص في قصائده لتكوين فكرة عامة عن أفكاره الوطنية، الاجتماعية، العاطفية والإنسانية بشكل عام، وسأقتصر على الأساسي الضروري، لأستغني عن التفاصيل حتى استطيع أن أبدي بعض الخواطر التي خطرت لي أثناء القراءة.
للوهلة الأولى، قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن قصائده من حيث المضمون والشكل، ما هي إلا تكراراً آلياً لما سبق وقاله الشعراء الشعبيون المصريون الآخرون،
لكنني أسارع وأعلن، أنـها ذات خصوصية تتعلق بـنظرة الشاعر نفسه إلى الحياة والكون والفن.
“قالوا لي الحته دي من مصر
في الأوراق
كتبني مسجل المواليد
ذكر مصري
دخلت لها بلا نعلين
قلقكم عطري دا عرقي
ما هوش برفان
وانا شكلي كدا عصبي
مانيش قرفان
أنا داخل بريحة مصر
مش مصر الأغاني البيض”.
وكثيراً ما كان يصب جام غضبه على السياسيين الذين يتواقحون على التاريخ بادعاءاتهم الوطنية، وهم الذين سبق لهم أن استباحوا كل شرف وكرامة، وخانوا الوطن وباعوه بعد أن نهبوه:
“ورا كل ثورة جياع
قاتل سرق خان وعربد
ورا كل حالة صراع
ظلم اجتماعي مؤكد”.
اليوم الخامس
لا بد لي من الاعتراف بأن الشاعر “مصباح المهدي” صاحب موهبة فنية عالية المستوى، فقد تـمكن من صياغة أبياته الشعرية المتراكمة الواحدة فوق الأخرى، والممزوجة بلغة مباشرة سهلة عبّر من خلالها عما يـخطر في باله بكل رقّة ونعومة مبتعداً عن الفذلكات الشعرية المعقدة.
“أنا زى ما محتاج أمل
محتاج تقى. ..محتاج عطاء…
محتاج صفاء…محتاج هدى…
محتاج ندى… محتاج شروق…
محتاج ضحى… محتاج سحر…
محتاج صباح… نور أمنيه…
بسمة… دعاء… نسمة رجاء…
وردة… عبير… نشوى… حياه…
رضوى…علا… لبنى…لميس…
هند… ابتسام…رحمة… وئام
سلمى… سلام
محتاج أمل
لله … أمل يا محسنين”.
شخصيّاً، بدا لي أن الواقع الاجتماعي والسياسي والفني الذي عاشه شاعرنا الحبيب هو المادة الخام التي كوّن منها مضامين قصائده، إذ يفلسف وجوده كإنسان وشاعر كالتالي:
“أنا ابن البياعين في السوق
أنا ابن العرقانين في الغيط
أنا ابن الشقيانين ف القطر
أنا مش مترف الإحساس 
ولا مدمن خيال شعرا
أنا بانقلها حرف بحرف
من قلبي لقلب الناس
بتذكرة واحدة رايح جاي
كما لو كانوا بيحبوك”.
أو كما يقول في هذا المقطع:
وهو من بواكير كتاباته 1982
“شايل جراحي على كفي
ياريت يكون كفي مكفي
أنا قلبي منك مستكفي
يا دنيا مارحمتيش إنسان”.
وعندما اندلعت المعارك الداخلية في معظم الدول العربية بدعم من الدول الاستعمارية وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل بالتواطؤ المهين مع شركائها الذين باعوها شرف المواطنية العربية، وراحوا يزرعون شوارع البلدان العربية جثثاً ودماءً ودماراً، هذه اللعبة الدولية المجرمة وصفها الشاعر “مصباح المهدي” غاضباَ:
“أمريكا بتلعب في العدّاد
وبترقص فوق جثث الأولاد
وبتنفخ ف أتون الأحقاد
وبتلعب لعبتها الكبرى”.
اليوم السادس
من وقت لآخر ينشر الشاعر “مصباح المهدي” أشعاره مكتوبة بخط يده الجميل، وغالباً ما تكون تلك الأبيات قصيرة، أو مقطعاً من قصيدة طويلة، ولكنها معبرة، وتتضمن الأفكار العصرية التي تساعد في استنهاض الانسان العربي من كبوته، لما تحمل من حكم وأمثال وقيّم إنسانية، وأخلاق رفيعة.
هناك مقولة لعلماء تحليل الخط تشير إلى أن الخط الجميل ناتج عن شخصية جميلة، وتدل على عبقرية عالية إذ إن عقل هذه الشخصية يريد الانطلاق في الأفكار الغير معروفة، ويده تكون بطيئة مما يشعره بالضيق والتوتر، ومن هنا يضطر إلى التأني في الكتابة، وفي خط الحروف على قواعد فنية علميّة، ولكي نستطيع التأكد من صحة هذه المقولة، علينا التأمل بهدوء بكتاباته، وتحليل خط يده من خلال توازن الحروف، وفيما يلي بعض النماذج المرفقة.
من يتأمل بهدوء حروف الكلمات والتوازن بينها يدرك سرّ أشعار “مصباح المهدي” الملوّنـة بـأفكار مـخـتلفة، ويكشف حلاوتـها، خاصة، المتأمل الذي عاش عشقاً للفن والكون والجمال والوطن والمرأة، وعرف الحب على حقيقته.
اليوم السابع، والأخير
قدرة الشاعر “مصباح المهدي” التـصويريـة الوجدانية قوية جداً، وقل من يـجاريـه فيها من شعراء العامية المصريين المعاصرين، ومن خلال وثبات ولـحظات فنية عُرف بـها، والتـصقت بـمعظم كـتاباتـه وأشـعاره المسبوكة بلغة عربـية سليـمة، وبلهجة مصرية محببة على السمع، عرف كيف يـخـتار مفرداتـها حـتـى أعطاها نكهة مـميزة:
صباح الخير على مصر اللي ع الهامش
بتزرع قمح… تجمع طرح… تخبز عيش
وتتعشى رضى بالقسمه والمكتوب
صباح أخضر خضار الوادي والدلتا
وأشغال الصنايعية
وناس بايته في وردية
وناس قايمه تشق الريق
وناس في الرزق تتشعبط و في الترماي
وتتعشى بفتّة شاي
وفي المترو وع الرجلين
بتضحك ضحكتين حلوين”.
كما نرى، لقد انغمس الشاعر “مصباح المهدي” في كل المسائل، الكبيرة والصغيرة، التي واجهها الإنسان المصري على الأراضي المصرية، كاشفاً أماكن الجمال، ومـحذراً من الكوارث ونتائجها المدمرة، مستنهضاً عنفوان، وضمير المواطن المصري.
وكم من قصيدة أعلن فيها عن غضبه على موظفي الدولة والمؤسسات الرسمية بسبب استغلالهم للأزمات المعيشية من خلال قساوة الحياة، ومرارة العيش، وهذا ما جعله يصفهم باللصوص السراقين:
“ورا كل بائس حرامي
خلاه يبيع اللباس
من غير ما احدد أسامي
واضحة بدون التباس
**************
لموا الفلوس م اللصوص
تتحل أزمة مصر
مين اللي قال خص بوص
يدفع ضرايب قصر”.
أو عندما قال
“من بدري سايبك تقشر
ضلوعي تشرح تفسر
على كيف أبوك الحكاية
تصبغ لي أبيض دماغي
تغسلني/ تغسل دماغي
ترميني في النار وتضحك
من بدري سامع نصايحك
وصاياك وطبعا فضايحك
دا تاريخ ومحتاج إزالة
نص اللي متقال زبالة
والباقي كله ابتذال
كتب التاريخ زي حالة
محتاجة هتلر يبيدها
من بدري سايبك تفسر
حسب (اللي يدفع) نصوص
وتقرر اللي انته شايفه
يا عم من غير ما الوص
طزّين في حضرة جنابك”
والحقيقة يجب أن تُقال، فأنا أنطلق من هذه الخواطر على أساس قناعاتي بدور الشاعر في تنوير الرأي العام، لذا، أرى أنه اظهر كثيراً من مواقفه الوطنية والسياسية في مصر.
ملحق سبعةُ أيام
مما لا شك فيه أن لجمال أعضاء جسد المرأة تأثير كبير على الفلاسفة والشعراء، خاصة شعراء اللهجة العامية، الذين كتبوا الملاحم في كل جزء من أجزاء جسدها، إذ كانوا يرون في هذه الأجزاء زيتاً يوقد مصباح الحياة الذي ينير لهم خيالاتهم الإبداعية، ومنهم من فقد عقله، وتعذب كثيراً بسبب هذه الرؤية الحسيّة ـ الخارجية لجمال المرأة.
بينما الشاعر “مصباح المهدي” أظهر في قصائده الغزالية جمال جسد المرأة الذي يملأ العين، بالإضافة إلى جمالها الداخلي الذي يفيض بالرحمة والمودة والحنان والأمومة، وكلها درجات جمال لا يستهان بها عند المرأة بشكل عام، وعند المرأة المصرية بشكل خاص.
بالطبع، لكل رجل نظرة خاصة لجمال المرأة نابعة من ثقافته الدينية، الاجتماعية والتربوية، ولتوضيح صورة المرأة بنظره عمدت إلى رسم لوحة لها من خلال بعض المقاطع الشعرية القصيرة التي يصف بها الأعضاء الجسدية الظاهرة من قمة رأسها حتى أسفل باطن قدمها لأستخلص أوصاف المرأة التي مدحها شاعرنا الحبيب “مصباح المهدي”.
يقول في إحدى مناجاته للمرأة:
امنحيني حق اللجوء كطفل “
مؤونته لن تكلفك شيئا يذكر
وجبة فطوره بسمة حين يصبح
وعشاؤه بسمة حين يمسي
وفي حضنك لن يفكر في شقة
بالعاصمة الإدارية الجديدة
وسيقضي الصيف ببحر عينيك
والشتاء بمحمية صدرك الريان”
قد يكون تركيزه على جمال أعضاء جسد المرأة، ووصف بسمتها وحضنها وصدرها العامر “الريان”، وقضاء طيلة فصل “الصيف ببحر” عينيها، عائد إلى أن هذا النوع من الوصف يستأنس به في الأمسيات الشعرية في المراكز الثقافية لأنه يضفي على أنفس الحضور المتعة والسرور، أمّا عدم تسميته لأجزاءً أخرى مهمة من جسد المرأة وتركها مختبئة ضمن الملابس، اعتقد أن ذلك يعود إلى عوامل نفسية ترتبط بتربيته الاجتماعية والدينية منذ طفولته.
إذ نسمعه ينشد:
“كل لابسة نقاب وسايبة شعرها
يهمس لتوبي
واللي لابسة عباية
لابسة البنطلون
واللي لابسة قلبي جيبة
مصر كل الطيبة فيها
كل عابد ربنا بطريقة فيها 
من صحيح الدين رواية
سمرا ياللي النوبة حضن
نبتى فيه آية آية”.
لقد أحب المرأة المصرية “لابسة النقاب” ، كما أحب المرأة التي “سايبة شعرها” المتطاير ناعماً في الهواء، واحب لون عيون المرأة وكحلتها وخدودها، وتغزل بفمها المزين بشفاف خمرية بلون الزهر:
“يا بسمتك موسم أزهار
يا رقتك ريحة الجنة
أنا باستعيذ بيكي من النار
حضنك نصيبي من الجنة”.
بعدما قرأت قصائده الغزالية بتمعن، ووجدت أن فكرة جمال المرأة فيها ترتبط في معظمها بالتكوين الجسدي، بالإضافة إلى جوانب أخرى في شخصيّتها، ومن ذلك مستوى تعليمها، ودرجة تفكيرها، وحلاوة روحها، وقبل كل ذلك أخلاقها.
“يا منتهى الرقة عنيكي
يا آخر الدنيا إيديكي
خليني منّك وإليكي
أسكر وأفوق أسكر تاني”.
شخصيّاً، أرى أن عقل المرأة هو سرّ جمالها الأبدي، لأن جمالها الجسدي، بالرغم من أهميته، يتغيّر مع الأيام، وكنت أتمنى لو نظر في قصائده إلى جمال المرأة بعقله بالمقدار نفسه الذي نظر فيه بعيونه… فليس هناك أجمل من مبدع يسعى دائماً في شعره إلى تعزيز جمال المرأة الداخلي قبل الخارجي، فهناك الكثير من النساء المليئات بالجمال الروحي، والمتمسكات بالقيّم، يعتزّن ويفتخرن في أعماقهن بما هنّ عليه من جمال خارجي وداخلي كطريقة في الحوار، ورقّة المشاعر، وغيرها من القيّم التي أصبحت النساء في الآونة الأخيرة تفقدها بكل آسف، بحكم الظروف المادية والأخلاقية والتغيرات السيكولوجية التي طرأت على المرأة.
فهل يا تُرى، سينشر يوماً ما قصائده التي تتفاخر بهذا الجانب عوضاً عن التباهي فقط بتناسق قامة المرأة ومفاتنها وجمال عيناها ودفء صدرها وغيرها من المظاهر الخارجية؟…
وأخيراً، أرجو من القراء الأعزاء، ومن عزيزي الشاعر الحبيب “مصباح المهدي” أن لا تكون هذه الخواطر قد سببت لهم الملل لأنها جاءت أكبر من مقال، وأصغر من دراسة، فأنا معجب جداً بأشعار الحبيب “مصباح المهدي”، ولم استطيع أن أمرّ مرور الكرام على مضامينها الفكرية، التقنية والشكلية، دون أن أبدي رأيي فيها متأملاً أن أكون قد توفقت بعض الشيء في اختياري للنصوص وللخواطر.
 
************
تونس 1 إكتوبر تشرين أول 2018

%d مدونون معجبون بهذه: