حسام إبراهيم يكتب : "شم النسيم" ..عيد الهوية المصرية!!

0 16

  
    الاحتفال بشم النسيم علامة دالة على معنى الهوية للمصريين كشعب واحد في وطن واحد تضرب جذوره العريقة في اعماق التاريخ وتشكل حضارته رسالة ملهمة للإنسانية كلها
ويرمز حرص المصريين على الاحتفال بيوم شم النسيم عاما بعد عام لخصيصة ثقافية وحضارية مصرية تتمثل في التراكم والاستمرارية المضادة للانقطاع” وكذلك “جغرافيا التواصل الحميم بين أبناء الوطن الواحد التي افرزتها حضارة النهر الخالد”.
من هنا اكدت دار الإفتاء ان الاحتفال بيوم شم النسيم “عادة مصرية ومناسبة اجتماعية” حيث يحتفل المصريون جميعا باهلال فصل الربيع بالترويح عن النفس وصلة الأرحام وزيارة المنتزهات وممارسة بعض العادات المصرية كتلوين البيض واكل السمك “وكلها أمور مباحة شرعا”.
فالمصريون قدموا للعالم قبل نحو خمسة الاف عام ابهج الأعياد الإنسانية فيما يعبر احتفال شم النسيم حقا عن مدى ثراء التراث المصري في يوم “يعادل بمساواة بين الليل والنهار” وكان المصريون القدامى يحرصون على الاستيقاظ في هذا اليوم قبل شروق الشمس.
وفي كتاب جديدصدر في بريطانيا بعنوان “الحضارات”كان من الدال ان تقترن العروض والمعالجات الصحفية لهذا الكتاب بسرده المبتكر في الصحافة الغربية بصور لمؤلف الكتاب دافيد اولوسوجا وهو يقف عند اهرامات الجيزة الشامخة فيما تقول ادبيات التاريخ ان المصريين القدماء كانوا يحتفلون بشم النسيم بتجمعات قبالة “الواجهة الشمالية للهرم الأكبر”.
وهذا الكتاب الجديد الذي صدر بالانجليزية قوامه سلسلة وثائقية بعنوان  “الحضارات” اعدها المؤرخ دافيد اولوسوجا اتخذت قالب التحقيق  الثقافي التلفزيوني وجاءت الحضارة المصرية في قلب هذه السلسلة التي حظت باهتمام واضح في الصحافة الثقافية الغربية وتشكل ردا على مايتردد في بعض منابر  الغرب بشأن “التفوق الأوروبي” بالتزامن مع صعود لنزعات عنصرية لاتخطئها العين.
والمؤرخ دافيد اديتايو اولوسوجا نيجيري الأصل ويحمل الجنسية البريطانية فيما تتنوع انشطته الثقافية مابين الكتابة والإذاعة والتحقيقات المتلفزة وسعى في سلسلة تحقيقاته الوثائقية المتلفزة حول الحضارات للوصول “لجوهر الابداع الإنساني” كما كشف المزيد من الحقائق حول عمليات النهب الاستعماري الأوروبي لكنوز ثقافية في عالم الجنوب وخاصة القارة الافريقية فيما استقرت بعضها في متاحف كالمتحف البريطاني.
ولاريب ان قضايا “الهوية” حاضرة في هذا الكتاب الجديد وهي قضايا ثقافية بالدرجة الأولى ومتصلة مباشرة بمسائل مثل التراكم الحضاري وثراء الشخصية القومية لشعب كشعب مصر العظيم وخصائص مثل قابليته الطبيعية للانفتاح على الآخر دون قسر او ارغام او جور على خصوصياته الثقافية وملامحه الحضارية.
ويؤكد احد المعنيين بالدراسات الثقافية التاريخية وهو إبراهيم عناني عضو اتحاد المؤرخين العرب ان الاحتفال بشم النسيم اصله “فرعوني” موضحا ان المصريين القدماء كانوا يطلقون على ها اليوم “شموه” واعتبروا هذا اليوم “عيدا للربيع والحب” حيث كان المصري القديم يستيقظ مبكرا في الصباح ليهدي لزوجته “زهرة اللوتس”.
واذ يحتفل المسيحيون من أبناء مصر بعيد القيامة قبل يوم واحد من شم النسيمويحتفل كل المصريين بعيد شم النسيم فان الاحتفالين معا حافلان بالرموز والدلالات الثقافية النبيلة والمؤكدة على تفرد مصر التي باركها السيد المسيح فيما اكد سيدنا ونبينا محمد على انها “كنانة الله في ارضه من ارادها بسوء قصمه الله”..ويقول المفكر الاستراتيجي الراحل جمال حمدان ان الأقباط “اقرب المسيحيين في العالم الى الاسلام بمعنى او اخر وفي هذا تفرد يضاف الى تفرد مصر بعامة فكما ان مصر فلتة جغرافية فان الأقباط فلتة طائفية”.
واوضح جمال حمدان :”قد لاتوجد بل قطعا لاتوجد اقلية دينية في العالم كالأقباط في مصر , فليس في العالم أقلية دينية عاشت في اعمق اعماق احضان الاسلام وعايشته حتى النخاع في حنايا وظلال مجتمع اسلامي وحضارة اسلامية بالكامل كالأقباط,  أقلية مشبعة تماما بالجو والبيئة”..ويضيف الراحل العظيم وعاشق مصر الذي استطاع بمهارة فائقة ان يحول علم الجغرافيا بتضاريسه وجباله ووديانه الى سيمفونية موسيقية رائعة :”ليكن اقباطنا همزة الوصل وأداة الربط ورابطة الصداقة بين المسيحية والاسلام كما بين مصر والغرب وليكن هذا ايضا دور المسيحية العربية على وجه العموم”.
واذا كان المستشرق الإنجليزي ادوارد لين الذي زار القاهرة عام 1834 قد توقف مطولا امام احتفال المصريين بشم النسيم وقدم وصفا مفصلا لهذا الاحتفال مشيرا الى حرصهم على التبكير بالتوجه لمناطق ريفية او حدائق والتنزه في النيل فالطريف في العصر الرقمي الآن ان بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن ذكريات الاحتفال بشم النسيم واحاديث مبهجة عن “الفسيخ والملوحة والأسماك المدخنة اوالرنجة” وتجسد مأكولات المصريين في الاحتفال بيوم شم النسيم معاني “الثقافة الغذائية للشعب الواحد” والتي تختلف بين الشعوب والثقافات في العالم بينما يحمل هذا اليوم بمأكولاته وطقوسه وذكرياته دلالات مفعمة برائحة مصر.
ويبدو ان وزارة الثقافة عليها ان تشرع بالتعاون مع وزارات ومؤسسات اخرى في إقامة مهرجانات معنية بالثقافة الغذائية المصرية حيث بات هذا النوع من المهرجانات الثقافية موضع اهتمام في دول شتى حول العالم..فالثقافة الغذائية التي تتجلى على وجه الخصوص في احتفالات كيوم شم النسيم تدخل في صميم دراسات التراث والعادات والتقاليد..واذا كان الطعام في الثقافة الغربية كما هو في ثقافات عديدة يقترن بقدر من البهجة كما يؤشر  كتاب صدر بالانجليزية  لكين البالا وعنوانه”قاريء تاريخ الغذاء:مصادر اساسية” فان طعام شم النسيم يشكل بحق اسهاما مصريا اصيلا وخالدا في العلاقة بين الطعام والبهجة فيما تتوارث الأجيال في مدينة مثل “نبروة” اسرار صناعة الفسيخ الفائق الجودة.
ولئن توغل كين البالا في تاريخ مصر ضمن سعيه المعرفي لتحديد العلاقة بين الغذاء والهوية فان مأكولات شم النسيم من بيض ملون وبصل وليمون وملانة وخس ناهيك عن الفسيخ والملوحة والرنجة وسائر انواع الأسماك المملحة والمدخنة جزء اصيل من الثقافة الغذائية للمصريين وتضرب بجذورها في اعماق تاريخهم ولن تفلح كثيرا اي تحذيرات من تناول الفسيخ مثلا فضلا عن ان طعام المصريين في هذا اليوم يحمل دلالات ثقافية وروحية  من بينها ان البيض الملون فضلا عن الأسماك المملحة والمحفوظة تشير الى ان اجساد البشر ستبعث من جديد يوم القيامة.
غير ان هذا الارتباط العضوي بين مأكولات شم النسيم والثقافة الغذائية للمصريين لايحول ابدا دون انتهاج السبل السليمة والوسائل الناجعة صحيا في تمليح وحفظ الأسماك والاصغاء لارشادات ونصائح خبراء التغذية حول افضل السبل والوسائل لدرء اي مخاطر او متاعب صحية في يوم يرمز للربيع..وامير الشعراء احمد شوقي لم يجد أروع من الربيع كحياة وحب وجمال وازدهار وازهار ليشبه به الشعر فيقول عن الشعر :”نغم في السماء والأرض شتى من معاني الربيع او الحانه” فيما يقول الكاتب والشاعر الكبير احمد عبد المعطي حجازي ان عودة الربيع في الحضارات القديمة والعريقة كالحضارة المصرية ارتبطت بعودة الروح او الميلاد الجديد وهو “العيد الذي لانزال نحتفل به في شم النسيم”.
ولعل الجيل الشاب يستمع لذكريات الجيل الأكبر سنا حول المنافسات الفنية بين اثنين من اكبر المطربين العرب في “حفل شم النسيم” بمصر وهما عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وكان يطلق على الحفل الغنائي الساهر كل منهما “حفل الربيع”..ومن اجمل مافي احتفال المصريين بيوم شم النسيم تلك المشاهد الاحتفالية البريئة من التحرش في مرح الحدائق ودفء القلوب فيما يؤدي بعض الشباب رقصات جماعية وبعض الأغاني المبهجة  
في هذا الاحتفال المصري المتواصل على مر الزمن تتجلى بكل الوضوح هوية مصر وتاريخها المجيد ومعنى الشعب الواحد في الوطن الواحد..قباب الكنائس بترانيمها تعانق مآذن المساجد وهي تصدح بالآذان .. انها مصر تتحدث عن نفسها..هنا بدأ التاريخ وهنا شعب مازال يصنع التاريخ !. 
 
 

%d مدونون معجبون بهذه: