فتحي خطاب يكتب:العرب يفتحون الأبواب والنوافذ مع دمشق

0 40


كان لابد أن تنتصر سوريا وتستعيد مكانها وموقعها داخل البيت العربي .. لسببين:

  • أولهما : أنها دولة لها تاريخ.. وبعض أشقائها الذين ناصبوها العداء وساهموا في توريد وتمويل الإرهابيين، وتدمير بنينها التحتية، هي دول حديثة النشأة نسبيا، ولم تسمع عنهم سوريا من قبل، عبر تاريخها الممتد في عمر الزمن .. وحتى بعض الدول الأجنبية التي شاركت في المخطط الإرهابي، هي دول اكتشفها مصادفة بحارة ولصوص وقراصنة .. أي أن أحكام التاريح لصالح سوريا، التي تستمد تأثيرها من التاريخ نفسه
  • والسبب الثاني: أن سوريا تمتلك قدرات غير منظورة، قد لا تكون مادية، محسوسة ومرئية، ولكن حساباتها هائلة، وهي قوة يمكن أن تكون معنوية، ويمكن أن تكون تاريخية، ويمكن أن تكون نفسية، وكما يقال فإن حساباتها لا تخضع لمعادلة أن واحدا زائد واحد يساوي اثنين، وإنما حساباتها أعقد من ذلك.. وبمعنى أن حقائق وعلاقات وموازين القوة، ليست فقط القوة العسكرية، وإن كانت مجرد عنصرا من عناصرها.

صديقي الدبلوماسي السوداني، والمقرب من دائرة صنع القرار، يرى أن سوريا تنتصر على «كتلة» من المخططات والمؤامرات، وتقف الآن على عتبة الحضن العربي بالعودة لمقعدها الشاغر بالجامعة العربية بعد ثلاثة أشهر تقريبا، ومؤكدا ـ من موقعه الرسمي ـ أن السودان ينسق مع الدول العربية، من أجل إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، بعد تجميد عضويتها بتاريخ 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، وإذا كانت هناك دول عربية تحفظت واعترضت على قرار الجامعة بتجميد العضوية، فإن  قرار عودة سوريا لن يشهد تحفظات أو اعتراضات، ولو كانت هناك دولة عربية أو ثلاثة فقط لديهم تحفظات فإنهم سيتوارون خجلا من موقف الشعوب العربية !! الدبلوماسي السوداني ـ وهو ذو مركز مرموق  في ديوان الرئاسة ـ رفض التأكيد إن كان الرئيس عمر البشير فد طرح على الرئيس بشار الأسد، خلال زيارته السريعة مؤخرا لدمشق، التحرك السوداني لقيادة التوجه بعودة سوريا للجامعة العربية .. ولكنه قال: إن سوريا تقول إن الجامعة العربية ترهلت، ولن تطلب العودة لمقعدها، وأن الخطأ الذي ارتكبته الجامعة هي التي تقوم بتصحيحه وليس بطلب من سوريا، خاصة وأن القرار كان فاقدا للأساس القانوني، لأن فصل أية دولة من عضوية الجامعة حسب المادة 18 من ميثاق الجامعة مشروط ومحدد بعدم التزامها بمواد الميثاق فقط، وبما أنه لم يرد في حيثيات قرار تجميد العضوية، أي إشارة لمخالفة سوريا لأي بند من بنود الميثاق فإجراء التجميد غير قانوني، والأمر الثاني وفقا لميثاق الجامعة العربية هو توفر شرط الإجماع، وهذا ما لم يتم حيث اعترضت  بعض الدول وامتنعت أخرى عن التصويت.

ومن الواضح أن الرئيس البشير يدرك أهمية ومحورية الدور السوري في البيت العربي، ولديه معلومات رسمية عن مواقف غالبية الدول العربية المؤيدة والمطالبة بعودة سوريا لممارسة دورها القومي داخل الجامعة العربية، بحسب تعبير الدبلوماسي السوداني،  وحفاظا على «كرامة» سوريا واعترافا بمكانتها، سوف يتم  توافق بین الدول الأعضاء على إنھاء تعلیق عضویة سوریا، خلال القمة العربية المقبلة، في الدورة العادية الثلاثين، في تونس، في شهر مارس / آذار المقبل.. أي أن قرار التجميد صدر من مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، لكن قرار العودة سيكون صادرا من مجلس الجامعة على مستوى القمة بما يليق بمكانة سوريا وتصحيحا لموقف سابق.

هناك بالفعل دلالات ووقائع عن توجه عربي لفتح الأبواب والنوافذ مع دمشق، وكان الموقف الأكثر تناغما مع الواقع العربي، هو ما عبر عنه الملك عبد الله الثاني، خلال لقائه مجموعة من الصحافيين الأردنيين،الأحد 23 ديسمبر/ كانون الأول: «علاقاتنا ستعود مع سورية كما كانت من قبل، نتمنى لسورية كل الخير، إن شاء الله الشغل سيرجع كما كان من قبل، عودة العلاقات مع سوريا باتت قريبة»..أضف إلى ذلك ملامح الصورة التي كشف عنها بيان  وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، عن عودة العمل في سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في دمشق، الخميس 27 / 12 ، موضحا أن هذه الخطوة تؤكد حرص الإمارات (الدولة الخليجية الفاعلة والمؤثرة) على إعادة العلاقات بين البلدين الشقيقين إلى مسارها الطبيعي بما يعزز ويفعل الدور العربي في دعم استقلال وسيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية ودرء مخاطر التدخلات الإقليمية في الشأن العربي السوري.

أتصور أن صيغة البيان قد تمت صياغتها بعناية دقيقة لا تحمل اللبس، لتؤكد رغبة حقيقية  في «إعادة ما انقطع» وتوطيد وتعزيز العلاقات مع دمشق، وبالضرورة عودة سوريا للبيت العربي.. ورغم عدم توافر معلومات عن الزيارة المفاجئة لرئيس المخابرات السورية، اللواء علي المملوك، للقاهرة السبت 22 / 12 والاجتماع العاجل مع رئيس المخابرات المصرية، اللواء عباس كامل، خاصة وأن الزيارة جرت بدعوة من رئيس المخابرات المصرية، بحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، وأنهما «بحثا القضايا الأمنية والسياسية ومكافحة الإرهاب»، وقبيل دخول قوات الجيش السوري مدينة منبج شمال البلاد قرب الحدود التركية، لفرض سيادة الدولة على كل شبر من أراضي الجمهورية العربية السورية،وفي ظل التهديدات التركية بالتدخل في شرق الفرات،على خلفية إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سحب قوات بلاده من سوريا.. فإنه ليس سرا بالطبع أن دعوة «المملوك»، الذي يعد أحد أبرز المسؤولين الأمنيين في سوريا، ترتبط بتحركات مصرية راهنة لإعادة تصحيح خريطة العلاقات العربية، وقبل ذلك إعادة تصحيح خطأ تاريخي ارتكبه الرئيس المصري «الإخواني» الأسبق محمد مرسي العياط، في 15 يونيو/ حزيران  2013 بقطع جميع العلاقات مع دمشق، وطالب بفرض منطقة حظر جوي فوق سوريا، وهو قرار لم يجرؤ حاكم مصري منذ زمن الفراعنة، أن يتخذه ضد أحكام التاريخ وشواهد الجغرافيا.. والمصادفة التاريخية الجديرة بالاهتمام،  أنه بعد أسبوعين فقط من هذا القرار جاءت نهاية حكم الإخوان في مصر.

هناك نظرية تاريخية ثابتة على مسار العلاقات المصرية ـ السورية ، وهي نظرية «الاعتماد المتبادل» بين القاهرة ودمشق، كما أن مصر تدرك بوعيها الاستراتيجي، أن سوريا حائط الصد الأمامي للأمن القومي المصري، ولذلك اتفق مع  عدد كبير من خبراء عسكريين، بأن مباحثات رئيسي المخابرات «كامل ـ المملوك»، تناولت  دلالات إعلان الرئيسِ الأمريكي دونالد ترامب، في 19 / 12،  أن «الوقت حان» بالنسبة إلى الجنود الأمريكيين للعودة إلى الوطن من سوريا، بعد سنوات من قتالهم ضد تنظيم «داعش» هناك، بينما أثار إعلانه انتقادات واسعة وتحذيرات من حلفائه فرنسا وبريطانيا وقوات حماية الشعب الكردية السورية، كما أثار رفضا من نواب جمهوريين حذروا من خطر الانسحاب على الحملة على تنظيم «داعش»، فضلا عن ردود الفعل داخل «إسرائيل».. وجرت بالفعل  دراسة مصرية ـ سورية لأبعاد التوجه الاستراتيجي الأمريكي الجديد، باعتبار أن مستقبل السياسة الخارجية بات في التركيز على مصالح أمريكا في شرق آسيا، لأسباب تجارية وعسكرية.

الآن ..العرب يفتحون الأبواب والنوافذ مع دمشق..وهي خطوة تأخرت كثيرا.. ولكن ما يهمنا هنا، أهمية التجارب في حياة الأمم، بأن تعرف عند كل موضع من مواضع تاريخها، كيف وصلت إليه؟ ولماذا؟ وأن تعرف من أين هي قادمة، وإلى أين هي قاصدة ؟ وكيف وصلت بها الأحداث والحوادث إلى هذه الحال؟

%d مدونون معجبون بهذه: