فتحي خطاب يكتب من ذاكرة فلسطين: مؤامرة «فندق بلتيمور» الأمريكي.. «صفقة القرن الأولى»

0 16

 

مستشار الرئيس الأمريكي ترامب وصهره، جارد كوشنرن عاد ليتحدث عن (صفقة القرن)، وأعلن يوم الثلاثاء الماضى، أن الصفقة سوف تعلن قريبا. وفى لقاء مع فوكس نيوز قال إن الرئيس ترامب سيركز قريبا على «الخطة – الصفقة»، لحل النزاع العربى ـ الإسرئيلى، وأن هناك أسبابا كافية للثقة فى الخطة وبإمكانية إحراز تقدم كبير بواسطتها !! ورغم غموض الصفقة وما يثار حولها حتى الآن، إلا انها ليست صفقة القرن الأولي، ولكنها الثانية، ويبدو أنها ستكمل حلقات ما تبقى من الصفقة الأولى قبل 76 عاما، التي عقدت داخل قاعة فندق بلتيمور الرئيسية بالدور الأول، لتشهد  مدينة نيويورك في العام  1942  انطلاق أخطر مرحلة في تاريخ القضية الفلسطينية، (صفقة القرن العشرين الأولى )، بتدشين قواعد تأسيس الكيان الصهيوني تحت مسمى «دولة إسرائيل» فوق الجغرافية الفلسطينية، أو ما يعرف في الخطاب السياسي العبري بـ ( وعد بلفور 2 )!!

 وسجل «فندق بلتيمور» الأمريكي وقائع تلك المؤامرة، أوصفقة القرن ـ وكما ورد في المادة الثامنة من إعلان مؤتمر بلتيمور ـ كانت الصفقة محددة بثلاث نقاط، وهي : فتح أبواب الهجرة في فلسطين أمام اليهود، دون أي قيود يضعها طرف محلي أو دولي.. وضرورة مساعدة المجتمع الصهيوني (التنظيمات الصهيونية) في إنشاء الدولة، عن طريق مساعدات مادية وسياسية وعسكرية كافية لتحقيق هذا المطلب.. واعتبار الدولة اليهودية المنتظرة جزءا من بناء العالم الديمقراطي الجديد الذي ستكون قيادته دون منازع للولايات المتحدة الأمريكية.

داخل الفندق الصغير في نيويورك، عقد المؤتمر الأشهر في تاريخ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة، على مدى ثلاثة أيام ( 9 ـ 11 مايو / آيار1942 )، وداحل المؤتمر كان امتزاج الصهيونية الأوروبية مع الصهيونية الأمريكية، ليصبحا قوة واحدة وراء مشروع الدولة اليهودية في فلسطين .. وأن يكون هذا المشروع تحت رعاية وحماية القوة البازغة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية.

 المحاضر السرية لجلسات المؤتمر

وتسجل المحاضر السرية لجلسات المؤتمر، الذي عقد برعاية أمريكية ومشاركة بريطانية فرنسية، وبحضور كل التنظيمات الصهيونية في أوروبا وأمريكا، ومع مؤسسي المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين: حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية آنذاك (ورئيس الوكالة اليهودية كذلك)، ودافيد بن جوريون رئيس اللجنة التنفيذية الصهيونية، وناحوم جولدمان، من كبار قادة الحركة الصهيونية.. تسجل محاضر الجلسات السرية ـ وقتئذ ـ أهم مقولات الحركة الصهيونية الأوروبية لنظيرتها الأمريكية، في تحديد الواجبات المستقبلية، خلال جلسات المؤتمر: ( إن يهود أوروبا استطاعوا الحصول على الوعد بالدولة «وعد بلفور» وقد أوشكوا على تحقيق قيام الدولة بمقتضاه، وعلى يهود أمريكا أن يستكملوا الطريق بتحقيق هدفين ) ـ وقد تحددا بوضوح ـ وهما :

  ـ الهدف الأول ..« تأكيد وتثبيت قيام الدولة».. وقد تحقق، وزاد عليه فيما بعد، الالتزام والتعهد الأمريكي الشهير الذي أعطاه هنري كسنجر لإسرائيل، كتابة وبتوقيعه كوزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس «ريتشارد نيكسون» 1973، وقد سبقه تعهد آخر في ولاية الرئيس «ليندون جونسون»، وهي شروط مكتوبة تقّر بأن الولايات المتحدة تتعهد بأن تحفظ لإسرائيل تفوقا عسكريا .. وتتعهد بأن تحول دون أي قرار في الأمم المتحدة يوجه اللوم لها .. وتتعهد بأنه مهما كانت الظروف لن تمارس أي ضغط على إسرائيل تحت إلحاح أصدقائها من العرب .. وهي التعهدات الضامنة لوجود دولة الاحتلال، وأمنها، وقوتها، وأضيف إليها «التعهد بألا تتقدم أمريكا بأية مقترحات في أية مفاوضات تجرى بين الأطراف إلا بعد أن تتفق في أمرها مع إسرائيل» .. ثم أضيفت قائمة بتعهدات أخرى تمثل حواكم لفعل السياسة الأمريكية وقراراتها بشأن الصراع في المنطقة !!

المثلث المشؤوم

هذه العلاقة وصفها نعوم تشومسكي في كتابه «المثلث المشؤوم: الولايات المتحدة وإسرائيل والفلسطينيون» إصدار عام 1983، بأنها علاقة فريدة لا مثيل لها في تاريخ العلاقات الدولية .. ويصفها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بقوله: «لقد آمن سبعة من رؤساء الجمهورية أن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة، لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، لا يمكن تقويضها لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه»، كما لفت «بريجنسكي» مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي، إلى هذه العلاقة بقوله: «إن على العرب أن يفهموا بأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات الأمريكية العربية، لأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية علاقات حميمة مبنية على التراث التاريخي والروحي الذي يتعزز باستمرار بواسطة النشاط السياسي لليهود الأمريكيين»!!

2 ـ الهدف الثاني من داخل مؤتمر فندق بلتيمور.. «تحقيق اعتراف العرب بقيام الدولة».. باعتبار أن ذلك هو الضمان الشرعي الوحيد لبقائها، و«تستقر الشرعية حين يقدم الضعيف اعترافه بالأمر الواقع، حتى وإن كان مفروضا عليه».. وقد تحقق الهدف الثاني أيضا، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية لأول اتفاقية سلام بين أكبر دولة عربية «مصر» وإسرائيل ، ثم لحقتها المملكة الأردنية الهاشمية ، وأضيفت إليهما اعترافات بعلاقات ومكاتب اتصالات تجارية من المغرب وقطر وتونس وموريتانيا وسلطنة عمان، وبعد نحو خمسة وثلاثين عاما تقريبا من مؤتمر بلتيمور.. تحقق الهدفان وزيادة .. وقد أعطى العرب وقدموا من الدلائل والتأكيدات والتنازلات ما لم يكن يخطر على بال أحد من المشاركين في «مؤتمر بلتيمور» حتى في أكثر الأحلام جموحا وإغراقا في الخيال!!

في سجلات الذاكرة الفلسطينية عشرات المواقف والوقائع والشواهد الأمريكية على مسار التآمر والانحياز المطلق بلا حدود للمشروع الصهيوني فوق الجغرافية الفلسطينية.. وداخل قاعة فندق بلتيمور الرئيسية بالدور الأول، كان يهود أمريكا هم الاحتياطي الاستراتيجي الحيوي للدولة الصهيونية، لتحقيق (أسطورة العودة ) على الأرض .. وكان «ديفيد بن جوريون» المؤسس الأول للكيان الإسرائيلي، هو صاحب الرؤية الصهيونية أمام المؤتمر.. قائلا : «الأرض واحدة، وطالب الأرض اثنان، ولابد أن تكون لواحد منهما فقط، ولابد أن يكون الشعب الإسرائيلي، هو هذا الواحد الذي يحصل على الأرض ويملكها، ( ولم يكن هناك وقتئذ شعبا يحمل هذا الاسم.. ولا حتى كيانا يحمل نفس الاسم !!) وأن الحل الوحيد بالنسبه له، أن يسعى بكل الوسائل، بما فيها القوة، والسياسة، وحتى الخديعة، لكي يجعل الطرف الآخر يرضي بالتنازل عن مطلبه.. ولكنه يفضل أن يأتي الاعلان عن الدولة وفيها ستمائة ألف يهودي بدلا من أربعمائة ألف موجودين في فلسطين الآن »!!

%d مدونون معجبون بهذه: