حسام إبراهيم يكتب : دموع عفرين!!

وحدها تبكي على حد انتصاف الويل !!..

0 19

انها مدينة عفرين الواقعة شمال غرب سوريا والتي لم يرحم الغزو التركي الأردوعاني تراثها الثقافي العريق فبات نهبا لدمار وتحولت آثارها لأشلاء تبكي تاريخا تليدا وحضارة عظيمة وتسامحا بناء.
مدينة عفرين هي احدى مدن محافظة حلب السورية وتجمع تضاريسها مابين السهول والجبال فيما يتآخى فيها العرب والأكراد جنبا الى جنب مع الايزيديين والأرمن ليشكلوا نموذجا للتنوع البناء الذي يتعرض الآن لعدوان تركي ضمن العدوان على أراضي وثقافة هذا القطر العربي.
قوات الغزو التركي قامت بهدم وتدمير مواقع اثرية وتاريخية في “عفرين” من بينها معبد “ديرعين” الذي يعود تاريخه الى ثلاثة آلاف عام بما يشكل “عدوانا ثقافيا صارخا وطعنة جديدة لثقافة وتاريخ هذا البلد العربي”..ومن بين الآثار الشهيرة في عفرين التي يتجاوز عدد سكانها النصف مليون نسمة : “قلعة سمعان” و”قلعة النبي و”تل عين دارة” فضلا عن الجسور الرومانية على نهر عفرين و”جسر هرة درة” الذي شيده الألمان قبل الحرب العالمية الأولى.
عشرات الآلاف من أبناء عفرين السورية شردوا وباتوا في عداد النازحين بعد الغزو التركي  وسط مخاوف من تعرض هذه البلدة وغيرها من البلدات في الشمال السوري لعمليات “تطهير عرقي” من جانب المحتل التركي وتغيير التركيبة السكانية “الديموجرافية” لهذه المنطقة التي عاشت فيها مكونات عرقية مختلفة بسلام على مدى قرون .
في سياق ادعاءات النظام التركي بملاحقة المسلحين الأكراد المناهضين لهذا النظام شنت تركيا منذ بداية هذا العام عملية غزو عسكري لشمال سوريا تحت الاسم الخادع “غصن الزيتون” في عدوان صارخ على سيادة بلد عربي ووحدة أراضيه فيما يتجاوز عدد أشجار الزيتون في عفرين السورية ال13 مليون شجرة حسب بيانات معلنة..واللغة المتعالية لرأس النظام التركي رجب طيب اردوغان وتلويحه “بالصفعات العثمانية” لأي طرف يتصدى للغزو التركي في شمال سوريا تعبرعن خطاب يجمع مابين الهيمنة والشعبوية ولن يخيف المدافعين عن بلادهم وهويتهم وثقافتهم.
والعدوان التركي في عفرين التي تنتشر فيها المواقع الآثرية يشكل نموذجا “لما يفعله نظام اردوغان في تركيا التي لم تعد في ظل هذا النظام تعيش في سلام مع نفسها ومع جيرانها ومع العالم”.. واذا كانت التنظيمات السورية الكردية التي تستهدفها قوات الغزو التركي  طرفا في محاربة عناصر تنظيم داعش الإرهابي وتحجيمه في سوريا فان هذه الحقيقة تلقي بمزيد من الضوء على العلاقة التي تحدث عنها معلقون ومحللون بين تظام اردوغان والدواعش والتعاون شبه المعلن بين الجانبين !.
وتنظيم داعش الارهابي الذي تحدث محللون عن تلقيه دعما تركيا عاث فسادا وتدميرا في آثار العراق  كما انهمك في عمليات لتدمير الآثار في مدينة تدمر السورية بينما تقوم الآن قوات الغزو التركي في عدوانها السافر على مدينة عفرين بتدمير التاريخ في تلك المدينة ومحيطها.
ويشكل هذا العدوان التركي في عفرين “هجمة جديدة  على التراث الثقافي المتنوع في المشرق العربي الذي عرف تاريخيا بتنوعه الحضاري وتعدد مكوناته الثقافية”..ولن يختلف الأمر في دلالاته ورموزه مابين تنظيم داعش الذي نشر من قبل  صورا لمقاتليه وهم يرفعون الأعلام الداعشية السوداء فوق قلعة تدمر التاريخية عندما سيطر هذا التنظيم الارهابي على المدينة الأثرية الواقعة في ريف محافظة حمص وبين صور تدمير قوات الغزو التركي للتراث الثقافي في “عفرين” بما تشكله من “انتهاك صارخ لحرمة التراث الانساني ومحاولة لمحو ذاكرة البشرية”.
وشكلت الأراضي التركية معبرا لعمليات لتهريب  الآثار المهربة من  الموصل قبل تحريره من قبضة الدواعش الذين قام بعضهم ببيع هذه الآثارفي السوق السوداء وذكرت دورية “نيويورك ريفيو” انه حقق مكاسب تقدر بمئات الملايين من الدولارات جراء انخراطه في عمليات تهريب الآثار الأشورية والاتجار بها اما  الدكتور ايكارت فرام استاذ الآشوريات والمتخصص في تاريخ بلاد الرافدين بجامعة ييل الأمريكية فقال ان هناك حاجة لتوثيق المسروقات من الآثار  وطالب الحكومة التركية بالتعاون لمنع تهريب الآثار العراقية المنهوبة عبر اراضي تركيا.
ومع  العدوان التركي السافر على أراض في سوريا فان التراث الثقافى التاريخى السوري  بات على المحك فى ظل تطورات مخيفة تهدد الثقافة والمكان والذاكرة والهوية ..وكان  مارك جريشماير رئيس قسم الآثار فى المعهد الفرنسى للشرق الأدنى فى بيروت  قد اوضح ان “الآثار السورية تكتسب اهمية استثنائية كونها شاهدة على التطور البشرى وتشهد على نشوء البلدات الأولى فى التاريخ”..فسوريا تعد من الدول الغنية حقا بالآثار حتى ان المقولة الشائعة هناك:”يمكن للمرء ان يحفر فى اى مكان ويجد آثارا” !.
واذا كان الأضرار بتراث بلد هو “اضرار بروح الشعب وهويته” كما اعلنت منظمة اليونسكو فى سياق تناولها للأوضاع فى سوريا فان القصف المروع لمدن عريقة تختزن التاريخ فى فضاءاتها مثل مدينة عفرين يشكل جريمة لايمكن ان تمر بلا عقاب..ومع ذلك فالعالم يترك “عفرين وحدها مع دموعها على حد انتصاف الويل الأردوغاني وهوس العثمانية الجديدة” وسط حسابات الحروب الباردة والساخنة والحروب بالوكالة التي امست سوريا الجريحة مسرحا من مسارحها المآساوية  !!..ايها العالم مااقبحك !.
 

%d مدونون معجبون بهذه: