اوبرا دمنهور ..العائدة من حضن التراث.

0 17

تقرير تامر عزت
استطاعت الاوبرا على مر تاريخها المديد والطويل الذى امتد الى نحو ثلاثة قرون .. ومن خلال ما تقدمه من فنون رفيعة الذوق..وعروض عالمية شعبية وتراثية استطاعت أن تسهم فى صياغة الوعى الانسانى..وأن ترتقى بأذن مستمعى ومتلقى فنونها وندواتها ولقاءاتها الثقافية والفنية المختلفة..وما تقدمته من حفلات موسيقية متنوعة فى دأب وحرص بشكل منظم ومنتظم ضمن خطة واضحة المعالم والاهداف والتنوع..مشتملة على جميع التيارات الفكرية والفنية بدأا من اللقاءات والحوارات وصولا الى العروض الفنية..كما ساهمت الاوبرا فى تشكيل وعى جمهور الاقاليم والمحافظات من خلال الحفلات الفنية عبر فرقها المتنوعة لاتاحة الفرصة لجمهور الاقاليم لمشاهدة والتمتع بتلك الابداعات المصرية او العربية او الاجنبية من الفنون الرفيعة الراقية..فأث

رت وجدان من يتابعها..وارتقت بفكر من يشاهد ويستمع..فأصبح نهاية لها جمهورها الخاص بها ..كعارض ومتلقى على حد سواء..
 
  ولنتحدث عن قصة الاوبرا فى مصر ..والذى يرجع الفضل والجميل فى ذلك الى الخديوى اسماعيل الذى تولى عرش
 
مصر عام 1863 الى بناء أول دار اوبرا مصرية ..والتى عرفت آنذاك بالاوبرا الخديوية كى تشهد حفل افتتاح قناة السويس عام 1869..بعد أن أصدر أمرا او مرسوما خديويا الى عالم الاثار (أوجست مارييت) والذى كان يتولى مديرا عاما للأثار فى مصر ..بتوليه مهمة تأليف أوبرا عايدة وأن يتم تقديمها فى الحفل.. 
ولنا أن نعرف أن قصة الاوبرا كفن أو كمقطوعات خاصة من الفن الغنائى التراثى القديم  تدور حول الاميرة عايدة ابنة ملك الحبشة (اموناصرو) التى وقعت فى حب وغرام قائد الجيوش المصرية (راداميس) الذى بادلها نفس الحب والمشاعر ..ولما عرلم بذلك والدها ملك الحبشة طلب منها وبالحاح شديد معرفة طريق الجيش المصرى وخطته لغزو الحبشة ..لتنتهى القصة باتهام القائد (راداميس) بالخيانة العظمى وصدور حكم بدفنه حيا لتتهى الاوبرا باستسلاممه فى قبره والذى سبقته اليه معشوقته ومغرمته عايده ..فى دلالة واضحة من هذا الموقف على الصراع بين الواجب والعاطفة ..حيث الصراع يعلو داخل ذات عايدة بين انتمائها لبلادها وواجبها تجاهها وحرصها على أن تجنبها مخاطر الغزو والاحتلال.. وبين اخلاصها لحبها للقائد المصرى الذى يبادلها حبا بحب..لذا اطلق عليها اوبرا عظيمة ..
 

  الاوبرا الثالثة ..اوبرا دمنهور.

تزخر الحياة الثقافية والفنية فى مصر بثلاث مبان تراثية وتاريخية للاوبرا ..أولها الاوبرا الخديوية التى ارتبطت تاريخيا وفنيا بافتتاح قناة السويس ..حيث كان الخديوى اسماعيل شغوفا بهذا الفن الرفيع فاراد وقت أمره بانشاء أول اوبرا مصرية أن تكون تحفة معمارية لا تقل عن مثيلاتها فى العالم فعهد بذلك الامر الى المهندسين الايطاليين (افوسكالى وروسى)بوضع تصميم يراعى الدقة الفنية حيث أنه استعان بعدد من المثاليين والرسامين والمصورين لتزيين الاوبرا وتجميلها ..ولما تاكد ميعاد افتتاح قناة السويس فى الاول من نوفمبر 1869 ..أعلن ايضا انه افتتاح وعمل الاوبرا المصرية تزامنا مع حفلات افتتاح القناة..وعلى الرغم من اهتمام الخديوى ورغبته الاكيدة فى ان تفتتح الاوبرا بعرض اوبرا عايدة الا أن الظروف وقتها حالت دون اتمام ذلك نظرا لعدم وصول الملابس والديكورات من بايس حيث أنها كانت تصمم وتصنع هناك وكانت باريس فى ذلك الوقت محاصرة اثناء الحرب الفرنسية الالمانية فاستحال معها شحن الملابس والديكورات لاتمام العرض الفنى..وقد استبدل وقتها عرض اوبرا عايدة بعرض فنى آخر اسمه (ريجيوليتو)..واعتبرت الاوبرا القديمة اول اوبرا من نوعها فى قارة افريقيا واعتبر مسرحها أحد أكبر مسارح العالم رقعة واستعدادا وفخامة..

اوبرا الاسكندرية

    وتأتى اوبرا الاسكندرية كثانى أوبرا مصرية خالصة ..فهو المسرح الرئيسى بالاسكندرية وقد بنى هذا المسرح عام 1918 وافتتح عام 1922 بمدينة الاسكندرية وكان يطلق عليه (تياترو محمد على) ومازال الاسم القديم مدونا على اللوحة التأسيسية لدار الاوبرا فى واجهتها الرئيسية..وتسمى دار اوبرا الاسكندرية حاليا باسم ابن المدينة وفنان الشعب سيد درويش اعتبارا من عام 1963 تقديرا له على تحديثه للموسيقى العربية فى مصر ..وقد صمم مبنى اوبرا الاسكندرية على الطراز الايونى المهندس الفرنسى الشهير (جورج بارك) والذى استوحى تصميمه المعمارى من تصميم دار اوبرا فيينا ومسرح اوديون بباريس ..كما قام بتزيينه بزخارف اوروبية كلاسيكية الطابع كما كان سائدا فى مصر فى بداية القرن العشرين ..وقد قدمت على خشبة هذا المسرح عروضا مسرحية وموسيقية عديدة مصرية واوروبية وكان أول عرض مسرحى قدم عليه هو عرض شهرزاد فى 30 يونيو عام 1921..وتبلغ سعة المسرح حوالى 100 مقعد ومساحته الكلية 4200 م ..
وفى الثامن من شهر نوفمبر 1930 يضع الملك فؤاد الاول ملك مصر حجر الاساس لمسرح وابرا دمنهور كثالث مبنى أوبرا مصرية ..حيث أطلق عليه فى ذلك الوقت سينما وتياترو فاروق ..كما سجل ذلك على لوحة تسجيلية بجوار الباب الشرقى والرئيسى لمبنى اوبرا دمنهور ..حيث شهد المسرح فى ذلك الوقت عروضا لاعمال فنية عظيمة لفنون الاوبرا المختلفة ..وعقب ثورة 1952 تبدل اسم اوبرا دمنهور الى سينما البلدية وظل هذا الاسم متعارفا عليه حتى عام 1977 ..ليتغير بعد الاسم الى سينما النصر..

موعد مع القدر

وكأن الاوبرا على موعد مع القدر فمثلما طال الحريق مبنى الاوبرا الخديوية بالقاهرة ..نال ايضا الاهمال وضرب بجذوره خاصة فى فترة الثمانيات من مبنى دار اوبرا دمنهور حيث تدهورت حالة المسرح من عد اجراء اعمال للصيانة والترميم الدورية ..الامر الذى ادى الى ظهور العديد من المشكلات الانشائية ..اهمها تدهور وتحلل الخرسانة المسلحة لسقف المسرح..وكذا انهيار جزء من صالة العرض ..مما ادى الى سقوط عناصره المعمارية ..الامر الذى ادى الى غلق المسره تماما ولتتوقف معه جميع الانشطة التى كانت تمارس على خشبته بعد حالته التى لا يرثى لها..
وفى عام 1988 تبدأ الحياة من جديد تدب فى مبنى اوبرا دمنهور ففى عام 1990 صدر قرار من وزير الثقافة آنذاك

رقم 499 بتسجيل دار ومسرح اوبرا دمنهور ضمن مسارح دار الاوبرا المصرية ..وفى عام 1998 تم ضم المبنى الى قوائم مبانى ذات القيمة الفنية والتاريخية ..حيث بدأت وزارة الثقافة بترميمه واعادة عناصره الزخرفية ليعود بقيمته الفنية العالية ليواكب أحدث مسارح مصر والعالم..حيث جاءت فكرة تهيئة وتجديد اوبرا دمنهور ضمن مشروع ثقافى ليكون صرحا حضاريا ومنارة ثقافية لمحافظة البحيرة ..بعد تزويده بأحدث الوسائل التى تستخدم فى العروض الفنية ..حيث يتبع المسرح من ناحية التخطيط طراز الاوبرا الايطالية الذى وفد الى مصر فى عصر الخديوى اسماعيل..ولقد نجح المعمارى الايطالى (فيروتشى) نجاحا كبير بين المزج بين التصميم الاوروبى الوافد آنذاك والذى يتناسب مع الوظيفة الفنية للمكان وبين العناصر المعمارية الاسلامية التى كانت منذ العصر الفاطمى..
    ويتكون القسم الغربى بالمسرح من طابق ارضى وثلاثة ادوار ..يشتمل الطابق الارضى منها على المدخل الرئيسى وبوفيه وحجز تذاكر ..اما المساحة الداخلية فتضم صالة المسرح التى تحتوى على صفوف الكراسى وعلى جانبيها فى الدور الاول صف من البنورات يعلوها الصف الثانى صف من اللوجات التى تضم 20 لوجا أما الدور الثالث يحتوى على مدرج البلكون..كما انه يضم غرفة كبار الزوار وتقع خشبة المسرح فى القسم الجنوبى من المبنى..
ويأتى يوم7 من مايو 2009 ليبلغ المبنى من الشهرة والانتشار حينما قامت بافتتاحه  سوزان مبارك حرم الرئيس الاسبق محمد حسنى مبارك..بافتتاح مسرح واوبرا دمنهور الذى شهد حفلا فنيا كبيرا شارك فيه اكثر من 200 فنان من فرق الاوبرا المختلفة ..منها اوركسترا اوبرا القاهرة السيمفونى والتى قدمت معزوفة زواج فيجارو للموسيقار موتسارت وفرقة باليه القاهرة التى عرضت مشعد اديسون وباليه زوربا..
وقد استطاعت دار أوبرا دمنهور اقامة واطلا ق مهرجانا دوليا للفلكلور الشعبى ..عبر مسرحها بمشاركة العديد من الدول العربية والاجنبية مثل الامارات والعراق ورومانيا وبلغاريا والهند واندونيسيا ..ويهدف هذا المهرجان الدولى الى تقديم الفلكلور والتراث الشعبى اللذان يعبران عن ثقافة الشعوب ..والتى تهدف الى توثيق هذا الموروث الفنى نظرا لأهميته فى دراسة خصائص المجتمعات والبحث فى عوامل تطور الامم بالعودة الى تراثهم..
صور البوابة الملكية التى صممت لاستقبال الملك فؤاد اثناء زيارته لمدينة دمنهر لافتتاح دار الاوبرا.

%d مدونون معجبون بهذه: