مجدى الطيب يكتب : «صدمة ورعب».. وثيقة تفضح البربرية الأمريكية !

0 7

 
أتيحت لي فرصة مشاهدة فيلم «صدمة ورعب» في برنامج «سينما العالم» بالدورة الرابعة عشرة لمهرجان دبي السينمائي الدولي (6 – 13 ديسمبر) الماضي، في عرضه الأول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومنذ ذلك اليوم وأنا أنتظر عرض الفيلم في صالات العرض العربية، التي كان ينبغي عليها أن تحتفي به، لأهمية مضمونه، ورسالته، ومناصرته للقضايا العربية، وفضحه للسياسة الخارجية الأمريكية، وآلة دعايتها الفجة، من دون جدوى !
«صدمة ورعب» SHOCK AND AWE (91 دقيقة) إخراج روب راينر، هو واحد من أفلام السيرة الذاتية، في قالب درامي تاريخي مشوق، تدور أحداثه، في حبكة مثيرة، عن المكائد والمؤامرات، التي تحتدم فصولها بين الحكومة الأمريكية والإعلام والرأي العام، عشيّة الاستعدادات للغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، والمناورات والأكاذيب التي تلجأ إليها الإدارة الأمريكية، لاقناع الشعب الإمريكي، والعالم، بمبرراتها الخبيثة لغزو العراق، واحتلاله، بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، وفضح حقيقة المؤامرة التي خُطط لها بليل، للغزو السافر، ضاربة عرض الحائط بالديمقراطية التي تتغنى، وتتباهى، بها، واستهانة وقحة بالإعلام، والصحافة، التي لم تلتزم الصمت حيال المؤامرة المنحطة، ولعبت دوراً مشهوداً في فضحها، وكشف أبعادها .
الحقيقة وحدها
يكشف الفيلم حقيقة ما جرى، من خلال عدد من الصحفيين، الذين آمنوا بمفهوم «العالم الحر»، وأهمية «المكاشفة»، وتقديم المعلومة الصحيحة، بعيداً عن الأكاذيب التي تروج لها آلة الدعاية، التي يملك «البيت الأبيض» خيوطها، وأدواتها، ومن ثم يبدأ الفيلم بجملة ذات دلالة يثول فيها : «ما من نضال بالنسبة لأمريكا أهم من تامين وسائل إعلام حرة ومستقلة»؛ حيث تنعقد جلسة في «الكونجرس» للاستماع إلى شهادة الشاب الأمريكي «آدم»، الذي يُطالبه رئيس لجنة الاستماع بأن يُدلي بشهادته واقفاً قبل أن يُدرك أنه معوق فيكنفي بمطالبته برفع يده قائلاً : «أقسم بالله العظيم أن أقول الحق»، ونتعرف من خلال شهادته إلى أنه انخرط في صفوف الجيش الأمريكي، وهو في التاسعة عشرة من عمره، على غير رغبة والديه، لإيمانه بأن بلاده تتعرض لهجوم، وضرورة نزع السلاح من العراق، وتحرير شعبها من «الديكتاتور»، وانعكاس قراره هذا على حياته، والكثير من «الغلمان»، ممن اعتمدت عليهم الولايات المتحدة الأمريكية ليكونوا جنودها، وتدفع بهم في أتون حرب مشتعلة «لا ناقة لنا فيها ولا جمل»، حسب تعبير أمه الحزينة على ما انتهى إليه ابنها، وأقرانه، بعدما تحول إلى حطام بشري ! .
الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقية، وتعود أحداثه إلى اللحظة التي أدرك فيها الشعب الأمريكي، يوم الثاني عشر من سبتمبر 2012، حجم الكارثة التي أصابتهم نتيجة سياسة الرئيس الأمريكي «بوش الابن»، الذي ضللهم، وخدعهم، عندما وجه أنظارهم إلى «أفغانستان»، بوصفها المستهدفة الرئيسة من الحرب، بينما كان يخطط، ورجاله، لغزو «العراق»، من خلال الربط بين «صدام» و«ابن لادن»، وهو ما يفطن إليه الصحفيان «جوناثان لاندي»(وودي هارليسون) وزميله «وارن ستروبل»(جيمس مارسدن)، ورئيس تحريرهما «جون والكوت»، ( المخرج روب راينر)، وتأكيد هذا بقولهم : «هؤلاء السفلة جادون في غزو العراق» !
الإشادة بالصحافة ودورها
لجأ «بوش الابن» إلى شراء ذمم الأعلام الأمريكي، على غرار ما فعلت يوغسلافيا قبل الحرب، حسب تعليق زوجة «جوناثان»، في محاولة لتشتيت الانتباه بعيداً عن الهدف الخبيث، حسب تعليق المحلل الاستخباراتي خريج جامعة ميسوري، والإلحاح الكاذب على دور العراق كراع ومخطط لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتثبيت صحة المؤامرة، التي تزعم أن «صدام»، ومن خلفه كوريا الشمالية وإيران، هم «محور الشر»، متناسين الدرس الذي تعلمته أمريكا في حرب فيتنام، ومؤداه «الحكومة تخطيء والجندي يدفع الثمن»، وهو ما حدث بالضبط مع الشاب «آدم»، وجيله، ممن غُرر بهم في ويلات حرب تستمر عقود، وحرب أهلية مستعرة، بحجة تكريس الديمقراطية في بلد عربي، بينما أمريكا نفسها لا تعرفها !
يؤمن الشرفاء من رجال الصحافة الأمريكية، الذين يثمن الفيلم دورهم، ومعهم المعارض «جو جالاوي» (أدى الدور الممثل القدير تومي لي جونز)، بأن قرار الحرب أتخذ بالفعل بينما الإدارة الأمريكية مازالت تبحث عن معلومات تبرره، كما يفضح الفيلم العملاء، الذين سهلوا مهمتها، وأرادت تنصيبهم كزعماء للتحرر؛ مثل أحمد شلبي، الذي قال للصحفيين، بوقاحة : «قد أكون في المنفى لكن مازلت عراقياً، وأريد ما تريده أمريكا : عراق حرة وديمقراطية ستصبح حليفة لبلدكم أمريكا، ولاسرائيل»، وهو ما رد عليه الصحفيان بقولهما : «لكن مانديلا – الزعيم الأفريقي الشهير – لم يطلب من أمريكا غزو بلاده» !
يواصل الفيلم، الذي كتب له السيناريو جوي هارتستون، جرأته مندداً بالدور القذر الذي لعبته صحيفة «نيوزويك» الأمريكية، كونها أخفت معلومات تتضارب وتكهناتها، ويفضح «رجال الرئيس»؛ مثل : ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، الذي وصفه الفيلم ب «الكذَاب»، وجورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي.اي.آيه) السابق، الذي قال الفيلم إنه غرر ب «بوش الابن»، وبقية «الخونة» – هكذا وصفهم الفيلم – ممن «يستقون معلوماتهم من مصادر غير موثوق فيها»، و«يكذبون وهم يرسلوا أولادنا إلى الحرب»، و«سيعيشون نادمين على قرار الحرب»، وكأن «التاريخ يُعيد نفسه»، في إسقاط على ما حدث في فيتنام، ما سيُجبر «نيوزويك»، يوماً، على أن تكتب اعتذراً على ما اقترفته في حق الشعب الأمريكي، والعالم، وهو ما حدث بالفعل !
«كل رجال الرئيس» !
يُذكرك فيلم «صدمة ورعب» بالفيلم الشهير «كل رجال الرئيس»All the President’s Men (1976) المأخوذ عن قصة حقيقية أيضاً كتب لها السيناريو وليام جولدمان، وأخرجها للشاشة آلان جي باكولا، وقام ببطولته روبرت ريدفورد في دور «بوب وودوارد»، وداستين هوفمان، في دور «كارل برنستين»، الصحفيان في جريدة «واشنطن بوست»، اللذان نجحا، تحت مظلة الصحافة الاستقصائية، في تفجير فضيحة «ووتر جيت» ما أدى إلى سقوط الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، بعد استقالته في الثامن من أغسطس عام 1974، رغماً عن أنفه !
الحرص على النزاهة والوضوح، وأن يعرف الشعب الأمريكي الحقيقة كان الدافع الوحيد، والنبيل، لصنع فيلم «صدمة ورعب»، الذي أقر بالتضحية بما يقرب من خمسة ألاف مواطن أمريكي، فيما قتل وأصيب ما يقرب من مليون عراقي بينما لم يتم العثور على أية أسلحة دمار شامل، وهو ما فضحه الفيلم في عناوين النهاية، ليصبح شهادة مروعة عما جرى في الحرب القذرة، التي اندلعت كنتاج لسياسة قادت إلى مصائب، وبسبب «رئيس لم يحترم نمط حياة المواطن الأمريكي والديمقراطية»، كما قال المخرج روب راينر للجمهور الذي شاهد الفيلم في مهرجان «دبي»، وقدم تحية لمن أسماهم «المقاومون» من رجال الصحافة، ونجحت كتيبة الفيلم، في محاكاة ما جرى في تلك الحقبة الكئيبة؛ مثل : كاتب السيناريو «جوي هارتستون»، ومدير التصوير الرصين باري ماركويتز، وواضع الموسيقى البارع جيف بيل، وطاقم النجوم : «جيمس مارسدن»، «تومي لي جونز» و«وودي هارليسون»، الذي شارك في بطولة فيلم Three Billboards Outside Ebbing, Missouri، ورشح لأوسكار أفضل ممثل مساعد، لكن الجائزة ذهبت إلى سام روكويل (زميله في نفس الفيلم) بينما فازت بطلة الفيلم فرانسيس ماكدورماند بأوسكار أفضل ممثلة، ومن خلفهم المخرج، والناشط الأمريكي روب راينر، الذي ولد في نيويورك، وفاز بجائزتي «إيمي»، كما رشح لأوسكار أفضل مخرج، عن فيلم «القليل من الرجال الفاضلين» (1992)، ومع هذا لم يتردد في تسمية الأشياء بمسمّياتها، وأنجز فيلماً جريئاُ، شارك في إنتاجه، مع ماثيو جورج، إليزابيث إيه. بيل وميشيل راينر، ليُصبح بمثابة وثيقة حية فاضحة للسياسة الخارجية الأمريكية، يخطيء من يظن أنها لصيقة بعهد «بوش الابن» وحده، وكان الأحرى بنا – كعرب – أن نتبنى رسالته، ونحتفي بفيلمه، باعتباره «شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا» !

%d مدونون معجبون بهذه: