مجدي الطيب يكتب : «بلاش تبوسني» .. القبلة المُحرمة في مجتمع متطرف !

استلهم المخرج واقعة حنان ترك ليُعري «المتطرفين» ويفضح المتمسحين بالدين ويرصد «لوثة التطرف» التي أصابت المصريين

0 14

 
عام 2006 شهدت الساحة السينمائية واقعة عجيبة، لكنها تنسجم و«حمى التطرف»، التي اجتاحت المجتمع المصري، والوسط الفني، في تلك الآونة، ومازلنا نعاني آثارها حتى الآن؛ عندما اتخذت الممثلة حنان ترك قراراً بارتداء الحجاب، بعد تصوير ما يقرب من نصف مشاهدها في فيلم «أحلام حقيقية»، وطالبت المخرج محمد جمعة بتعديل سيناريو الفيلم؛ بحيث تستكمل بقية مشاهدها بالحجاب، مم ا أربك حسابات المخرج، وأوقعه في مأزق حرج اضطر خلاله إلى التحايل لاستكمال التصوير بالشكل الذي لا يُفسد رؤيته !
التقط المخرج أحمد عامر، الذي عرفناه مشاركاً في كتابة فيلم «الشتا اللي فات» (2013)، وكاتباً لسيناريو وحوار فيلم «علي معزة وإبراهيم» (2016)، تفاصيل الواقعة المُخزية، التي لا تحدث سوى في المجتمعات العربية «المتطرفة»، وصنع منها فيلمه «بلاش تبوسني»، الذي يمثل تجربته الأولى في الفيلم الروائي الطويل كاتباً ومخرجاً، كما يُعد تجربة خاصة استعار فيها نوعية «الفيلم داخل الفيلم» ليفضح من خلالها العقلية المتخلفة، التي صارت تسيطر على الساحة الفنية؛ خصوصاً السينمائية، بفعل بعض المدعين، والمتمسحين بالدين، الذين أصابتهم «لوثة التطرف»، وبدلاً من أن يلزموا بيوتهم، ويعتزلوا، فيريحوا ويستريحوا، تشبثوا بالبقاء على الساحة، وفي ظنهم أنهم أعلنوا «الجهاد»، اقتداء بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإيمَانِ»، متناسين الحديث الذي يقول فيه النبي لعقبة بن عامر : «يا عقبة أمسك عليك لسانك و ليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» !
جهاد «فجر» !
اختار «عامر» واقعة حنان ترك ليُعري «المتطرفين»؛ من خلال بطلته «فجر» (ياسمبن رئيس)، التي تفاجيء مخرج فيلمها (محمد مهران) بأنها قررت ارتداء الحجاب، ورفضت أداء مشهد بالفيلم تُقبل فيه البطل، بخحة أنه حرام، ما يتسبب في أزمة للمخرج، الذي يرى أن القبلة تمثل عنصراً رئيساً في المشهد، والفيلم بأكمله، ولا يمكن الاستغناء عنها، ما يُدخله في صراع مع البطلة، وأيضاً منتج الفيلم (بطرس غالي)، صاحب الأفلام الهابطة والمبتذلة على شاكلة «القلب الطري» و«أرجوك لا تحرمني منك»، الذي لا تهمه سوى مصلحته، ويسعى لانهاء الفيلم بكل السبل، غير مبال برغبة المخرج في تقديم رؤيته بالشكل الذي يُرضي قناعاته  !
«كواليس» تُذكرك، أيضاً، بما قدمه المخرج محمد راضي في فيلم «صانع النجوم» (1976)، الذي فضح نجوم ومنتجي السينما المصرية في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، قبل تغلغل التطرف الديني، لكن «عامر» كان أكثر جرأة في مناهضة، وتعرية، ما يجري داخل الوسط الفني، وخارجه، هذه الأيام، وفضح العقلية المتطرفة التي باتت تحكم بعض العاملين في الصناعة، والمجتمع بوجه عام، حيال الفن والإبداع؛ إذ رصد من خلال المخرج التسجيلي، الذي قدم استعراضاً لأشهر «القبلات في تاريخ السينما المصرية»، المساحة الهائلة من «التسامح»، التي كانت تتعامل بها السينما المصرية، وجمهورها، مع «القبلات»، قبل أن تنقرض، وتتحول إلى «تابوهات»، في ظل سيطرة «فكر التحريم»، والتمسح ب «الدين» !
«فجر» في فيلم «بلاش تبوسني»، التي يوحي اسمها بفجورها، هي ممثلة إغراء اشتهرت بتجسيد الأدوار الفاضحة، التي اعتمدت فيها على إمكاناتها الجسدية، وقدمت أفلاماً من نوعية «أنثى في الظلام»، لم تمانع فيها من ارتداء الملابس العارية، ولم تتورع، في بعضها، عن تقديم أدوار الراقصة، لكنها تدعي، فجأة، أن «رؤية» تأتيها في منامها تُشعرها أن ثمة نظرات تُعريها، وتنهش جسدها، وعندما تقص «الرؤية» على أحد «الشيوخ الجدد» ينصحها بالتوبة، وتتولد لديها قناعة بأنها «رسالة ربانية» عندما تفشل مراراً وتكراراً في تصوير مشهد «القبلة»، وتحسم أمرها بشكل نهائي، عندما يباغتهم الأذان فيتوقف تصوير المشهد، وتوقن أنها «علامة إلهية»  !
«عين في الجنة» !
مثل كثيرات تعج بهم الساحة الفنية، تؤمن «فجر» بحرمانية «القبلة» لكنها لا تمانع في تقديم الإعلانات، وبرامج الطبخ، والتمثيل مستعينة ب «الباروكة»، بوصفها نوع من الحجاب، كما فعلت نجمة صابرين على أرض الواقع، وتوافق على اقتراح تصوير مشهد «القبلة» بشكل منفصل عن «البطل»، على أن يقوم المخرج بالجمع بينهما في «المونتاج» !
سخرية لاذعة في قالب أراد له المخرج أن يكون أقرب إلى «الكوميديا السوداء»، التي يكشف من خلالها كم التناقضات التي أصابت بعض ممثلات الجيل الحالي، بين الرغبة في الوصول إلى مجد الممثلات القدامي؛ مثل هند رستم وسعاد حسني، وبين انحراف أفكارهن، التي تدفع بعضهن إلى اعتبار «المايوه البكيني» من المحرمات بينما يُحللن ارتداء «مايوه القطعة الواحدة»، وتدعو بعضهن، مثلما فعلت شمس البارودي، إلى التفكير في شراء الأفلام التي قمن ببطولتها، للتخلص من سوءات «سنوات الجاهلية»، التي عشنها قبل ارتداء الحجاب، كما يُندد الفيلم بالمنتجين، الذين أغرقوا السوق بأفلام هابطة ومبتذلة ثم صاروا فجأة من دعاة الفضيلة، وأنصار «السينما النظيفة»، وفي سبيل تأكيد الفوضى، التي اعترت الساحة، كنتاج طبيعي للتوظيف المُخل للدين، ينوه المخرج / الكاتب إلى اعتزال بعض النجمات، بناء على نصيحة «الشيوخ»، كما يستعير مقولة الشيخ الشعراوي التي قال فيها إن «السينما مثل السكين تقتل لكنها، في الجانب الطيب لاستخدامها، تقطع قالب الزبد»، ويفند دعوة البعض للاقتداء بتجربة السينما الإيرانية، في التمثيل بالحجاب، وإذعان السينما لفكر التطرف (القبلات ممنوعة والأحضان بين الأم وابتها العائد بعد غيبة مكروهة)، وفي مزج بين التسجيلي والروائي يستعين بالمخرجين خيري بشارة ومحمد خان، ليتحدثا عن القبلة في أنجح أفلام السينما المصرية، وفي أفلامهما : «أيس كريم في جليم»، «إشارة مرور» و«طائر على الطريق» !
عقلية مريضة !
أخطر ما في فيلم «بلاش تبوسني» أنه بدا، في لحظة، وكأنه يتناقض ودعوته الجريئة الواعدة، وينقلب على رؤيته الكاشفة المنددة؛ فالسخرية مما يجري في «الكواليس»، والعقلية المريضة التي باتت تسيطر على البعض، كاد يصب في خانة الاساءة للصناعة، بدلاً من مناصرتها ضد الهجمة البربرية التي تتعرض لها، و«السينما النظيفة» بدت وكأنها الحل الأمثل للخلاص من «وسط داعر»، عوضاً عن التنديد بمثل هذه الدعوة الغبية، ولولا نجاح المخرج في ضبط الأداء التمثيلي (ياسمين رئيس ومحمد مهران)، والسيطرة على مساحة الارتجال، والبراعة في انتقاء وتجميع الافلام القديمة، التي رصدت «القبلة»، ولم ير فيها المجتمع، وقت أن كانت الاستنارة سمته، ما يخدش الحياء، ويدخل في باب «الحرام» و«التحريم»، لتصورنا أننا أمام فيلماً رجعياً يناصر الجهل بدلاً من أن يفضح التخلف الذي وقعنا في براثنه !
 
 
 

%d مدونون معجبون بهذه: