كنيسة القيامة في القدس

0 26

بواسطة: اليان جرجي خباز  وإعداد: عبد الله حجار
القدس هي مدينة السلام وملتقى الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلامية. في القدس كانت رسالة الأنبياء، والقدس جريحة بقساوة قلب الإنسان وموت الحقوق وانتصار شريعة الغاب حيث الحق للأقوى. أنا لا أفهم كيف يشرّد الإنسان من موطنه ويسمح لأي إنسان في العالم أن يأتي ليقيم في القدس الحبيبة، من أعطاه هذا الحق. أبوكم السماوي طيب وعادل ولن يقبل بالظلم مهما طال أمد الليل القاتم. لقد بقي الفرنجة في بلادنا زهاء قرنين ثمّ رحلوا، وهذا ما سينتهي إليه الغرباء القادمون من أصقاع العالم إلى أرضنا الحبيبة مهما طالت إقامتهم في أرضنا . للقدس الحبيبة ألف تحية.
حديثنا اليوم عن كنيسة القيامة في القدس الشريف، حيث، بحسب إيمان كل مسيحي، مات الفادي من أجلنا وقام من بين الأموات ليخلّصنا من ذلاّتنا. علّمنا كيف نسير في هذه الحياة وشعارنا محبة الله والقريب، كي نلتقي يوما في الحياة الأبدية حيث نستمتع مع الأبرار بمعاينة الله تعالى خالقنا.
يقدم لنا الرسل الإنجيليون المعلومات عن موقع الجلجلة القريب من مدخل مدينة القدس. ويدعى المكان الجمجمة (بالآرامية جلجثة)، وقد سمي كذلك لأن التل يشبه شكل الجمجمة أو الرأس البشري أو لأن الموقع كان مكان إعدام المجرمين فسمّي “الجمجمة” بسبب جماجم القتلى.
كانت الجلجلة وهي موقع صلب السيد المسيح ودفنه وقيامته مكرّمين دون انقطاع من قبل الجماعة المسيحية المقيمة في القدس منذ البداية. وكان موت السيد المسيح موضوعا للتأملات إذ حقّق بموته فداء العالم.
محطات تاريخية:
– أصبح موضع الجلجلة داخل السور بين عامي 41 و44 م. ودمّرت المدينة من قبل تيتوس العام 70 م وأعيد بناؤها
– العام 135 بنى هدريان على الجلجلة هيكلا للإلهة فينوس (وهي الإلهة التي نزلت إلى الجحيم لتحرّر الإله تموز). وثبّت بعمله هذا موقع الجلجلة الذي ظلّت الجماعة المسيحية تكرمه حتى مجيء قسطنطين الكبير.
– العام 325 م خلال عقد المجمع المسكوني الأول في نيقية، دعا أسقف القدس مكاريوس الإمبراطور قسطنطين إلى تدمير هيكل هدريان الوثني للبحث عن قبر السيّد المسيح. بدئ ببناء كنيسة القديسة هيلانة العام 326 ورفع البناة الركام عن صخرة الجلجلة واكتشفت القديسة هيلانة أثناء الحفريات الصليب الحقيقي قرب القبر (وجدت ثلاثة صلبان، شفي مريض بوضعه على الصليب الحقيقي) ودشنت كنيسة القديسة هيلانة العام 335 م، وكانت كنيسة بسيطة بازليك ذات باحة فيها حجر الجلجلة في الزاوية الجنوبية الشرقية وقبر المسيح ضمن بناء دائري صغير. ولم يكن قبر المسيح قد اكتمل أثناء التدشين، واكتمل لاحقا حوالي العام 384 م.1
– العام 614 م مع الغزو الفارسي للقدس تضرّرت الكنيسة وأخذ الصليب المقدس إلى فارس، وأعاده هرقل إلى القدس العام 630 م (عيد الصليب 14 أيلول) وأعاد بناء الكنيسة بدون تغيير كبير في مخططها.
– العام 638 م مع الفتح العربي الإسلامي، سلّم المسيحيون القدس للخليفة عمر بن الخطاب، الذي لم يقبل الصلاة في الكنيسة كي لا تحوّل إلى جامع. ولم يمس القبر المقدس بسوء وتمتع المسيحيون بالحرية الدينية.
– 18 تشرين الأول (أكتوبر) 1009 م دمّرت كنيسة القيامة أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي، وقام بترميمها جزئيا العام 1048 م الإمبراطور قسطنطين مونوماخوس.
– في 15 تموز (يوليو) 1099 م احتل الفرنجة (الصليبيون) القدس، وأجروا تعديلات في الكنيسة على طراز الرومانيسك العام 1112 م؛ بنوا أولا ديرا مكان كنيسة قسطنطين، وبدأوا بحفر مكان كنيسة القديسة هيلانة. وفي العام 1119 م وضع مكان قبر المسيح. وتطلّب تتويج فولك Folk وميليزاند Melisende العام 1131 م تعديلات جذرية في الكنيسة.. وغطيت باحة قسطنطين بكنيسة رومانيسك (دشّنت العام 1149 م) تم وصلها بالقسم الدائري Rotunda بفتحة قوسية نتجت عن هدم حنية القرن الحادي عشر. وأضيف برج الجرس العام 1170م إلى مدخل الكنيسة. وهكذا تمّ إنشاء مبنى ضخما يحوي داخله جميع الأبنية الأساسية وهي موضع موت (الجلجلة) وقيامة (القبر) السيد المسيح.2
وعيّن الحراس الثلاثة الأوائل للكنيسة عند احتلال الفرنجة القدس وهم طوائف الروم الأرثوذكس والأرمن واللاتين وأعطيت لهم مواقع كنائسهم. وفي القرن التاسع عشر حصل الأقباط الأرثوذكس والحبشة والسريان على مسؤوليات أقل تضمّنت هياكل ومباني ضمن وحول بناء الكنيسة. وتم الاتفاق على مواعيد وأماكن عبادة كل كنيسة وطائفة.
– العام 1187م استعاد صلاح الدين الأيوبي القدس من الفرنجة، وعهد في العام 1192 م مسؤولية مدخل الكنيسة الرئيسي (مفاتيح المدخل) إلى عائلتين مسلمتين من الجوار عائلة “الجودة” (ولديها المفاتيح) وعائلة “النصيبة” (وتقوم بفتح الباب وإغلاقه).
مفاتيح كنيسة القيامة :
سلّم البطريرك صفرونيوس مفاتيح كنيسة القيامة إلى الخليفة عمر بن الخطّاب العام 638م ودعاه إلى الصلاة داخلها، لكنه رفض وصلّى خارجها في المكان الذي أنشئ فيه جامع عمر أيام الأيوبيين.
أعطى الخليفة عمر مفاتيح الكنيسة لعبد الله بن نسيبة المازنية، وهي عائلة من الخزرج من المدينة المنورة (نسبة إلى أم عمارة المازنية أم كعب التي جاهدت وفقدت زوجها وأولادها في معركة أحد). أخذت المفاتيح مع احتلال الفرنجة للقدس العام 1099م وعادت إلى عائلة نسيبة (إلى فخر الدين بن علاء الدين) عندما استعاد صلاح الدين المدينة في 2 تش رين الثاني العام 1187 م.
في الفترة العثمانية تقاسمت عائلتا جودة ونسيبة حمل المفاتيح، حيث أعطيت لعائلة غضي جودة الصدقات السلطانية وقد صدر فرمان سلطاني تتوارث العائلتان بموجبه مهنة المحافظة على مفاتيح الكنيسة وفتحها وإغلاقها وحراستها. (يبدأ العمل من الساعة الرابعة صباحا وحتى الثامنة مساء).
حاول الاحتلال الإسرائيلي فتح بوابات بديلة لكن الطوائف المسيحية والإسلامية أصرّت على الحفاظ على الكنيسة وحراستها وحفظ المفاتيح مع عائلتي نسيبة وجودة. باب الكنيسة الحالي بارتفاع حوالي 5م وبعرض 3م بني عام 1808م وله قفلان أحدهما على ارتفاع القامة والآخر يحتاج إلى سلم يرتقيه “وجيه نسيبة” للوصول إليه. وداخل الكنيسة إلى اليسار مقابل درجات الجلجلة مقعد خشبي قديم يرتاح عليه نسيبة أثناء النهار وخلفه خزانات توضع فيها مستلزمات الكنيسة وبعض الفرمانات.3
– عام 1545 بنى البطريرك جرمانوس القبة الصغرى للكنيسة.
– في عامي 1719 -1720 رممت الكنيسة من قبل الأرثوذكس والكاثوليك.
– في العام 1808 شبّ حريق دمّر القبة تماما فأصلحها الروم بإذن الحاكم العثماني فبنيت بالشكل الذي نراه اليوم.
– في عامي 1834 و1836 أضرّت الزلازل بالكنيسة، وتمّت ترميمات متأخرة في العام 1867 -1869 وجدّدت القبة الكبرى من قبل روسيا وفرنسا وتركيا.
– دمّر زلزال العام 1927 القبّة الصغرى للكنيسة (الكاثوليكون) وأحدث أضرارا، فقامت الدولة اليونانية بالترميم في عامي1931-1933، كما إن الحاكم البريطاني، بسبب عدم حصوله على موافقة الطوائف الثلاث راعية الكنيسة على الإصلاح، قام بإجراء بعض أعمال تقوية وتدعيم لم ترتكز على أساس جيّد.
– عام 1948 أصيبت القبة الكبرى لكنيسة القيامة بقذيفتي مدفعية يهودية وقد تمّ الترميم لاحقا.
– في كانون الأول (ديسمبر) 1994 اتفقت الطوائف الثلاث على القيام بأعمال الترميم في القبة الكبرى فوق القبر المقدّس، وتمّت أعمال الترميم وتدشين القبة في 2/1 /1997.
كنيسة القيامة معماريا:
الكنيسة الحالية عبارة عن ثلاث كنائس متعاقبة خضعت لتعديلات وتوسع وهي:
• الكنيسة الأولى: بنيت كنيسة قسطنطين إلى جانب الجلجلة مكان الصلب، وكانت عبارة عن ثلاث كنائس بنيت فوق ثلاثة أماكن مقدسة وتضمنت كنيسة ضخمة بازليك من خمسة أبهاء (أبعادها 25و56 × 25و41م) وباحة ذات أروقة ثلاثة بنيت حول صخرة الجلجلة (أبعادها 50و7×50و5 م) التي كانت تعلو 4،80 م عن مستوى الكنيسة وقد وضع صليب في أعلاها، وبناء دائري حول مكان القبر والقيامة، وقد اكتملت القبة الكبرى فوق القبر في نهاية القرن الرابع للميلاد. وقد أدخلت تعديلات طفيفة على الكنيسة اثر دمارها من الفرس العام 614 م وذلك من قبل موديستوس Modestusالذي أضاف كنيسة آدم تحت الجلجلة.5
• الكنيسة الثانية: اثر دمار الكنيسة العام 1009 م قام الإمبراطور قسطنطين مونوماخوس بترميمها العام 1048 موقد وسّع كنيسة آدم ووضع مركز العالم وبنى 3 كنائس في الجهة الشرقية (لم يعرف شكلها) وحوّل الصهريج الروماني إلى كنيسة اكتشاف الصليب يوصل إليها بدرج، وبقي مكان القبر على حاله وأضيفت كنيسة العذراء مريم مع مقدّمة لها شمال بناء القبر. كما أضيف إلى غرب المدخل الجنوبي 3 كنائس استعملت الوسطى منها للعماد. وفتح باب جهة الغرب يؤدي إلى قبر (قبر يوسف الرامي مقر الطائفة السريانية)، وكان هناك كنيستان محفوظتان جيدا في الجهة الجنوبية الشرقية للكنيسة.
• الكنيسة الثالثة: هي كنيسة الفرنجة بعد احتلالهم القدس العام 1099م حيث جرى توسع وترميم حتى العام 1171م:
– عدّل مبنى القبر من مثمن إلى مضلّع وحوّل مدخل القبر إلى غرفة”الملاك” .
– بنيت الحنية الشرقية بهياكل كنائسها الثلاث (لونجينوس واقتسام الثياب والإهانات) والدرج المؤدي إلى كنيسة القديسة هيلانة (التي وسّعت وبني فيها هيكلان) ومغارة إيجاد الصليب،
– بني مدخل جديد فخم من الجنوب وحوفظ على المدخل إلى الجلجلة كما بنيت القبة الصغرى على مثلثات وفتح في الشمال نوافذ علوية للإنارة، وأصبح هناك سقفان بطراز غوطي إلى الشمال والجنوب من القبة الصغرى. وبذلك أصبحت أبعاد كنيسة القيامة بعد تعديلات الفرنجة حوالي 120 ×90 م.6
الترميم:
قام معهد الفرنسيسكان لدراسات الكتاب المقدس بأعمال ترميم في البنية التحتية وأساسات المباني التي في عهدتهم امتدّت بين عامي 1960 – 1981 وبذلك تبين لهم معالم وحدود كل كنيسة وما تم فيها من تعديلات في الفترات المتعاقبة.
وهكذا نجد في كنيسة القيامة مزيجا من الطراز المعماري للفترة الرومانية المتأخرة أيام قسطنطين والفترة البيزنطية وفن الرومانيسك والقوطي من القرون الوسطى مجتمعة. بينما تميّزت هياكل الكنائس باختلاف الطوائف الموجودة من روم وأرمن ولاتين وأقباط وأحباش وسريان. وتكمن أهمية الكنيسة بأنها قبلة جميع المؤمنين المسيحيين في العالم حيث كان صلب وموت السيد المسيح وحيث كانت قيامته المجيدة.
زيارة الكنيسة(1)
ثم تتم زيارة الكنيسة الافتراضية مع الشرائح المصورة بدءا من المدخل الجنوبي ثم موقع الجلجلة حيث كان الصلب والى القرب منه في الأسفل مكان قبر آدم ثم حجر الطيب حيث سجّي السيد المسيح بعد موته على الصليب ثم مكان الدفن بغرفتيه الأولى والمسماة “غرفة الملاك” والثانية والتي دفن فيها الجسد المقدس ومنها كانت القيامة المجيدة. وتتابع الزيارة على الأقسام الأخرى من الكنيسة حيث الهياكل المختلفة التي تقاسمتها الطوائف المسيحية بدءا من الكاتوليكون حيث كرسي بطريركية القدس للروم الأرثوذكس وكنيسة القديسة مريم المجدلية ومكان حبس المسيح مع اللصين وهياكل الحنيات الشرقية وفيها هيكل على اسم الجندي لونجينوس الذي طعن السيد المسيح بحربة ليتاكد من موته على الصليب ثم اهتدى وهيكل لمكان اقتسام ثياب السيد المسيح وهيكل مكان الاهانات والسخرية. وبين الهيكلين الأخيرين درج يؤدي إلى كنيسة القديسة هيلانة ومنها إلى المغارة التي اكتشف فيها الصليب وفيها تمثال للقديسة هيلانة وهي تحمل الصليب. كما يشاهد خلف القبر من الغرب هيكل الكنيسة القبطية وقريبا منه إلى الغرب هيكل الكنيسة السريانية وخارج مدخل الكنيسة إلى الشرق توجد كنيسة الفرنجة وكنيسة القديس يعقوب للطائفة الأرمنية… وتشاهد بضعة صور لقبة الصخرة والمسجد الأقصى ومنظر عام للقدس الحزينة يضم الحرم القدسي وكنيسة القيامة وحمائم السلام ترفرف مع الآمال في العودة الحبيبة.
(1) من حسن الحظ انني زرتُ كنيسة القيامة باشتراكي في مؤتمر المهندسين العرب العاشر الذي عقد في القدس في آب 1966 والذي حضره من أساتذتنا المرحومان الاستاذان صالح بساطة وسعيد قباقبجي والزميلة المهندسة ريّا عارف الرفاعي.. وفي حزيران 1967 كانت النكسة ولم يعد بالامكان زيارة تلك الأماكن المقدسة.
خاتمة:
إن كنيسة القيامة بوضعها الحالي من حيث البناء هي مزيج من فن العمارة الروماني والبيزنطي والقوطي، وتتميّز هياكل كنائسها بحسب الطوائف التي تتبعها، لكن جمعت فيها الأماكن المسيحية المقدسة من مراحل درب الصليب الأخيرة تمهيدا لقيامة السيد المسيح المجيدة.
تحية للقدس الحزينة مهد الديانات السماوية بمناسبة اختيارها عاصمة للثقافة العربية العام 2009، وتحية إلى روح النضال والتمسك بالقدس الحبيبة. وكما إن درب الصليب ودرب الآلام هو التمهيد للوصول إلى مجد القيامة هكذا مشاركة القدس الحزينة آلامها سيؤدي إلى فرح العودة وبزوغ فجر الحق مهما طال الظلام.
واسمحوا لي أن أختم بقول أمير الشعراء أحمد شوقي مخاطبا الجنرال ألنبي عندما دخل القدس العام 1917:
يا فاتح القدس خل السيف ناحية *** ليس الصليب حديدا كان بل خشبا
إذا نظرت إلى أين انتهت يده *** وكيف جاوز في سلطانه القطبا
علمت أن وراء الضعف مقدرةَ *** وأن للحق لا للقوة الغلبـا

%d مدونون معجبون بهذه: