حسام إبراهيم يكتب : نوستالجيا الكونتيننتال !!

النوستالجيا" متصلة بالوجود الزمني للإنسان

0 5

لعل ثقافة المكان بمعانيها المتعددة والتي تتضمن  الحنين للماضي او “النوستالجيا” تتجلى الآن في الجدل الذي تزامن مع بدء هدم فندق عريق في قلب القاهرة ضمن عملية شاملة لاعادة بنائه بعد ان صنف رسميا كمبنى آيل للسقوط  حتى يحق وصف هذه الحالة من الحنين “بنوستالجيا الكونتيننتال” ! .
ورغم ان هذا الفندق كان يبدو غريبا بصمته وسكونه على مدى سنوات ترجع لبدايات ثمانينيات القرن العشرين عندما بدا خاويا على عروشه وآيلا للسقوط في قلب القاهرة النابض بالحياة والصخب فان خبر “هدم الكونتيننتال القديم” اثار فورا تعليقات وحكايات سواء في الشارع او في الصحافة ووسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية وبعضها تستدعي حكايات ترجع لنهاية القرن التاسع عشر وزمنا مضى ولن يعود.
واستدعت هذه الحالة من النوستالجيا اسم الفتى البلقاني جورج ننجوفيتش الذي ولد في ليماسول بقبرص عام 1856 شد الرحال لمصر وعمره لايزيد عن 14 عاما واذا به يتحول بالعمل في بيئة مصرية منفتحة دوما ومرحبة بكل جهد انساني فاعل الى صاحب عدة فنادق في القاهرة والأسكندرية من بينها فندق “جراند كونتيننتال” الذي أقيم قبالة حديقة الأزبكية وافتتح رسميا في العشرين من ديسمبر عام 1899.  
ومع الشروع في عملية تحديث فندق الكونتيننتال بميدان الأوبرا والذي عرف في الماضي بحفلاته الموسيقية   فان هناك دعوات تؤكد على ضرورة الحفاظ على ملامح التراث في هذا المكان عند تجديده فيما يستهدف المشروع بالفعل تطوير الفندق مع الحفاظ على طرازه وطابعه التاريخي بما يعيد للأذهان “موقع النوستالجيا في جدل الهوية والتاريخ والحاضر”.
   وهذا الحنين يتبدى أيضا في الجدل حول أسماء الشوارع التي تتجاوز بكثير مجرد المسميات لتحكي التاريخ فيما يصر بعض كبار السن على ذكر أسماء قديمة لشوارع رغم ان هذه الأسماء جرى تغييرها منذ سنوات بعيدة..وحتى في الفضاء الالكتروني لشبكة الانترنت ستجد من يبحث بشغف عن تلك المواقع التي تغازل مشاعر الحنين للماضي بتقديم محتوى يعتمد على الذكريات او مايعرف بالزمن الجميل وكأن تكنولوجيا العصر تتحول الى خادم للماضي ليفرض سطوته اكثر على الانسان المعاصر.

النوستالجيا” متصلة بالوجود الزمني للإنسان

ولا ريب ان “النوستالجيا” متصلة بالوجود الزمني للإنسان في العالم كما يوضح  الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر الذي ولد عام 1889 وقضى في عام 1976 وصاحب الكتاب العلامة “الوجود والزمان” الذي يعد من اهم اعماله..وهذا الوجود الزمني للإنسان في الأرض يعني انه وجود مؤقت ومحدود باطار زمني ومن ثم فهو يثير مشاعر وانفعالات شتى في النفس الإنسانية القلقة ومن بينها الحنين للماضي ولحظات وأماكن بعينها في استدعاء حميم يخفف من حدة القلق ووجع أسئلة الحاضر.
والطريف ان الألماني مارتن هايدجر الذي يوصف من جانب الكثير من المثقفين ودارسي الفلسفة بأنه من “اصعب الفلاسفة واكثرهم ايغالا في التجريد ووعورة في تركيباته اللغوية” لم تخل فلسفته الوجودية من عواطف ومشاعر توميء للحنين لمراحل مضت في تاريخ الإنسانية حتى انه كان مولعا بالشعر اليوناني القديم ولوحات للفنان الهولندي الشهير فان جوخ وقد يشكل اسمه في نهاية المطاف نوعا من “النوستالجيا لبعض المثقفين الذين يشدهم الحنين لزمن الأفكار الكبيرة والفلسفات التي اثرت في الإنسانية ككل ومن بينها الفلسفة الوجودية”.
والمفكر المصري وعالم الاقتصاد الدكتور جلال امين خطر له ان يتتبع مايسميه “بمفهوم الحياة الحلوة” منذ طفولته فاكتشف تطورا هائلا في هذا المفهوم وقال :”مازلت أذكر جيدا درجة التواضع فاروق جويدةالذي كان يتسم به مفهوم الحياة الحلوة عند الطبقات المختلفة في الأربعينيات من القرن الماضي بمصر” فيما يوضح ان التطور في هذا المفهوم يرتبط بعوامل مثل تطور التكنولوجيا.
والحنين كما يقول الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة ليس للأشخاص فقط ولكنه أيضا “للأشياء والزمن والأماكن” والماضي كثيرا “ماتؤنسنا فيه وجوه رحلت ومشاعر طافت بنا الى ابعد نقطة في هذا الكون ولهذا نشعر بالحنين الى هذا الماضي”..فهناك أشياء في حياتنا اقوى من الزمن لأنها تجسدت واخذت مكانها في القلوب كما يقول فاروق جويدة مضيفا : “اما الأماكن فهي اكثر مايحرك مشاعر الحنين داخل الانسان” كما يحملنا الحنين للزمن والشيء المؤكد على حد قوله ان “الأزمنة لاتتساوى وبقدر ماتعطينا بقدر مانشعر بها”.
والكاتب محمد سلماوي الأمين العام لاتحاد كتاب افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية قال ان الحنين للماضي شعور تعرفه كل الشعوب معيدا للأذهان ان لهذا الشعور مظاهر في بعض الكتابات الفرعونية داخل المقابر ومن هنا “فالنوستالجيا ظاهرة إنسانية تعرفها كل الشعوب في كل العصور” لكنه يناهض بشدة مسألة التطرف في الحديث عن الماضي الجميل ومحاولة البعض اسقاط فضائل على الماضي لم تكن فيه بما قد يصل لما يسميه “بتزوير التاريخ”. 
وهكذا فمع ان الحنين للماضي شعور انساني طبيعي فان هذا الشعور المعروف “بالنوستالجيا” قد يتحول الى فخ او شرك يرهن الانسان المعاصر في قيوده ويحول دون بناء المستقبل المأمول حتى ان الظاهرة استرعت انتباه مثقفين مثل محمد سلماوي وفاروق جويدة الذي حذر من الاسراف في الحديث عن الماضي باعتباره “الزمن الجميل” و رأى ان “لكل جيل ان يعيش زمانه”.
ولئن خاطب فاروق جويدة الحبيبة قائلا :”لاانكر انني في أحيان كثيرة احن الى أيامنا معا..لاانكر ان وجهك كثيرا مايصافحني وانا اتصفح كتابا او اقرأ قصيدة او اسمع اغنية من اغانينا القديمة..لاانكر انني كثيرا ماتمنيت لو عاد الزمان بنا خطوة للوراء” فقد استدرك ليقول :”ولكن من اين استعيد كل هذه المشاعر وكيف استرجع كل هذه الأيام وكل الأشياء حولنا تغيرت وانا وانت أيضا تغيرنا”.

أكذوبة الزمن الجميل عند العرب

اما الكاتب الجزائري خالد عمر بن ققة فقد ذهب لما هو ابعد فتحدث عما اسماه “بأكذوبة الزمن الجميل عند العرب” مستهجنا ان نتحدث كعرب دائما عن الماضي باعتباره الزمن الجميل وهي ظاهرة كما يراها طالت رجل الشارع والنخبة معا مضيفا :”نحن مشدودون للماضي اكثر من الحاضر”..ويذهب بن ققة الى ان التخلص مما يسميه “بأكذوبة الزمن الجميل” يتطلب “التقليل من جرعة الماضي كمدخل لتغيير يمكننا من العيش في عصرنا وصناعة تاريخنا” فان الظاهرة على أي حال تتجاوز العالم العربي وحاضرة في ثقافات أخرى.

الخروج من الغرب

وهاهو الكاتب الروائي والقاص الباكستاني محسن حميد الذي اصدر  روايته الجديدة “الخروج من الغرب” يحذر من مخاطر “النوستالجيا” معتبرا ان هناك حاجة “لاعمال الخيال لمستقبل اكثر اشراقا” ومن هنا فهو يسدي النصح للروائيين والحكائين على وجه العموم للنظر للآتي بأمل.
ومحسن حميد صاحب رواية “دخان العثة” والذي امسى احد نجوم الكتابة الابداعية بالانجليزية لتنصت له صحف كبرى في الغرب مثل صحيفة الجارديان البريطانية لايغفل عن علاقة الكائن الانساني بالزمن كعلاقة حاكمة لظواهر وجودية مثل النوستالجيا ورحلة الانسان منذ لحظة الوجود في هذا العالم وحتى لحظة الرحيل وتحولاته عبر رحلته من المهد الى اللحد.
واذ يتحدث محسن حميد عن “محاولات الكائن الانساني لمقاومة الزمن او التمرد على قيوده وحتمياته” فانه يقول ان الانسان في خضم هذه العملية قد يجد نفسه مشدودا “كعاشق لماض لايمكن الوصول اليه واستعادته ولذكريات واحلام” فاذا بها “رحلة الاغراق في النوستالجيا”.
وهذا القاص الباكستاني الذي ولد في مدينة لاهور الباكستانية  ويمضي في الشطر الثاني من عمره الأربعيني ويهوى الترحال حول العالم ينظر “للنوستالجيا كقوة مريعة في تلك اللحظة الكونية من التاريخ الانساني” موضحا رؤيته بقوله ان هناك العديد من الساسة والقوى والجماعات تتلاعب وتلعب على “اوتار النوستالجيا واستعادة الماضي المتخيل بأمجاده” وهي ظاهرة في مفردات السرد ولغة الخطاب السياسي بالشرق والغرب معا.
وتلك الظاهرة التي يتناولها محسن حميد قد تفسر بعض اسباب الانتصارات الانتخابية التي شكلت مفاجآة للكثيرين مثل ذلك الانتصار الذي حققه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما رفع شعار “استعادة امريكا العظيمة من جديد” بكل مايعنيه ذلك من عزف على اوتار النوستالجيا لدى قطاعات واسعة من الناخبين الأمريكيين.

اوتار النوستالجيا”

غير ان الانصاف يقتضي القول ان ترامب ليس وحده الذي عزف على “اوتار النوستالجيا” فالظاهرة عالمية كما يلاحظ محسن حميد صاحب رواية “اصولي على مضض” وهي تمتد لبلدان كالهند والصين ناهيك عن جماعات في المنطقة العربية تروع البشر بممارساتها الارهابية وافكارها الظلامية في الحاضر وهي “تعزف على اوتار النوستالجيا” بالحديث عن “استعادة الماضي الجميل وامجاد العصر الذهبي” !.
او كأنه الماضي يعود في ثوب جديد وحلة قشيبة اتاحتها تقنيات العصر الرقمي ليجد انسان هذا العصر مستعدا كل الاستعداد للقاء الموعود مع الزمن الجميل كما يتصوره وكما تؤجج هذه التصورات اشواقا وتوقا لذلك الماضي الذي يتغول احيانا على الحاضر !.
ولكن لماذا كل هذا الحنين المفرط للماضي”!..الاجابة عند محسن حميد تتلخص في ان ايقاع التغيير الحالي سريع للغاية ومن ثم
يحاول الانسان المعاصر وسط آلام هذا الايقاع اللاهث والمتغيرات الزاعقة والصاعقة ان يجد في الماضي ملاذا آمنا..والاشكالية هنا في قلب هذا الايقاع السريع للغاية للتغيير كما يحددها محسن حميد تتمثل في الخوف الانساني ان لم يكن الذعر من المستقبل فيما الأدوات التي يطورها انسان العصر الرقمي للتكيف مع معطيات هذا العصر غير كافية بعد لتبديد خوفه من الحاضر وفزعه من المستقبل.
وهكذا تتجلى محنة الانسان المعاصر في نظر الروائي محسن حميد في كونه “عالقا في الحاضر المضطرب بين ماض انتزع منه لكنه مشدود له بقوة الحنين والرغبة في البحث عن الآمان ومستقبل يخشى منه ومن ثم فهو يحاول ان يقاومه” فيما تمثل “النوستالجيا” آلية من آليات مقاومة المستقبل.    
    ولئن كان هذا الروائي والقاص الباكستاني يحذر من الايغال في مشاعر الحنين للماضي او “سطوة النوستالجيا” فان قوة الذكريات قد تشكل في المقابل زادا ثقافيا ومددا ابداعيا يتبدى في جديد الكتابات فيما المفردة او الكلمة ذاتها تتحول الى خلية حية لها ذاكرتها عندما تدخل ضمن سياق او بنية ابداعية.
وهاهو القاص الياباني الشهير هاروكي موراكامي يعود للذاكرة ويتوقف عند منتصف ستينيات القرن العشرين ويكتب قصته “قيادة سيارتي” بعد عمل اخر من تجليات الذاكرة بعنوان “رجال بلا نساء” حيث طوكيو المضطربة باحتجاجات الشباب.
وموراكامي الذي ولد في الثاني عشر من يناير عام 1949 من كتاب “الذاكرة” بامتياز فيما تتجلى في اعماله مشاعر الحنين للماض

ي وقد يذهب بعيدا لحد تقمص نجوم الأدب والكتابة في ذاكرة العالم مثلما فعل في كتابه “كافكا على الشاطيء” ليصنع نموذجه الخاص للكاتب التشيكي الراحل فرانز كافكا.
والزمن المعادي  للذاكرة هو زمن النسيان والذي سبق وان وصفه الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت في رسالة لزوجته من السجن بقوله “نحن نعيش زمنا لايذكر فيه الناس موتاهم اكثر من ايام؟”!.
وفي رسالة مفتوحة وموقعة بأسماء 38 من المتوجين بجائزة نوبل للآداب وفئات اخرى لهذه الجائزة العالمية وجهت مؤخرا للرئيس التركي رجب طيب اردوغان احتجاجا على القمع الذي يتعرض له المبدعون من جانب نظام اردوغان وسجن واعتقال الكثير من الأدباء والكتاب الأتراك في ظل هذا النظام الذي ضرب حرية التعبير عن الرأي في مقتل حرصت هذه الشخصيات على القول بأن “تركيا الآن ليست تركيا التي عرفناها من قبل”. 
وليس استدعاء الأيام الخوالي في اعمال المبدع التركي الكبير اورهان باموق والذي يحق وصفه “بحكاء الحزن التركي” الا تعبيرا عن احتجاج على راهن الأيام وواقع يشهد صعود نظام حكم في بلاده يحكم  قبضته على الحريات.

“غربة في عقلي”

وهاهو النوبلي اورهان باموق قد استحالت روايته :“غربة في عقلي” الى نص مداده الشجن ويكاد يكون مرثية لزمن اسطنبول الذي ذهب بلا عودة فيما حظت الرواية بعد ترجمتها للانجليزية باهتمام كبير ومتابعات وقراءات نقدية في كبريات صحف الغرب .والغريب ان باموق اصدر قبل ذلك بعشر سنوات كاملة كتابا سرديا بعنوان :”اسطنبول: الذكريات والمدينة” وهاهو يستعيد الموضوع ذاته في روايته الجديدة “غربة في عقلي” ولكن في قالب روائي هذه المرة حتى حق للبعض التساؤل :لهذا الحد هو متعلق بالذكريات ام انه يشعر بحزن ما  او هي تنويعات الذاكرة؟!.
وهذه الرواية  تشكل “انشودة حزينة” حقا بقدر ماتحمل “وجد العشق لأسطنبول التي يتبدد ماضيها الجميل وتنتحر ايامها الخوالي” !.. لعله “الحزن الجميل” او “الم كاللذة” ذلك الذي يتبدى في “غربة في عقلي” فيما يمكن للقاريء ان ينعم بجولة مع باموق في الأزقة العتيقة والممرات العديدة لمدينة تشرف على الهلاك.
هكذا يمكن للنوستالجيا ان تكون مصدر ابداع رائق كما هو الحال في رواية باموق التي جاءت في 600 صفحة لتتعانق فيها هموم السياسة والتجارة والحب وعجائب المصادفات ونداءات الأشواق ومشاعر الحنين للأيام الخوالي والأماكن الحميمة في الذاكرة.
والطريف ان الشاعر والكاتب الفرنسي برنار نويل عندما حاول في كتابه “النسيان” التأكيد على اهمية النسيان وتحرر الكاتب من سطوة الذاكرة وهيمنتها حتى يقدم الجديد والمغاير عاد ليثبت اهمية الذاكرة عندما قال في هذا الكتاب “لاشيء يضيع مع النسيان فما ننساه يظل موجودا في مكان ما ثم يعود الى الظهور في الكتابة لاكما كان ولا الى ماكان بل كما ينبغي ان يكون”!.
وهذا الكتاب يتضمن اشارات دالة لقضية الذاكرة والنسيان والحقيقة ان العلاقة بينهما جدلية وحافلة بالغرائب والمدهشات واذا كان هناك من يتحدث عن “اهمية التحرر من استبداد الذاكرة لانتاج معنى جديد” فمن الذي بمقدوره انتاج معنى جديد بلا ذاكرة؟!.
وفي الحياة اليومية قد تشكل  “النوستالجيا الطبيعية بلا اسراف او افراط” والابحار في موانيء الذاكرة مناعة في مواجهة نوازل الدنيا وزلزلة الكينونة واهتزاز الثقة بالذات واجتثاث الجذور والقذف في صحراء العدم..فالذكريات تحيل للخصوصية وتفرد النسيج وثراء الملكوت الانساني في مجابهة المسخ والالغاء والقولبة.
وقد تدخل ذكريات موغلة في البعد في هذه المجابهة التي تتطلب تعزيز المناعة وتأكيد الخصوصية وتفرد الوجدان وسريان  اسرار الروح في البنية الانسانية بما يشكل حيثيات وجود جدير بالوجود!..ذكريات في اقصى الذاكرة وتفاصيل صغيرة لكنها حميمة قد تعيد ولاء الذات لأفضل ماعرفته الذات وتروي القلب برحيق التزود والتجدد وامكانية قراءة الذات بصورة اكثر صدقا وفاعلية.
فمن الذي ينسى اول يوم ذهب فيه للمدرسة واول يوم التحق فيه بعمل واول طائرة استقلها واول مرة دق فيها القلب بشيء اسمه الحب؟!..من الذي لايستعيد وجوه الأصدقاء والزملاء على مقاعد الدراسة والأساتذة الذين قدموا العلم وشكلوا الوجدان؟..حتى الشوارع لها ذاكرتها بل ان المرء قد يلوذ بطريق ما او شارع بعينه في لحظات استثنائية بحثا عن الآمان وصفاء التفكير.

الترحال في الذاكرة

فالنوستالجيا قوة عندما تكون طبيعية وبريئة من الاسراف والذكريات طاقة كما ان لذة الابحار في الذات والترحال في الذاكرة قد  تخفف من حدة آلام لاتطاق في الحاضر وذاكرة موازية صافية للذاكرة المحتشدة بكثير من ضجيج الأيام السابلة ولغو العادي.
والنوستالجيا لاتتحول الى إشكالية الا عندما يعيش الانسان بكل وجوده الحاضر في الماضي محجوبا عن المستقبل لكنها يمكن ان تتحول للحن عذب واجنحة يحلق بها الانسان المعاصر نحو مستقبل افضل واكثر جمالا وانسانية من الحاضر..فثمة معادلة دقيقة ومطلوبة حتى لاتتحول النوستالجيا الى سلطة لماض يصادر الحاضر والمستقبل وسؤال من جراح وغواية من سراب!..ومرحبا “بنوستالجيا الكونتيننتال” لأنها على أي حال من النوع الحميد ولاتصادر المستقبل لحساب الماضي !.

%d مدونون معجبون بهذه: