حسام ابراهيم يكتب ل "مصر المحروسة . نت " د.نهاد ابراهيم و "موسوعة النقد السينمائي"..حدث ثقافي هام.

الفن من اهم آليات القوى الناعمة فان دعم القوى الناعمة  لمصر وتطوير آليات هذه القوى امر لاغنى عنه في مرحلة تصفها الدكتورة نهاد ابراهيم بأنها "الأخطر في مواجهة عدو يريد شطب خصائص الشخصية المصرية وهويتنا الوطنية".

0 32

   في توقيت مناسب تماما تقدم مثقفة مصرية عملا موسوعيا غير مسبوق في الثقافة السينمائية المصرية والعربية لتشكل “موسوعة النقد السينمائي-تشكيل الوعي عبر القوى الناعمة” التي صدرت مؤخرا في ستة اجزاء بحق حدثا ثقافيا هاما  بقدر ماتنطوي هذه الموسوعة على جهد وطني مخلص لتعظيم القوى الناعمة المصرية. 
والدكتورة نهاد ابراهيم صاحبة هذا العمل الموسوعي الكبير الذي يحق وصفه بأنه يدخل في نطاق “الصناعة الثقافية الثقيلة” هي ناقدة سينمائية ومسرحية كما انها شاعرة وقاصة ومترجمة فيما حصلت على درجة الدكتوراه في النقد الأدبي من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون عام 2006عن اطروحة بعنوان “اسطورة فاوست بين مارلو وجوته والحكيم وباكثير وفتحي رضوان”.
ومن المثير للاعجاب “تلك النظرة الكلية الشاملة والمحيطة بعديد المعطيات والعوامل والمتغيرات” وذلك المنهج الذي اعتمدته “المثقفة الموسوعية المصرية” نهاد ابراهيم في موسوعتها السينمائية والذي انطلق من منظور علمي تحليلي وموضوعي للكثير والكثير من الأفلام المصرية والأجنبية وان تسعى المؤلفة في الوقت ذاته “لمنح القاريء مفاتيح الفرجة وصولا للمتعة في عالم الفن السابع”.
والمتأمل لهذه الموسوعة باجزائها الستة بمقدوره ملاحظة التفوق اللافت للمؤلفة في استخدام ادوات المنهج التحليلي في سياقاته الحداثية والتوغل بعمق عند جذور القضايا المطروحة للبحث مع فهم عميق للمؤثرات السوسيولوجية والمعطيات المفسرة لأفلام تصدر عن خلفيات اجتماعية مختلفة ورؤى وسياقات مجتمعية متعددة وتوجهات فكرية قد تصل احيانا لحد التباين ان لم يكن الصدام.
فالدكتورة نهاد ابراهيم تظهر حساسية عالية في موسوعة النقد السينمائي-تشكيل الوعي عبر القوى الناعمة” لحقيقة ارتباط السينما او “الفن السابع” بالسياقات الثقافية والمجتمعية بقدر ماهي مدركة لاشكاليات المقارنة بين افلام تصدر في سياقات ثقافية-مجتمعية مختلفة وان كان من المفترض بل والضروري ان يكون الابداع الانساني بأطيافه وتلاوينه المتعددة جوهرها وقوام فنها.    
وتأتي هذه الموسوعة السينمائية التي تجاوزت صفحاتها الثلاثة الاف ومائتي صفحة واستغرق اعدادها خمس سنوات تتويجا لجهد بحثي ومعرفي للدكتورة نهاد ابراهيم عبر العديد من الكتب و الدراسات فضلا عن المقالات والمشاركة في عضوية لجان التحكيم لمهرجانات سينمائية فيما لم يكن من الغريب ان  تثير موسوعتها للنقد السينمائي اهتمام جامعات امريكية مرموقة مثل هارفارد وييل وبرينستون وكولومبيا واوهايو.
وتؤكد الدكتورة نهاد ابراهيم على ان الفن يدافع عن القضايا النبيلة للمصريين وحضارتهم الانسانية الممتدة عبر ألاف السنين فيما تطالب بالتصدي الواعي “للممارسات واللغة البذيئة المنسوبة ظلما للفن والابداع” بقدر ماتستنكر “تسليع المرأة وتحويلها لمجرد جسد بعيدا عن جوهرها الانساني ودورها الحقيقي في المجتمع” فضلا عن “تغييب الوعي او تزييفه بسبل الفن الهابط والخطاب الفكري المسموم الذي قد يكون اشد خطرا وفتكا من المخدرات”.
 وقد يكون من حسن الطالع ان تتزامن هذه الموسوعة السينمائية الجديدة للدكتورة نهاد ابراهيم مع اهتمام لافت على المستوى الرسمي بدعم صناعة السينما المصرية وحرص حميد على استعادة روافد القوة الناعمة لمصر وتعظيم قدراتها الثقافية.
وكان مجلس الوزراء برئاسة المهندس شريف اسماعيل قد قرر مؤخرا زيادة الدعم الموجه لصناعة السينما بنسبة 150 في المائة ليرتفع من 20 مليون الى 50 مليون جنيه سنويا فيما اكد رئيس الوزراء على اهتمام الدولة بصناعة السينما وحرصها على دعم الثقافة والفنون وتهيئة المشجع على حرية الفكر والابداع لافتا الى ان “صناعة السينما تمثل احد اهم روافد قوة مصر الناعمة”.
وفيما وصف الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة قرار الحكومة بتخصيص 50 مليون جنيه لدعم السينما وانتاج افلام جيدة وراقية “بالقرار الجريء” فانه اعرب عن اعتقاده بأن هذا المبلغ لايكفي “لانقاذ السينما المصرية وهي تعيش محنة قاسية بينما ترى الدكتورة نهاد ابراهيم ان ازمة السينما المصرية بدأت منذ عام 2006 مع ماتصفه “ببداية تدهور النظام العام” .
واعاد فاروق جويدة للأذهان ان السينما المصرية في اواخر الأربعينيات كانت تنتج 90 فيلما في السنة وكانت صادرات مصر منها تحتل المرتبة الثانية بعد القطن “ووصلت افلامنا الى دول افريقيا والهند بجانب سوق واسعة في الدول العربية التي عاشت سنوات طويلة على الفن المصري والفيلم المصري”.  
واذ تذهب نفوس المثقفين حسرات جراء الأزمة الحادة للدراما المصرية سواء على الشاشة الكبيرة او الصغيرة وبما يعكس مشكلة ثقافية بالدرجة الأولى يرى هذا المثقف المصري البارز اننا امام “موجة من الفن الهابط التي دمرت انتاجنا السينمائي في السنوات الماضية”.
وهناك من الكتاب والنقاد من يجتر “ذكريات الزمن الجميل” ويذهب معها الى ان “السينما المصرية كانت ثالث سينما في العالم بعد امريكا وفرنسا” وذلك في سياق حالة ثقافية عامة تجلت فيها معاني القوة الناعمة المصرية مابين السينما والمسرح والأغنية والأدب والفن التشكيلي .
وفي “الزمن الجميل” كان الفن كما تقول الدكتورة نهاد ابراهيم هو المدافع عن حرية المرأة وجوهرها الانساني وحقوقها في العيش الكريم ومشاركتها الفاعلة في بناء المجتمع المصري بعيدا عن “حصرها في نطاق انثوي ضيق” فيما ترى هذه الناقدة والمبدعة المهمومة “بقضايا شهرزاد او المرأة في سياقات مجتمعها المعاصر” ان “احوال السينما المصرية الآن ليست على مايرام”.
وفي الوقت ذاته تحذر الدكتورة نهاد ابراهيم من مخاطر الفوضى الهدامة والعدوان على ثوابت ومرتكزات المجتمع بدعاوى حرية الفن المزعومة والتي لاعلاقة لها بحرية الابداع بالمعنى الحقيقي بما يعني اغتيال الحرية باسم الحرية “ .
وقضايا القوة الناعمة موضع اهتمام لافت للمثقفة الموسوعية والوطنية المصرية نهاد ابراهيم صاحبة كتاب “دراما بلا حدود” الذي يتناول مسيرة احد اهم كتاب السيناريو السينمائي في مصر وهو الراحل عبد الحي اديب كما انها نهضت بمهمة ترجمة وتحرير كتاب “المخرجون :كلاكيت اول مرة” الصادر عن المركز القومي للترجمة شأنه شأن كتاب “تحت مقص الرقيب” الذي يتعلق باشكاليات وهموم الرقابة السينمائية.
ولئن كان الفن من اهم آليات القوى الناعمة فان دعم القوى الناعمة  لمصر وتطوير آليات هذه القوى امر لاغنى عنه في مرحلة تصفها الدكتورة نهاد ابراهيم بأنها “الأخطر في مواجهة عدو يريد شطب خصائص الشخصية المصرية وهويتنا الوطنية”.
وفي زمن مابعد الحداثة وجدل العولمة كان لصاحبة “موسوعة النقد السينمائي تشكيل الوعي عبر القوى الناعمة” والتي تهديها لأمها التي علمتها احترام العلم و لروح الناقد والكاتب النبيل رجاء النقاش ان تناقش قضايا هذا الزمن من منظور الفن السابع في كتابها “سينما حول العالم” وكذلك في كتابها “دراسات سينمائية متنوعة” مؤكدة على حقيقة الدور الملهم للفن في تحريك المشاعر وحركة البشر وحراك المجتمعات .
ولئن ركزت نهاد ابراهيم جهدها البحثي والنقدي في دراسات الفن السابع او السينما فان هذه المثقفة المصرية الغزيرة الانتاج تبدو ايضا مهمومة بقضايا المسرح وهو مايتجلي في كتاب “قراءات نقدية في العروض المسرحية-تشكيل الوعي عبر القوى الناعمة” وهو في طبعته الثانية من اصدارات “دار العلوم للنشر والتوزيع” التي صدر عنها عملها الموسوعي الكبير “موسوعة النقد السينمائي-تشكيل الوعي عبر القوى الناعمة”.
وترى نهاد ابراهيم ان “العنفوان الحقيقي للمسرح المصري” كان في سنوات عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين مع اعمال خالدة لأسماء خالدة مثل يوسف وهبي وعلي الكسار وفاطمة رشدي ناهيك عن المسرح الغنائي لسيد درويش.
ولم يحل هذا الجهد البحثي والنقدي المضني والذي اتجه للموسوعات بكل ماتشكله من اهمية ثقافية للسينما والمسرح في مصر دون اعمال ابداعية للدكتورة نهاد ابراهيم في شعر العامية التي توالت لتشكل خمسة دواوين فضلا عن مجموعة قصصية صدرت بعنوان “الكونت دي مونت شفيقة” والتي فازت في عام 2013 بجائزة اتحاد كتاب مصر لأفضل مجموعة قصصية.
ولاريب ان الراحل العظيم توفيق الحكيم الذي يعد احد ابرز الآباء الثقافيين في مصر المعاصرة حاضر بقوة في الاهتمامات البحثية والنقدية للدكتورة نهاد ابراهيم التي ولدت عام 1971 وهي صاحبة كتاب “شهرزاد في الأدب المصري المعاصر” وكتاب “توفيق الحكيم من المسرح الى السينما” ناهيك عن الحضور الواضح لصاحب “مسرحية شهرزاد” و”مفهوم التعادلية” في اطروحتها للدكتوراه حول اسطورة فاوست.
وقد تكشف تحذيرات نهاد ابراهيم صاحبة القراءة التحليلية الفاحصة للواقع من خطورة “ازمة الخيال” والافتقار “لمتعة الخيال اللامحدود” عن  جانب هام من اسباب ازمة السينما المصرية كما تسهم في الاجابة على تساؤلات مثل :”كيف عجزت الثورة المصرية عن التأثير على الدراما؟..ولماذا بقى  المشهد السينمائى والتلفزيوني الدرامي المصرى بعد ثورة 25 يناير-30 يونيو دون تغيير جوهري”؟!.
ولئن كانت الدكتنورة نهاد ابراهيم قد شاركت في لجان تحكيم بمهرجانات سينمائية دولية مثل لجنة تحكيم النقاد بمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي فان موسوعتها السينمائية الجديدة قد تفسر ايضا سر الغياب السينمائي المصري الذي يتكرر كثيرا في مهرجانات هامة للفن السابع  مثل مهرجان كان السينمائي.
والمقصود بالغياب هنا عدم منافسة الأفلام المصرية بجدية على جوائز تلك المهرجانات أي “غياب الحضور الابداعي” وهي مسألة تختلف كل الاختلاف عن حضور بعض الفنانين المصريين في بعض هذه المهرجانات بغية التقاط صور للذكرى او الدعاية!.
ولاريب ان هذا العمل الموسوعي الكبير للدكتورة نهاد ابراهيم يشكل قاعدة معرفية تتيح للباحث الجاد امكانية اجراء المزيد من الدراسات السينمائية والاجابة على سؤال مثل :” هل يكون بمقدور اقدم صناعة للفيلم فى منطقة الشرق الأوسط  درء مخاطر هوليوود وتحقيق نهضة سينمائية ابداعية مصرية جديدة”؟.
وثمة حاجة ملحة مثلا لبحث التغير فى مزاج المتلقى المصرى وذائقته السينمائية في السنوات الأخيرة وانعكاسات هذا التغير على الدراما المصرية سعلى مستوى الشاشة الكبيرة التي تبدو حيرى وعاجزة ثقافيا وابداعيا عن التكيف مع متغيرات ومتحولات مابعد ثورة يناير-يونيو .
واذا كان تاريخ الفن السابع لن ينسى اسماء مصرية مثل يوسف شاهين وشادي عبد السلام وصلاح ابو سيف وسعيد مرزوق وصلاح مرعي الذي كان احد اعظم مهندسي الديكور في السينما المصرية ان لم يكن السينما العالمية فهاهي مثقفة مصرية تقدم فتحا معرفيا جديدا بموسوعتها السينمائية.
انها استجابة واعية من جانب مثقفة وطنية لتحديات تواجه السينما في بلادها..فتحية للدكتورة نهاد ابراهيم التي تسعى لاستعادة الدور الكبير والنبيل للسينما المصرية في التشكيل الايجابي للانسان المصري وتعظيم القوى الناعمة لمصر الخالدة.

%d مدونون معجبون بهذه: