حسام إبراهيم يكتب مصر لاتعرف ولاتعترف باللاجئين !!

مصر الدولة الوحيدة التي لايوجد بها "معسكرات اللاجئين" وتؤكد بالأقوال والأفعال على أهمية معالجة جذور المآساة و"التعامل مع هؤلاء البشر كبشر".

0 12

                                     ..
نعم مصر لاتعرف ولاتعترف باللاجئين وكل مصري يعتبر من يلوذ بأرض الكنانة “واحدا منا نتقاسم معه العيش والملح  وله مالنا وعليه ماعلينا” !..تلك حقيقة تاريخية وواقع نعيشه ويعبر بصدق عن شخصية مصر والمصريين.
انها  مصر التي يشهد التاريخ انها لم تتخل ابدا عن كل من ضاقت عليه الدنيا بما رحبت وتقدم الآن نموذجا مضيئا للثقافة الإنسانية بشأن اللاجئين في وقت يتصاعد فيه الجدل بين تيارات مختلفة ومثقفين يتبنون رؤى متعددة حول العالم بشأن هذه الفئة من البشر..ولعلك سمعت او قرأت مانقلته وسائل اعلام دولية منذ ساعات معدودة عن  اشادة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بجهود مصر في رعاية اللاجئين منوهة في هذا السياق بتوفير فرص التعليم لهذه الفئة التي عانت من ظروف قاسية حتى اضطرت للتحول الى لاجئين.
وحقيقة مصر والمصريين تترجمها شهادات للاجئين اكدوا فيها على ان مصر انقذتهم من حالة الاضطراب وانعدام الأمن التي عانوا منها قبل ان يلوذوا بأرض الكنانة لينعموا بالأمن والآمان كما انخرط الطلاب منهم في الدراسة لاستكمال مراحلهم التعليمية وامسوا يتطلعون بتفاؤل للمستقبل.
والقاهرة  استضافت في أواخر العام الماضي مؤتمرا دوليا لوقف خطابات الكراهية في وسائل الاعلام ضد المهاجرين واللاجئين وهو المؤتمر الذي نظمته المنظمة الدولية للهجرة بالتعاون مع “البرنامج المصري لتطوير الاعلام” فيما أشادت المتحدثة باسم “برنامج تحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة” نهال سعد بالتجربة المصرية الناجحة في استضافة المهاجرين واللاجئين.
 وفيما اكدت على أهمية دور وسائل الاعلام في مكافحة خطاب الكراهية ضد هذه الفئة من البشر المعذبين قدرت نهال سعد عدد المهاجرين واللاجئين الذين تحتضنهم مصر بنحو خمسة ملايين شخص ويتعامل المصريون معهم دون تمييز كأنهم في وطنهم.
وتعد مصر الدولة الوحيدة التي لايوجد بها “معسكرات اللاجئين” المنتشرة في دول كثيرة حول العالم بينما يشيد مسؤولون بمنظمات تابعة للأمم المتحدة مثل “اليونيسيف” بالخدمات الصحية التي تقدمها مصر للاجئين وتعاون السلطات المصرية مع هذه المنظمات للتخفيف من حدة معاناة هذه الفئة التي تشكل جرحا نازفا في الجسد العربي المثخن بجراح الفوضى والدمار في عدة بلدان.
ويشكل هذا الموقف المصري نموذجا انسانيا مضيئا في وقت توالت فيه طروحات لكتاب حول العالم تحذر من خطورة “الردة عن النزعة الإنسانية حيال اللاجئين وعدم المبالاة بعذابات البشر بغض النظر عن اصولهم وعقائدهم وانتماءاتهم”.
ومع التصاعد الواضح في اعداد اللاجئين حول العالم وتفاقم أوضاع اللاجئين في أماكن شتى فرضت هذه القضية الإنسانية نفسها على اهتمامات مبدعين مثل الكاتب والروائي الباكستاني محسن حميد الذي حظت روايته الأخيرة المكتوبة بالانجليزية :”الخروج غربا” باهتمام واسع النطاق في الصحافة الغربية.
وهذه الرواية التي ابدع صاحبها عبر بناء درامي متقن في تناول آلام اللاجئين الذين تقدر اعدادهم الآن بعشرات الملايين حول العالم وصلت في العام الماضي للقائمة القصيرة لجائزة مان بوكر التي تعد من اهم الجوائز الثقافية في الغرب كما اختارتها جريدة نيويورك تايمز ضمن قائمة افضل عشرة كتب لعام 2017.
وفي عام 2015 شهد العالم اكبر موجة نزوح للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية لتصل الى “ذروة اليمة ولحظة فارقة في ظاهرة الشراع الباكية”  اومراكب وقوارب الموت السابحة في بحار ومحيطات العالم فيما أدت موجة التطرف والإرهاب التي عانت منها بلدان عربية لتصاعد الظاهرة المحزنة .
وتزامنت الظاهرة مع بروز خطابات لليمين المتطرف في الغرب تطفح بالكراهية للمهاجرين واللاجئين فيما تطالب مدير المكتب الإعلامي للأمم المتحدة في القاهرة راضية عاشوري “بالتصدي للسرديات التي ترفض الآخر وتعمق الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين”.
وحسب تقديرات منشورة  لمنظمة اليونيسيف  الأممية المعنية برعاية الطفولة فان نحو 28 مليون طفل شردوا من منازلهم في عام 2015 جراء العنف والصراع “داخل وعبر الحدود” في بلدان شتى حول العالم بينما نشطت عصابات المهربين والمتاجرين بالأطفال.
ولعل ثمة حاجة لمزيد من الإضافات الثقافية المصرية-العربية في سياق تناول ما يسمى بقضية الهجرة غير الشرعية مع الألم الذي قد يحفز القلم للكتابة عن “توابيت  الموت” السابحة في البحرالمتوسط   وبقية بحار ومحيطات العالم.
واذا كان العبور الثقافي للشاطيء الآخر الذي يستقبل موجات بشرية من الجنوب تطلب اللجوء او تبحث عن اي فرص عمل مطلوبا فان الثقافة الغربية تنتج بالفعل اعمالا جديدة حول تلك الظاهرة مثل كتاب صدر بالانجليزية مؤخرا بعنوان :”الحدود العنيفة :اللاجئون والحق في التنقل” وهو بقلم ريس جونز.
وكذلك استقبلت المكتبة البريطانية  كتابا جديدا لديفيد ميلر بعنوان :”غرباء بيننا: الفلسفة السياسية للهجرة” ليثير الكتابان الجديدان المزيد من الجدل حول قضايا الهجرة واللاجئين في الغرب وهي قضايا باتت ضمن أولويات المرشحين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية بعد ان فرضت نفسها على الاهتمام العام للناخبين .
ويسعى ريس جونز في كتابه الجديد لتقديم مايصفه “باقتراحات عملية” لقضايا الهجرة واللاجئين التي تؤثر حسب رؤيته في مؤسسات الدولة في الغرب معتبرا انه من الأهمية بمكان معالجة هذه القضايا “بنظرة شاملة وفي اطار عالمي” لايغفل مسائل مثل تأثير تدهور البيئة واستشراء الفقر الى جانب عوامل عدم الاستقرار في البلدان التي يرحل منها مواطنوها ليتحولوا الى لاجئين. 
ولئن بدا ريس جونز متفهما للأسباب الجوهرية لتفاقم ظاهرة اللاجئين فان ديفيد ميلر بدا في كتابه اقرب للرؤية المتشددة مع اللاجئين كما بدا مؤيدا “لمعايير اكثر صرامة لانتقاء المهاجرين الجدد” واعادت تحذيراته بشأن “التأثير السلبي لتدفق المهاجرين على المناعة الاجتماعية” للأذهان ذلك الكتاب الذي  صدر بعنوان “موت الغرب” واعتبر فيه السياسي اليميني الأمريكي باتريك بوكانان ان قيم المجتمعات الغربية مهددة بسبب ماوصفه “بغزوات المهاجرين من العالم الثالث” داعيا للحد من سيل الهجرات والتصدي للقيم الثقافية الوافدة.
وفي المقابل رأت الممثلة الأمريكية اللامعة انجلينا جولي انه ليس من دواعي الفخر الإساءة لأي شخص على أساس الدين او الجنسية او أي اختلاف اخر داعية “لمزيد من التسامح” فيما عرفت هذه النجمة الهوليوودية بأنشطتها الانسانية والخيرية مابين كمبوديا وافغانستان وهاييتي .
وفيما اختارتها مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة  “كسفيرة اانوايا الحسنة” أبدت انجلينا جولي اهتماما كبيرا بمآساة اللاجئين السوريين ودعت زعماء دول العالم للإجابة على سؤال بشأن “الأسباب الجذرية للصراع في سوريا وماذا يلزم لانهائه”.
وواقع الحال ان أصواتا هامة في الثقافة الغربية انتبهت مبكرا لمآسي المهاجرين مثل الكاتب والفنان البريطاني الراحل جون بيرجر الذي نشر مع المصور الفوتوغرافي السويسري جون موهر كتابا وثائقيا في عام 1975 بعنوان :”رجل سابع” يتناول ظروف العيش البائسة للعمال المهاجرين في أوروبا ويقول نقاد ثقافيون ان من يتصفح هذا الكتاب يكاد يظن انه صدر بالأمس القريب حول ازمة اللاجئين الراهنة في القارة الأوروبية.
ووسط الجدل المحتدم بين اتجاهات متعددة في الثقافة الغربية حول قضايا الهجرة واللاجئين تشكل مصر نموذجا هاديا ومفيدا للإنسانية حيال سبل التعامل مع هذه القضايا الملحة..وتفاقم ازمة اللاجئين الفارين من ويلات النزاعات المسلحة يبرهن على صحة وصواب الموقف المصري الذي ينادي بضرورة العمل من اجل تسوية تلك النزاعات والتصدي لظاهرة الإرهاب التي تشكل احد اهم أسباب تفاقم الأزمة وفتح قنوات الهجرة الشرعية وتيسير عملية التنقل وربط الهجرة بالتنمية.
فمصر .انها مصر بشخصيتها الحضارية ورسالتها الخالدة واصالة شعبها المضياف لكل من ارغمته الظروف على الخروج من وطنه..ومهما بلغت المعاناة والضغوط الاقتصادية لن يعرف المصري او يعترف باللاجئين وانما يتعامل معهم كاخوة لنا في الانسانية ويتقاسم معهم العيش والملح !.
 
 

%d مدونون معجبون بهذه: