الفنان التشكيلى الكبير د. مصطفي الرزاز ينضم ل كتاب " مصر المحروسة .نت "ويكتب عن الأسطورة فى الفن الحديث

0 16

في عام 1966 كتب الناقد الراحل الكبير حسين بيكار عن معرضي الأول تحت عنوان (فنان أسطورة يعيش بين الأساطير) وقد فتح هذا المقال أمامي منذ بداية طريقي كفنان نافذة أثيرية إلى عالم الأساطير الذي كنت متيما به وبالقراءة عنه في التراث الإنساني وعندما شرعت في كتابة هذه الدراسة احتشدت في
الفنان الحديث والمعاصر يقف بين العقل وبين الذات السيكولوجية البدائية
رأسي أفكار وملامح ورؤوس عناوين، وأشكال وصور، هذا موضوع مترامي الأطراف، تتشابك عناصره بقوة وغموض مثل الأسطورة ذاتها. وما أود التأكيد عليه هو أن علاقة الفنان بالأسطورة ليس أن يرسمها أو ينحتها بكليتها أو بتفاصيلها فقط، ولكن العلاقة تشمل دور الفنان في الحضارة بكل تجلياته وأيا كان موضوع تعبيره أو أسلوب أو خامة هذا التعبير. فإن فعل الفنان- أي فنان حقيقي هو فعل أسطوري لأنه يستهدف اختراق حواجز الزمان والمكان والمنطق والعلم، وصولا إلى عالم الميتافيزيقا والخيمياء، محلقا في اللاوعي مثله مثل بروميثيوس، وآدم، يحمى الحس الأسطوري ويفتح طاقات الخلاص من القواعد والثوابت، فتمتد مسيرة الطموح لمزيد من فتوحات المعرفة التي تخصم من رصيد الميتافيزيقا، فيأتي دور الشعراء والفنانين لشق أنهارا متجددة لأفق الفكر الإنساني.
 
وتتناول هذه الدراسة الموضوع من تلك الزاوية موضحة موقع الأسطورة من الحاضر، وتحولها من الوثني إلى الإيماني، ومكان الغيبيات من المقدس، وزواج الأسطورة بالدين ورموزه، ولغة العلامة كبديل للغة الصورة وعلاقة الميتافيزيقا والأسطورة بالعلم وبالفن الحديث، والخيمياء المعاصرة في الفن، ورموز الدائرة والحلزون، والمتاهة والصحراء والزمن والضوء، والميكنة والروبوتية والسيبرانية كمفردات أسطورية بالفن الحديث، وتصوير الفنانين للمسوخ الشيطانية والموضوع الرمزي الأسطوري، وولادة الأساطير الجديدة في الحياة المعاصرة مع أمثلة تحليلية لتعامل الفنانين مع هذا العالم الأثيري المدهش.
* الأسطورة بين الماضي والحاضر:
الأسطورة هي المصدر الأول والأقدم لجميع المعارف والخبرات الإنسانية، فهي جماع التفكير والتعبير عن الإنسان في مرحلته البدائية والقديمة. وهي تعبر عن حلم الإنسان الخارق صاحب الملكات المثالية، وعن قوى الطبيعة، فأصبحت مجموعة من الرموز المجازية لِمَعان كمرحلة وقوى ومُثل، وتشخيصا لمبادئ أخلاقية، ونواميس طبيعية، وللعناصر الكونية كمرحلة من مراحل الفكر، تقوم على التشخيص وإشباع الحياة على المحسوسات والكائنات والظواهر. اعتقادا بوجود الحياة في كل شيء. تلك الظواهر الخارقة هي الجانب المظلم لعقولنا في وضح النهار، وهي مثل الليل تنطوي على غموض وجمال ودهشة، وعلى رعب. إن لها جاذبية قاهرة، وهي تمسنا جميعا منذئذ بطريقة أو بأخرى، ومع تقدم الماديات والسببية في العصر الحديث، فإن الظواهر
 
الخارقة ما زالت تلعب دورا حيويا في حياتنا الحاضرة، حيث أصبحت الميتافيزيقا المجال الواسع للتطلع الإنساني حول الأشياء التي يعتقد بوجودها خلف أسوار وجودنا اليومي في رحلتنا من الميلاد إلى الممات. إذ لا تدركها أي من الحواس.
* من الوثني إلى الإيماني:
 التشدد الكهنوتي وما صاحبه من طابع السرية الثيوقراطية أدى إلى ابتكار صيغ رمزية غامضة…
عند ظهور الإيمان المسيحي تم ترجمة العناصر والرموز الوثنية إلى الموضوع الديني، و بدأ الرسامين يكتبون عبارات دالة على الموضوع. وأضافوا الهالات فوق رؤوس الشخوص المقدسة. ولكن سرعان ما تخلصوا من رواسب الفن الإغريقي والروماني، وتحولوا إلى فن تصويري، أما مجتمعات القرون الوسطي التي شاعت فيها الأمية، فكانت الصور المرسومة والمنحوتات والملفات الكنسية المصورة والأيقونات هي الوسيلة البديلة للتعرف على قيم الدين، لأنها تترجم النص الديني بحذافيره. من خلال المبالغات في النسب وتحديد المقامات ورموز القداسة، وأمثلة رمزية عن الثواب والعقاب وال

معجزات.
* الغيبيات في إطار القداسة:

أدى التشدد الكهنوتي وما صاحبه من طابع السرية الثيوقراطية إلى ابتكار صيغ رمزية غامضة، تكاد تستعصي على الاستجلاء، تضمنت رموزا تصويرية لها دلالاتها الروحية والسحرية، ورموز وأرقام وحروف طقسية وظهرت عناصر خرافية من المسوخ والشياطين، ورموز تقييد القوة والطاقة.

* زواج الديني بالأسطوري:
في بدايات عصر النهضة أصبحت الموضوعات والرموز الأسطورية مضفورة مع الموضوع الديني المقدس، واستمرار النزعة العلاماتية في ترجمة التصورات الرمزية بصورة توضيحية، كما في لوحة البشارة مع القديس ايميديوس للفنان “كارلو كريفيلي” عام 1486 التي تتضمن ضوءً رمزيا وزخرفيا، ينبثق من ثقب في السماء، ويخترق الكتلة المعمارية ليصوب على رأس السيدة العذراء، فضلا عن نزعة كولاجية تتمثل في توزيع العناصر البشرية في مسرح اللوحة، وفي الطابع المعماري، توزيع حكائي وصفي ورمزي، حيث تحمل السيدة المرافقة للملاك نموذج لمدينة صغيرة ترمز إلى القدس، فضلا عن رموز الطاووس والسجادة والتفاحة والتمرة. والملاك. تحت تأثير ازدهار حضارة العرب في الأندلس، لجأ الأوروبيين في بناء نهضتهم إلى التقدم العلمي والثقافي في الشئون الحياتية والفنون الحرفية، ولكنهم تجنبوا التعامل مع الفنون التصويرية العربية التي كانت علاماتية بامتياز. وإنما
تطلع المصورين والنحاتين آنذاك إلى بعث النموذج الكلاسيكي الإغريقي الروماني، فعاودوا تقاليد حضارة الصورة دون العلامة كبديل نهضي، ومع هذا التحول عادت الرموز والموضوعات الأسطورية متداخلة مع المجازات التبشيرية الدينية. تزامن هذا التحول مع اكتشاف التلوين بالألوان الزيتية، والتي مكنت من صناعة الوهم البصري بالحقائق المرئيةُ لتصبح اللوحة كنافذة مُعجزة تطل على عوالم ذات قوة إقناع كبيرة. ومعها توصلوا إلى دراسات عميقة بالنسب والتشريح، وابتكروا طُرق الظل والنور التي تؤكد على هذا الواقع بينما تراجع استخدام الملامح الأيقونية كتذهيب الخلفيات والزخارف والكتابات الشارحة.
 
* رموز البشارة والغواية:
بالإضافة إلى الإشارة السابقة لعمل الفنان “كارلو كريفيلللي“- “البشارة مع القديس أميديوس”، فإن الفن الأوروبي قد شهد مبالغات لتفسير الأحكام والحدود الغامضة التي استنبطوها من بين النصوص المقدسة، ففتحت أمام الخيال مضمارا للتحليق والمبالغة لتصورات نعيم الجنة وجحيم النار، وشراك الخطيئة الجنة للصالحين وانزواء الزهاد، لتقوية الحجج الوعظية، فتولدت الصور المُخَلفة من خيال يتراوح بين الكوابيس المرعبة، والمسوخ الشوهاء وألوان التنكيل والتشفي في الخُطاه. كما في لوحة “هيرونيموس بوش”
يمثل الهولندي “” حضور الخيميائية الجديدة في الفن الحديث
* لغة العلامة محل لغة الصورة:
اقتضي التحول الفني الأوروبي في القرون الوسطي على النحو الذي سبقت الإشارة إليه، الخروج عن ثقافة الصورة التي تأسست في الفنون الكلاسيكية الإغريقية والرومانية، والتي كانت تعتمد على رسم المرئيات والشخوص بصورتها المثالية، والدخول في ثقافة العلامة البصرية، من ناحية كنزعة لتطهير الرواسب الإغريقية والرومانية- الوثنية- ومن ناحية أخرى للتعبير عن البعد الروحاني القدسي، واستلهام العبرة الدينية، والتعبير عن الموقع المتواضع للإنسان في الكون، والكنايات المجازية في تصوير معجزات الطبيعة المقرونة بسيرة السيد المسيح، فأصبح الفن القوطي فن علاماتي بامتياز يصور مثاليات عقلية اصطلاحية، حيث يصور الفنان ما يعرفه وليس ما يراه.
تجمدت الفنون حينئذ ولقرون طويلة عند الموضوعات الدينية المختارة، تتكرر وتستنسخ مع تغييرات محددة تتعلق بالمساحة، وخامة التعبير التي تراوحت بين “الفرسكو والتمبرا والموزابيك”. وأصبحت خلفيات اللوحات مذهبة في الأغلب وعليها رموز وكتابات، بينما أصبحت الشخوص وبقية العناصر اصطلاحية ثنائية الأبعاد، أو موحية بالبروزات الضحلة. في هذه الفترة انتشرت العلوم المتداخلة بالعقيدة الدينية والرواسب الأسطورية “الخيمياء” ، التي تُؤوَل حقائقها وتفَسر وفق قوى غيبية، وعلاقات وأرقام وعناصر لها ارتباطات بعلوم الحضارات القديمة، وتصورات إيمائية وأخرى سحرية ترنو إلى تحويل الخسيس إلى نفيس والزائل إلى خالد. من خلال السعي إلى اكتشاف حجر الفلاسفة.
 
* بين العلم والميتافيزيقا:
في حين يستغرق العالم في بحوثه التجريبية واستنباطاته واستقراءاته المنطقية، فإن الفنان يُحلق في الخيال الأسطوري، ذلك أن حاجاته الداخلية أقوى من أن يشبعها في الحياة الواقعية، وقد رأى سيجوند فرويد، أن الرسوم تمثل خريطة مجريات التفاعل العقلي القلق، خاصة في حالة تفعيل اللاوعي المتدفق، حيث تتجلى الرموز البدائية والكوابيس الذاتية المدفونة في الأعماق.
 
 
 
 

%d مدونون معجبون بهذه: