هل يدفع محمد محفوظ الانصارى ثمن مقال الأب محفوظ الانصارى :لقد أطاحت الثورة بمن تسببوا وساهموا. وصنعوا قرار خروجي…جمال مبارك طلب مني ألا أنقل ما يقوله الرئيس
هل أصبحت مصر. دولة يحكمها "الأشباح"؟.. "شبح" لديه الشرعية. بينما لا يملك من أمور نفسه والدولة شيئاً.
فلا قواعد. ولا معايير.. وكل من لفظته مهنته أو وظيفته. بحكم “السن” أو غيره.. يمكن أن يصبح كاتباً.. مفكراً.. معلقاً.. كل من يسعي إلي الظهور والشهرة. فالطريق مفتوح وسهل.. وهو الإعلام.
ليس مهماً عندها أن تكون خلفيتك مؤهلة. لما أنت مقدم عليه.. فلا مانع أن تكون تاجر حديد.. أو سيراميك. أو سمساراً.. ولا مانع أن تكون طبيباً أو مهندساً. أو مدرساً. أو مقاولاً أو غير ذلك.
النتيجة.. أن عدد الكتاب والمعلقين. أصبح أكثر من عدد القراء والمشاهدين. في الكثير من الحالات.
هذه الظاهرة الجديدة والمرعبة أفزعتني. بقدر ما سهلت العودة فلا قواعد. ولا معايير.
فالهجوم علي منابر الرأي والفكر كاسح.. من داخل المؤسسات الإعلامية.. كما هو من خارجها.
المهم في النهاية أن حصار سعد هجرس. ومحمود نافع قد نجح.. وها أنا أعود وأكتب.. أو أحاول.
وعلي وجه اليقين. لم يكن لمسعي الصديقين محمود. وسعد. أن ينجح. دون قيام الثورة النبيلة والفريدة. وما خلفته من أمل.
لقد أطاحت الثورة بمن تسببوا وساهموا. وصنعوا قرار خروجي من المهنة في إطار إشاعة الفوضي العامة.. وفي كل موقع وأنا هنا. لا أحاول أن أسرد “سيرة ذاتية”.. أو أحكي قصة تجربة شخصية.
إنما أحاول أن ألقي بعض الضوء. علي جوانب من الثورة وتأثيراتها الإيجابية من خلال التجربة الشخصية التي خضتها.. “بطلا التجربة” الآن في سجن طرة.
* أحدهما ابن لرئيس سابق..
* والثاني رئيس سابق لمجلس شبه نيابي..
التهم الموجهة لكل منهما عديدة.. متنوعة.. مشينة.. لم تترك إثماً إلا واقترفته.
وظني أن بطلي قصتنا هما أكبر المساهمين في انهيار النظام السابق وسقوطه. ليس فقط بسبب فسادهما.. ولكن المؤكد أن الغباء والجهل مغلفان بالغرور قد أكملا المنظومة.. بعد أن غيبا بالكامل “رأس الدولة”.
ونعود لبداية القصة.. أو بالأحري.. نهايتها.
دق جرس التليفون في ساعة مبكرة من الصباح.. رفعت السماعة.. وجاء صوت الجانب الآخر:
- صباح الخير.. أنا جمال مبارك.. ما هذا الذي كتبته في الأهرام.. وما هذه “المانشيتات التي تغطي الصفحة الأولي.. وجميعها خاطئ وكاذب”.
- قلت.. أنا لا أكتب في الأهرام.. ونشرة الوكالة التي أتولي رئاستها. نشرة داخلية. للمشتركين. وليس بها مانشيتات ولا عناوين مثيرة.. أو غير مثيرة.
- قال: كيف هذا.. رئيس الأهرام قال لي الآن وفوراً إن ما هو مكتوب في الأهرام. هو كلامك أنت ومصدره الوكالة.
- قلت: ربما تقصد اللقاء والحديث الذي جري بين الرئيس. وبين رؤساء التحرير. منذ عدة أيام بالطائرة الرئاسية.
- المهم.. بغضب شديد قال: كيف تسمح لنفسك أن تكتب وتؤكد أن الدستور لن يعدل.. وأن المنادين والمتحدثين عن التعديل أبواق تردد كلمات حق يراد بها باطل. وكان هذا المقطع الأخير. أحد العناوين التي اختارها الأهرام للمانشيت.
- قلت: لست أنا ولا الزملاء من أثار وتحدث عن الدستور وتعديله. أو عدم تعديله.
- قال: طيب.. خلاص. صدقنا أن هذا ما قاله الرئيس.. أنت تنشره. وتذيعه. ليه؟ خاصة أنه خطأ. وغير صحيح. وستتغير بعض بنود الدستور بأسرع ما يمكن.
- قلت: كيف لنا أن نعرف أن ما يقوله الرئيس صحيح أم غير صحيح.. وهل يجوز لرؤساء التحرير أو غيرهم أن يكونوا رقباء علي رئيس الدولة.. وعلي أي حال إذا كانت هناك أمور محل خلاف بين قيادات الدولة فمن الأفضل أن تضعوا الصحافة في الصورة.. علي الأقل تلميحاً لا تصريحاً.. لنتجنب سوء الفهم. والوقوع في الخطأ.
- فجاء رده كالمدفع:
- وعلي فكرة أضاف أسمع أنت وزملاءك. الجلسات المطولة والمفتوحة التي كان يعقدها الرئيس معكم. انتهت ولن تتكرر. أيضاً الأحاديث التليفونية التي لا ضوابط لها. وتخوض في كل شيء. ستتوقف. ولن يسمح بها بعد الآن.
وسط هذا الجو الفاسد.. جري تحالف مشبوه بين الداخل والخارج..
وكل له برنامجه. وأجندته.. وكل منهما في حاجة إلي مساندة الآخر.
من هنا شاهدنا وعشنا. حالة التفكيك. والإشغال والإلهاء. التي تم دفع مصر إليها.. بشكل متصل. خلال العقد الأخير. علي الأقل.. أو منذ ظهر “الوريث” علي السطح.. وتعددت خطط التفكيك وتنوعت.. واتسعت لتغطي كل قطاع.. ولم ينج منها نشاط.. صناعي أو زراعي. أو خدمي.. وانتشرت “كتائب التخريب” والنهب في طول البلاد وعرضها هذا “المشروع” الكبير.. لابد له من “كتائب إعلامية محاربة”.. كتائب تُؤمر. فتطيع.. تنفذ الأوامر والتعليمات دون نقاش أو مراجعة.. خاصة أنها في الأصل لا تدعي المعرفة.. ولا ترغب فيها.. ومن هنا كان الاختيار. من هنا كان “القرار” تغيير رؤساء المؤسسات الصحفية القدامي.. جميعاً.. وبلا استثناء أو تمييز. وقتها لم يكن مهماً. البحث عن البدلاء. وكفاءاتهم وقدراتهم.. إنما المهم هو إبعاد هؤلاء الذين ربطتهم بالدولة وأجهزتها. وقياداتها. وحتي مشروعاتها. علاقات تعاطف. ومحبة وقربي.. بصرف النظر عن العديد من التجاوزات.. أما الوافدون الجدد فترويضهم سهل.. علي هذه الأسس. واستناداً إلي هذه الخلفية.. بدأت عملية التنفيذ.. التي تولاها ثلاثة.- صفوت.. جمال.. وزكريا..
شارك صفوت في هذه الاتصالات أيضاً. ليؤكد أنه الرجل المسئول عن الإعلام. كرئيس للمجلس الأعلي للصحافة.. وليقول للجميع إنه شريك أساسي في اللعبة.. وإن الدفع بزكريا لإجراء الاتصالات مع رؤساء المؤسسات. إنما ليترك انطباعاً لدي الجميع. أن القرارات القادمة. قرارات رئاسية. تعكس إرادة “الرجل الكبير”. وتمثل اختياره الشخصي.
وقتها.. امتلأت سماء الإعلام بأخبار التغييرات. ونشطت الشائعات في ترويج أسماء المرشحين الجدد.. لكن فيما يخص وكالة الأنباء ورئيسها.. لم يتصل أحد.. ولم تروج أو تتردد أسماء.
وفجأة تحدث إليَّ اثنان من سكرتارية الرئيس..
- الأول نقل إليَّ رسالة تقول: “تعلم أن هناك حركة تغيير شاملة في المؤسسات الصحفية جميعاً.. إلا أن الرئيس قد استثني من هذه التغييرات. الوكالة فستظل كما أنت.. لكن لا تتحدث إلي أحد في هذا الموضوع.
- بعد أسبوعين أو أكثر قليلاً.. اتصل بي سكرتير آخر للرئيس.. يسأل باسم الرئيس عن موضوع تتناقله الأنباء ويريد تفاصيل أكثر عنه.. كما يطلب الاهتمام بهذا الموضوع من ناحية التغطية الصحفية لأنه يهم مصر.. ثم أضاف: “الرئيس يقول لك. مؤكداً مرة أخري. أن جميع زملائك من رؤساء المؤسسات الصحفية سيجري تغييرهم.. وأنت باق”.
- ويسأل “هل اتصل بك زكريا عزمي”
- قلت لا.. ولماذا؟
- قال: ألم ينقل لك أنباء التغيير؟!
- قلت: أظنك ستنقلها لي الآن.
- قال: علي كل حال “ابتداء من صباح الاثنين بعد غد لا تذهب إلي الوكالة. فقد تم تعيين رئيس جديد”..
- وأضاف: علي كل حال أنت كاتب متميز. ويمكنني أن أجعلك تكتب في المكان الذي تحب..
- قلت “لقد أغلقت “دكَُان” الصحافة من هذه اللحظة. ولن أعود إليها.. أما عن الكتابة وأين أكتب فهذا قراري واختياري وليس لأحد أن يقرر أو يختار لي.
وطلب إلي رئيس الوكالة الجديد أن يرفع دعوي قضائية.
وذهب الشريف.. أبعد من هذا.. نقل إلي رئيس الدولة أنني أتحداه.. وأنني أرفض قراراته.
وطلبني في التليفون أحد أهم مساعدي الرئيس.. ودعاني لفنجان قهوة بمكتبه.. وهو رجل كريم وفاضل. تربطني به صداقة.. أو كانت.
- وذهبت حسب الموعد.. وإذا به يبدأ حديثه مستفسراً ومستنكراً تصرفي المتحدي لقرارات الرئيس.
- سألته: هل هذا كلام جاد.. هل من نقل هذا للرئاسة ولكم يمكن أن يؤتمن علي شيء؟!.
- وأضفت: يا سيدي. لم يعقد المجلس الأعلي للصحافة حتي هذه اللحظة. إلا جلسة افتتاحية واحدة لم أحضرها.. وغيري كثيرون لم يحضروا ولكل أسبابه وأنا منهم.. هي جلسة “حلف اليمين”.
- قال: الحقيقة أن الرئيس هو الذي كلفني بدعوتك والحديث معك.. لأنه طلب التحقيق في كل ما تتحدث عنه واكتشف أنه كاذب ومختلق.. ونحن تحت أمرك.. والرئيس يريدك أن تعود لكتاباتك المتميزة.. ولك أن تختار بنفسك و حسب هواك المكان الذي تريد أن تكتب فيه.. الأهرام.. الأخبار.. أو “الجمهورية”.. وأظن أنهم قد اتصلوا بك.
- قلت: صحيح.. لقد اتصل بي وعدة مرات خلال الأيام القليلة الماضية رؤساء تحرير الصحف الثلاث.. ملحين في طلب الكتابة عندهم..
- قال: أين وقع اختيارك إذن؟.
- قلت: لقد قررت الابتعاد عن الصحافة تماماً ولن أعود.
- قال: هذا ما لا يمكن أن أنقله للرئيس.
- قلت: وهذا موقفي النهائي.
- ويبقي السؤال: إذا كان الوضع كذلك.. والمعاملة كما وصفت.. فلماذا التمسك بك والحرص عليك.. وحسن معاملتك..؟
- الإجابة في رأيي بسيطة.. هل هو الجبن والخوف من مواجهة الواقع.. أم أن كل نظام في حاجة إلي قطعة “ديكور” أو أكثر.. هذا الاهتمام بقطع الديكور يصنع الكثير.. يصرف النظر عن العديد من العورات والخطايا.
- ثالثاً.. طالما كانت فوائد وجوده أكثر من ضررها. فلا مانع من الاستمرار.
- رابعاً.. وهو الأهم.. ظلت هناك رغبة. أو أمل وحتي النهاية أن أصبح من حملة المشاعل وخدم السلطان الراحل والقادم المهم.. وعند هذا الحد.. نتوقف اليوم.. ونقول:
