عبد الله السناوي يكتب : صفقة القرن المعدلة
المشروع بمنطقه وأهدافه يسحب عن العالم العربى ما تبقى له من احترام لنفسه وأمنه وقضاياه.
رغم القوة المفرطة والضغوط فى الكواليس لم تمر «صفقة القرن» ولا أضفيت عليها أية شرعية سياسية وأخلاقية.
إذا ما حلت السلطة الفلسطينية نفسها فإن الأمور سوف تزداد تعقيدا.
بصياغة أخرى فإنه سوف يعاد تعريف القضية الفلسطينية على نحو صحيح: سلطة احتلال وشعب يقاوم بدلا عن أوضاع ملتبسة تزعم انتسابها للسلام دون أن يكون هناك سلاما.
هذا هو الرد التاريخى المعطل على صفقة القرن بمنطقها وإجراءاتها واستهتارها بالقانون الدولى.
مشكلة الدولة العبرية التى لا سبيل لنفيها بأية حسابات مستقبلية أن الكتلة السكانية الفلسطينية فى الضفة الغربية وغزة وأراضى (1948) مرشحة للتزايد.
بصياغة أخرى إسرائيل دولة بلا مستقبل.
الوجه المكمل لـ«صفقة القرن» هو البحث عن وطن بديل للفلسطينيين للتخلص من ذلك الصداع الديموجرافى.
جرت تسريبات مقصودة فى الصحافة الإسرائيلية تحدثت عن وطن بديل فى شمال سيناء يضم مناطق فيها إلى ما اسميت «غزة الكبرى» مع تبادل أراض بين إسرائيل ومصر.
وجرت تسريبات أخرى عن مشروعات فى سيناء لتشغيل أهالى غزة وإنشاء ميناء بحرى تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية يسمح بحرية تنقلهم وتخفيف الحصار عليهم.
لم يكن ممكنا أن تمر مثل هذه السيناريوهات فى بلد حارب وبذل تضحيات هائلة لتحرير سيناء وتأكيد مصريتها.
بذات القدر يصعب أن يمر سيناريو «الوطن البديل» فى الأردن، فهو غير قابل للبحث والنقاش ـ حسب التأكيدات الرسمية والشعبية المتواترة.
من المقترحات المسربة بناء كونفدرالية تضم الأردن والكيان الفلسطينى الذى تنزع عنه القدس والكتل الاستيطانية.
بمقتضى ذلك الاقتراح تنقل مسئولية أمن الضفة إلى الأردن.
فى نفس الوقت تنقل مسئولية أمن غزة إلى مصر ـ كأن البلدين العربيين مكلفين بالوكالة حفظ أمن إسرائيل!
العودة إلى مقترحات الوطن البديل تعبير صريح عن عمق المعضلة الديموجرافية وكابوسيتها المستقبلية.
ربما لهذا السبب، بالإضافة إلى الرفض الفلسطينى الكامل لـ«صفقة القرن»، أعلن «ترامب» ترحيبه بـ«حل الدولتين»، الذى دأب على رفضه، دون أى إشارة للمرجعيات الدولية، كما رحب بحل الدولة الواحدة، الذى استهجنه فى وقت سابق قائلا إنه قد يفضى إلى تولى مسلم اسمه «محمد» رئاسة وزراء إسرائيل.
ارتباك المفاهيم والتصورات أصاب «صفقة القرن» بـ«الشلل الرباعى»، لكنه لم يمس النظرة الصهيونية المتشددة لإسرائيل وحدودها وأمنها، بل إن العكس هو الصحيح بالنظر إلى حزمة المساعدات العسكرية الأمريكية المقررة التى تبلغ (38) مليار دولار فى العشر سنوات المقبلة.
فى ارتباك المفاهيم والتصورات وغياب أية مرجعيات دولية بدت الأفكار الأمريكية أقرب إلى مشروعات استثمارية لا تسويات سياسية، تهديدات وضغوط لحل أزمة إسرائيل بلا مسوغ يحفظ ماء وجه النظم العربية.
الأخطر أن مشروع «ترامب» لبناء تحالف استراتيجى عربى على صلة صداقة مع إسرائيل يؤسس لاستنزاف دول عربية نفطية باسم حمايتها وتفاقم الأزمات الإقليمية دون أمل فى تجاوزها بأى مدى منظور.
المشروع بمنطقه وأهدافه يسحب عن العالم العربى ما تبقى له من احترام لنفسه وأمنه وقضاياه. 