د. سامي عمارة يكتب : لافروف .. الدبلوماسي متعدد المواهب .. العاشق للنكتة والدعابة

0 25

“بورتريه” بمناسبة بلوغه السبعين من العمر .. تحية إجلال وتقدير

موسكو – د. سامي عمارة

سيرجي لافروف … عميد الدبلوماسية العالمية، والأقدم في هذا المنصب في بلاده منذ رحيل أندريه جروميكو الذي طالما عرفه العالم تحت اسم “مستر نيت” او “السيد لا” ، في اشارة إلى مقارعته المستمرة لنظرائه الغربيين ورفضه الدائم لأي مما يقدمونه من مشروعات قرارات كان يجد فيها تطاولا على مكانة وحقوق بلاده وحلفائها في الساحة الدولية .

سيرجي لافروف السياسي و الدبلوماسي ورجل الدولة صاحب “الشخصية الطاغية” بلغ السبعين من العمر في الحادي والعشرين من مارس الجاري. ولد عن أب أرميني الاصل في جورجيا التى استوطنها ردحا من الزمن امتد حتى آخر سنوات دراسته المتوسطة، وعن أم روسية ثمة من يقول انها ذات أصول شرقية، عملت لسنوات طويلة في وزارة العلاقات الاقتصادية الخارجية.
سيرجى لافروف روسي القومية، موسوعي الثقافة، محب للحياة في أبهى صورها .. فهو الشاعر، وهاوي العزف على الجيتار، والرياضي المولع بكرة القدم، والمشجع الغيور لنادي “سبارتاك” موسكو، أحد أهم وأشهر نوادى كرة القدم في روسيا اليوم، الى جانب عشقه لمغامرات رياضة “الرافتنج” – القوارب المطاطية المخصصة لارتياد الانهار التي تنساب مياهها وسط الجبال هادرة جارفة سريعة، ما يتطلب سرعة اليقظة والقدرة على التحكم وتحمل اخطار كل الاحتمالات، وهو ما قد يكون تفسيرا لقدراته الخارقة على تجاوز أكثر المواقف الدبلوماسية حرجا وتوترا والتي طالما صادفها خلال مسيرته الدبلوماسية الطويلة، منذ ولج دروب السياسة بعد تخرجه من معهد العلاقات الدولية في عام 1972، انطلاقا من سفارة بلاده في جزيرة سريلانكا، بحكم تخصصه في شئون الشرق، وتعلمه اللغة السنهالية الى جانب الانجليزية والفرنسية. ولم يمض من الزمن الكثير حتى أعلن لافروف عن نبوغ مبكر، سرعان ما قاده الى المكان الذي يتناسب مع قدراته وميوله بين أروقة الدبلوماسية العالمية ومنظماتها الدولية. ولذا لم يكن غريبا ان يتدرج سريعا بين ادارات وزارة الخارجية السوفيتية وفي بعثة بلاده في الامم المتحدة التي عمل بها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وحتى تقلد رئاسة ادارة المنظمات الدولية، ومنها الى مقعد المندوب الدائم لبلاده في الامم المتحدة وممثلها في مجلس الامن الدولي الذي استمر فيه من عام 1994 وحتى استقر خيار بوتين عليه كوزير للخارجية الروسية في عام 2004.

بالفيديو: لافروف يتعثّر... ويقول "ليس على الجبهة الدبلوماسية ...


وعلى الرغم من ان لافروف ، يبدو غالبا جاد الملامح عبوسا متجهما ، شديد التمرس في الدفاع عن مواقفه والتي يمضي معها في مقارعة الخصوم الى أبعد مدي حتى وان كلفه ذلك احيانا “أعباء وتبعات” الخروج عن المألوف، فانه وفي حقيقة الامر شاعر غنائي مرهف الحس، محب للنكتة والدعابة، وخير الجليس والرفيق. على ان ذلك كله لا يحول دون ما نعرفه ويعرفه الكثيرون عنه، من جنوح نحو استخدام أكثر الالفاظ حدة بما في ذلك “البعيدة” عن العرف الدبلوماسي، وما قد يندرج تحت بند ” الخارج عن القانون”، مثلما حدث في سجاله مع نظيره البريطاني الاسبق ديفيد ميليباند لدى مقارعته حجج أحقية بلاده في اتخاذ ما اقرته من مواقف وسياسات ردا على غزو جورجيا لاوسيتيا الجنوبية في اغسطس عام 2008، وكذلك في أعقاب لقاء الرئيسين بوتين وترامب في هامبورج، وقبل ذلك في معرض لقائه مع نظيره الامريكي السابق ركس تيلرسون، وفي ختام مؤتمر وزراء خارجية بلدان منظمة الامن والتعاون الاوروبي، وقبل ذلك في مؤتمر صحفي مشترك مع أحد وزارء الخارجية العرب في موسكو، حين نعت الصحفيين بأقذع الصفات، دون ان يرف له جفن او يخشى لومة لائم!.
ومع ذلك يظل لافروف هو نفسه الضحوك، المولع بتبادل النكات، واللجوء اليها في حال تطلبت المواقف والازمات الدبلوماسية ذلك، للخروج من المواقف الحرجة، او لتهيئة الاجواء لطرح ما يراه من رؤى وآراء. أما عن هذه المواقف والرؤى فهي في حياة سيرجي لافروف كثيرة تتعدى حدود نشاطه المهني اليومي، ومنها ما ارتبط بدفاعه المستميت عن حقه في التدخين.

سيرغي لافروف - CNN Arabic


ونذكر بهذا الصدد بعض مواقف وتعليقات شاءت الاقدار ان نستمع اليها منه شخصيا خلال أحد احتفالات وزارة الخارجية الروسية برأس العام الجديد التي عادة ما يدعو اليها بعض الصحفيين الاجانب. نذكر اننا سألناه عن نوادره مع التدخين الذي يعتبر لافروف أحد أكبر مدمنيه. قال الوزير لافروف أنه لا يدخن في الكرملين خلال اجتماعاته مع الرئيس بوتين، لكنه يذكر موقفا صادفه إبان عمله مندوبا دائما لروسيا في الامم المتحدة. تذكر يوم أراد التعبير عن احتجاجه على قرار اتخذه كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة حول حظر التدخين داخل المقر. قال انه اضطر الى الصعود الى مكتب عنان، حيث أشعل سيجارته دون ان يلقي بالا الى احتجاجات كوفي عنان، التي رد عليها بقوله “انه اي عنان، لم يتدارس “قرار الحظر” مع الأعضاء الدائمين في الامم المتحدة، وان المبنى ملك لاعضائه، وأن وظيفته تقتصر على الادارة المؤقتة”. قالها لافروف ضاحكا لينتهي الموقف عند هذا الحد، ودون تبعات تذكر. ويذكرون عنه ايضا ان الوزيرتين السابقتين للخارجية الامريكية هيلارى كلينتون وكونداليزا رايس لم تنجوا من لسانه اللاذع، حيث قيل انه طالما وصف الوزيرة هيلارى كلينتون بالمجنونة، او حسب الترجمة الاكثر دقة “الهستيرية”، وهو الوصف الذي كان أطلقه على سابقتها رايس.
ونعود لنقول أن الرئيس بوتين وجد في مثل هذه الشخصية البالغة الثراء، “ضالته”، ليختطفه من موقعه كمندوب دائم لبلاده في الامم المتحدة لما يزيد عن العشر سنوات، وليوكل اليه في عام 2004 رئاسة إحدى أهم وأخطر المؤسسات الدبلوماسية الروسية والعالمية – وزارة الخارجية الروسية، التي يتربع على قمتها مع خمسة من رؤساء الحكومات الروسية المتعاقبة، منذ ذلك الحين وحتى اليوم.
وعلى الرغم من ان الرئيس بوتين وبموجب نص دستور روسيا الاتحادية يظل صاحب اليد العليا في رسم استراتيجية السياسة الخارجية الروسية، فان دور لافروف في تنفيذ الاسس العامة لهذه السياسة وتوفير التغطية الدبلوماسية لأي قرار تتخذه القيادة السياسية يبدو واضحا للعيان، وهو ما يجسده من خلال قدراته المهنية وحسن إدارته للازمات، ونشاطه وإتساع شبكة اتصالاته مع نظرائه في الخارج، وإن يواجه اليوم الكثير من المصاعب بسبب تعثر الاوضاع الناجمة عن اشتعال الازمة الاوكرانية وما أعقبها من تداعيات ومنها “ضم” شبه جزيرة القرم”، وإحتدام الازمة السورية التي دخلت مؤخرا أحد أخطر إنعطافاتها الدموية، فضلا عن اضطراره إلى مواجهة العقوبات التي ادرجت الادارة الامريكية اسمه ضمن آخر قوائمها التي تحمل اسم “قائمة الكرملين” وتضم عددا من أبرز رجالات الدولة والحكومة.

%d مدونون معجبون بهذه: