على حليمة يكتب ل مصر المحروسه . نت”: إدارة عموم اللئام “

0 139

             

لا أدرى أى فكرة أخذها رؤسائي عني ، فطيلة سنوات كنت أعمل في صمت ، حتي قيل عني ، أني مثل النسمة أمرُ خفيفاً لطيفاً .. وطالما أنا مثل النسمة ، فلا أحد يبالى بى ، فهم لا يبالون إلا بهؤلاء الذين يشبهون الرياح والأعاصير ، والزوابع المحملة بالرمال ، ولم أكن أنا واحداً من هؤلاء .. آثرت أن أؤدى عملى فى حدود الواجب ، وأحسن معامله رئيسى المباشر ، كما أحسن الاستماع إلى ما يقوله ، ونادراً ما أعلق .. كما أنى أشارك مرؤسى فى كل ما يتعلق بالعمل ، خاصة عند قيامنا بعمل الجرد السنوي الشاق .. كما أشاركهم في القيام بالواجبات الاجتماعية .. ولا أتخلف عن حضور أي مناسبة لهم ، ودائماً يرونني عاكفاً على ما بين يدى من مهام أنجزها بكل الدقة ، والإخلاص ، وقد كان هذا هو السبب الرئيسي ــ والغير معلن ــ في عدم ترقيتي إلي وظيفة رئيس مركز بدائرة محافظتنا ، والتي أستحقها عن جدارة .. ناهيك عن أسباب تتعلق بقيام لجان الاختيار بمجاملة طابور طويل من ضباط شرطة ، وضباط جيش ، أنهوا خدمتهم العسكرية ، ويسعون بهمة لخطف هذه الوظيفة المرموقة من فم أمثالنا .. إلا أن الطامة الكبري التي سدت علي الطريق إلي هذه الوظيفة المرموقة بالنسبة لي ، وقضت علي أملى تماما ، فقد جاءت علي يد مستشار بالقضاء .. وكنت في المرة الأخيرة المرشح الوحيد لها إلي أن تم غلق باب الترشيح فدبت في الروح .. واشتعل أملي .. وكنت أتيه زهواً عندما أسمع من مرؤسي ترانيم التهنئة المسبقة .. إلى أن فوجئت بإعادة فتح باب الترشيح ــ مرة أخري ــ ليتقدم للوظيفة هذا المستشار ، ويقتنصها

Image result for فنون تشكيليه"

مني .. كنت أضرب أخماسا فى أسداس ، وأعجب منه ، وأتساءل ــ بيني وبين نفسي ــ وأنا أتقلى غيظاً وحقداً .. كيف لمثله أن يترك ساحة القضاء بما لها من هيبة واحترام ، ويأتي لينافسني .. ولم أجد لذلك سبباً علمياً سوى أمرين .. إما أنه قد أحيل إلى التقاعد بسبب واقعة فساد ، أمسكها عليه التفتيش القضائى ، من ثم فهو لا يجوز ترشيحه قانونا .. وإما أنه يطمح للصعود في مدارج السلطة السياسية ، بدلا من السلطة القضائية .. من محافظ إلي وزير .. ثم رئيسا للوزارة فيما بعد لكنى لتواضعى ، ومحدودية علاقاتى ، لا أستطيع أن أقف على مثل هذه الأسرار .. وقد جاء موقفى المقاطع للترشيح ــ فيما بعد ــ على حساب اضطراب نفسي ، وإصابتى بمرض اكتئاب مزمن .. وقلة النوم .. ذلك بعدما تبين لى أن موقفى المقاطع لا يخصنى وحدى .. بل إنه يخص أولادى من بعدى .. وأنى بهذا المنطق أكون قد أسرعت بقطع الطريق على نفسى وعليهم ، فوظيفة رئيس مركز بالنسبة لى قد تفيد أبنائى عند التقدم لإحدى الكليات العسكرية ، أو وظيفة قضائية كنت أحلم بها لأى منهم .

   *        *      *

Image result for فنون تشكيليه"

في إحدى الليالي .. بصعوبة ومعاناة .. غشيني نوم مضطرب .. بعد الذي حدث .. وقد رأيت فيما يري النائم أن رئيسى الأعلى فى محافظة الإقليم ، قد أرسل فى طلبى .. دق قلبى ، لا من الخوف ، كما قد يتبادر إلي الذهن ولكنه دق تحسباً لأى مهمة ثقيلة قد تلقي علي ، وقد يتبادر إلي الذهن ــ مرة  أخري ــ أني غير قادر علي القيام بأعباء أى مهمة في حدود خبرتي ، ولكن كان توجسي أن أضطر اضطراراً ، بحكم المهمة التي سأكلف بها أن أتعامل مع نمط مغاير من الموظفين ، قد يكونون أقل مراعاةً لطبيعتي ، أو أقل احتراماً لمهام العمل ، أو ذوي ميول لاستغلال أعمالهم فى منافع خاصة ، أو حتي تراهم موزعي البال بين أعمالهم الوظيفية ، وأعمالهم التي يحترفونها خارج العمل مما يجعلهم يبذلون قصار جهدهم فى الانفلات من مكاتبهم قبل انتهاء الزمن المحدد ، ووضعت حداً لهذه الهواجس بالاستعداد للذهاب فى اليوم التالي للقاء رئيسي الأعلى فى محافظة الإقليم ، وذلك بتحضير خطة لتطوير العمل ، وضعتها علي الورق ، وناقشتها بيني وبين نفسي ، حتي أكون على أتم استعداد .

وفعلا في صبيحة اليوم التالي توجهت إلي رئاستي في ديوان المحافظة ، فإذا بالمدير يحيلني إلى الرئيس الأعلي للمصلحة .. هنا أخذ قلبي في الوجيب .. لابد أن هناك شيئا ما فهم خطأً ، أو حتي هناك جائزةً سنية ، أو شهادة سوف تمنح لي عرفانا منهم بمثابرتي وانتظامي وسط لفيف من العاملين الذين لا ضابط لهم ، ولا رابط .. وقد سألت نفسي ، لو كان الأمر أمر جائزة أو ما شابه .. لمَ يكون ذلك فى طى الكتمان ؟! .. إذ أن المعلوم أن أى شئ سار ــ مهما ضؤل ــ يسبقه الإعلان والتهويل وكأنهم يقولون : ” ها نحن لا ننسى المخلصين ، بل نحن نمنحهم شهادة تقدير منا ، وعليها توقيعنا الآمر ، وخاتمنا المهيب ذو الجناحين ، أو حتي أنظر إلينا .. كم نحن متواضعون إلى درجة أن نتذكر اسم واحد من موظفينا الذين لا يسمع أحد عنهم شيئاً ، ولكننا هنا نسمع ونري ” .. وكأن ما يمنحونه من تقدير ليس في الحقيقة إلا تقديراً ضمنياً لهم أنفسهم !! .. المهم .. طرقت باب المكتب ، وهو باب لامع من خشب ــ الماهوجني ــ ، بخلاف الباب الحديدى الأسود الذي يتصدر الصالة التي ترص فيها مكاتبنا ، طالعت في صدر المكان موظف مهيب الطلعة ، لا عن وسامة أو عظمة ، ولكن لأنه كان يحمل كل علامات الهيبة : نظارة راقية .. حله مهندمة .. رباط عنق ثمين .. تظهر من أكمام الجاكت أساور ناصعة البياض بأزرار ذهبية محلاة بفصين من الأحجار الكريمة ، لقميص رقيق النسيج ، ومنديل بلون رباط العنق في الجيب الأعلى للجاكت .. إجمالا كل ملامحه يشيع فيها استرخاء مبعثه سعة المكان ، وهواء التكييف المنعش ، في مثل ذلك القيظ والرطوبة الساخنة لشهر يوليو .. ابتسم لي ابتسامة وقورة ، وأشار لى بالجلوس بحركة رشيقة من راحة يده .. وما إن جلست ، حتى انطلق في الحديث بسهولة وخفة :

  • أنت ” صابر فهيم ” .. لقد أرسلت في طلبك بعد تحرٍ دقيق .. لن أتركك فى حيرة ، سأختصر .. أنت مطلوب للقيام بمهام وظيفتك في مكتب آخر .. مكتب جديد هو الأول من نوعه .. وهو الوحيد علي مستوي عموم الدولة .. ولحسن الحظ تم اختيارك مفوضا عنا ..

ولما أبديت مزيجاً من الدهشة وعدم الفهم ، لاحقني قائلا :

  • لا تندهش .. إن هذا المكتب له اسم معلن ، واسم سرى .

       قلت بانزعاج :

Image result for فنون تشكيليه"

ـــ    سرى ؟! ..ماذا تقصد سيادتك ؟! ..

ـــ    لا تنزعج .. إن هذا المكتب له بالتمام نفس المهام التي يقوم بها مكتبك .. إلا أن الاسم ــ الغير معلن ــ حسب اقتراح سيادة الوزير هو ” مكتب اللئام ” .

ـــ    وهل اللئام يا سيدى أصبحوا موضع اهتمام من الدولة !! ..

ـــ    لم العجب .. اكتشفنا في الوزارة أن هناك فئة من الموظفين يديرون العمل بطريقة اقل ما توصف به أنها طريقة مريبة ، وليس فى مقدورنا ــ فى الوقت الحالى ــ معرفة دوافعهم وخططهم ، وقد أزعجنا نحن أنفسنا فى الآونة الأخيرة ، أنها طريقة آخذة فى التسرب إلى مناحى العمل الأخرى .. ولأننا لا نجد توصيفاً مناسباً ، آثرنا أن نطلق عليها الطريقة اللئيمة مؤقتاً ، حتي يتم التعرف على هذه الظاهرة ، ودراستها ، وإيقافها عند حدها ، تمهيداً للقضاء عليها نهائياً كأسلوب فى إدارة قضايانا ، ومصالحنا .

        ألفت نظره بغرض الاطمئنان فقط :

  • لو سمحت سيادتك .. هل أنا ضالع فى مثل هذه الطريقة ؟! ..
Image result for فنون تشكيليه"
  • لا .. لست أنت الضالع لحسن الحظ .
  • إذا ما شأني ــ سيادتك ــ بمثل هذا المكتب ، طالما لا ذنب لي !! ..
  • لا .. أنت المطلوب تماماً فى هذه المهمة .. فإن اللئام لا يظهرون .. إلا من خلال أشخاص أسوياء ، فتصب عليهم وقائع اللؤم .. لأن خطورة هؤلاء يا سيد صابر أنهم لا يعرفون على حقيقتهم .. بل نحن أنفسنا لا نعرفهم .. إننا فى حاجة إلى أُناس ذوى شفافية أمثالك ، ومن خلالهم يمكن التعرف عليهم تماما ، مثلما لا يمكنك التعرف على ملامح وجهك إلا بالنظر فى مرآة .. وأنت يا سيد صابر هذه المرآة بالنسبة لنا .
  • أية مرآة يا سيادة الرئيس ، أرى أن سيادتك تحاول أن تستدرجني لأنكم تظنون بي الظنون .. على أى حال ليس لائقاً ، وأنا فى هذا السن أن تداعبونى مداعبة القط للفأر .. فأنا فى عملي ليس لى طرقاً ملتويةً .. أنا يا سيدى أترك الدهاليز المظلمة لأسير في الساحات المضيئة .
  • هون عليك فأنت لست موضع شك أو ريبة على الإطلاق .. بل أنت مطلوب للعمل فى هذا المكتب لقدرتك الفائقة علي التحمل فلا يبدو عليك أنك تفهم مراميهم ، وبدون لف أو دوران ، أنت تبدو ساذجاً ، ولا تعى شيئاً مما يدور حولك .
  • أنا يا سيدي .. لست كما ..

    قاطعني بحدة :

  • لا أقصد إهانتك يا سيد صابر ، ولكنك كما تعلم هناك كثير من الموظفين الشرفاء ، ولكن عيبهم الوحيد هو أنهم يباهون بكونهم شرفاء ، و كأن هذه ميزة خاصة ، أو وسام منح لهم عن استحقاق إذا لم يرهم الناس آثروا أن يلفتوا أنظارهم إليهم .. ها نحن شرفاء .. أنظروا لقد كشفنا فلانا وفلانا ، في المكتب الفلاني .. كشفنا أوراق بعضهم .. إنهم يا سيد صابر يفعلون ذلك سريعا قبل أن تنضج اللعبة .. وما النتيجة ؟! .. النتيجة أنهم يقطعون ثمار مباهاتهم بالشرف فاكهة فجة لم يكتمل نضجها ، فيفسد كل شئ .. أتعرف أن طريقتهم تعطى أكبر فرصة ذهبية للئام ، إذ هم يجرون صغار الشرفاء هؤلاء إلي ساحة ملعبهم في لؤم ، ويسودون أوراقهم ، ويطبخون لحومهم الفاسدة ، بعيداً عن الأنظار ، فلا يرى أحد منها شيئاً .
  • إذا أذنت لى سيدى .. ما هو عملى بالضبط ؟ .
  • آه .. أنت هنا جئت إلى النقطة الهامة .. إن الإدارة العامة للئام ــ هكذا اسمها السرى ــ إدارة معترف بها لكنها غالباً ما يجري العمل بها ، دون استطلاع الحقيقة .. من أين يأتى هذا .. وكيف يستطيع هؤلاء اللئام الاستمرار في وظائفهم ، والترقى فى مناصبهم ، والتكيف السريع بكافة التغيرات .. وأسمح لى أن أزعجك بعض الشئ بطرف من علم التاريخ الطبيعي الممزوج بالفلسفة ، مثلما نمزج البيض المسكوفي ببعض الملح والفلفل .. إن الكائنات المستمرة فى البقاء حتى الآن .. ليست بالضرورة هى أنبلها أو أعظمها .. ليس الفأر مثلاً أكثر نبلاً أو أعظم من الماموث .
  • والإنسان ؟! ..
  • حتي الإنسان يا سيد صابر قد استمر فى البقاء ، وليس للنوازع الأخلاقية أى علاقة فى ذلك بل الأخلاق أحيانا ما تكون سبباً فى الزوال .. نعم يقال إن الإنسان قد بقى لأنه مزود بالعقل .. فما قولك إذا في الذباب و الطحالب ؟! .. لقد رأت الجهات العليا أن تنشأ هذه الإدارة بصفة تجريبية حتي تتعرف علي الأساليب المتبعة في إدارة اللئام .
  • أشكر سيادتك ، علي ما زودتني به من معلومات في التاريخ الطبيعي .. إلا أن سيادتك لم تزودني علما بمهمتي في هذه الإدارة ، وكيف تتفق إجراءاتها الوظيفية ــ وهى بهذه الصفة ــ مع غيرها من الإدارات العادية ؟! .
  • ما زلت لم تفهمنى تماما يا سيد صابر .
Image result for فنون تشكيليه"
  • لم أفهمك .. كيف ؟! .
  • أنت لم تفهمنى ، بدليل أنك قلت الإدارات العادية .. ليست هناك إدارات عادية حتى الآن .. بل كل الإدارات غير عادية لأنها تتصف باللؤم ، ولكننا خصصنا إدارة انتقينا موظفوها من هذه الفئة من الناس علي وجه اليقين ، فئة رأيناها ، تعتلى المناصب وتترقى دون أن نري مبرراً لذلك ..
  • إذاً لماذا رقيت أنا وأنت على سبيل المثال ؟! .
  • هذا هو مناط الأمر .. أن تترقى شئ سهل .. المهم فى أى شئ تترقى ..
  • فى أعمالهم التى يقومون بها ..
  • آه .. كل الدنيا بها أعمال .. الأعمال فى كل مكان يا سيد صابر .. ولكن المهم كيف يوهمون الناس أنهم يقومون بها ..
  • ولكن عفواً يا سيدى .. نحن نجل مديرنا ونحترمه ، فهو رجل كفؤ ، ولولاه ..                                               

    قال لى مقاطعاً فى حزم :

  • نعم .. نعم .. دعك من هذه اللهجة .. كلنا نعرف أن مدير الإدارة شئ هام فهذا لا يختلف عليه العقلاء .. فنحن مثلا لا نختلف على أهمية المايسترو الذى يقود فرقة من العازفين .. ولكن السؤال يا سيد صابر .. هل نحن لدينا مايسترو .. وهل هو الذي ألف اللحن ، أو وضع السيمفونية ، وصمم حركاتها .. القائد هو المايسترو الذى يقود العازفين ليصلوا إلي أعلي دقة وانسجام فى أداء لحن مؤلف لهم أو لغيرهم ..
  • إذاً ما هو الحاصل الآن ، وما هو تقديركم للموقف ؟! ..
  • الآن يا سيد صابر قد توجد مجموعة من العازفين المهرة ، كل يعزف على آلته الخاصة .. قد يكون مبدعاً في آدائها و بلغ أعلى درجات الحساسية .. ولكن المايسترو عندنا لا يفهم من كل ذلك شيئاً .. إنه يشير بعصاه كيفما اتفق ، فيتوهم الرائي أنه يقود ، وهو فى الحقيقة يحرك عصاه بالطريقة التى يحرك بها الحواة عصيهم في الأسواق .
  • ولكن يا سيدي .. أين أنا من العازف أو المايسترو .. أنا فى وظيفتى أقوم بالعمل المنوط بى ..
  • تمام .. أنت تقوم بعمل فى إدارة اللئام .. وستظل أنت الوحيد من يقوم بعمل حقيقى ، ولكن لننظر ما سيصير إليه أمر الآخرين فى مكتب اللئام .. هل ستكتشف أمرهم .. أم ستتوه فى وسطهم !! ..  

               ثم أنهي كلامه معى بطريقة ختامية قائلاً :

  • والآن كل ما نطلبه منك أن تتوجه لمكتب اللئام .. وأن تكشفهم ، ولا تتوه وسطهم .

    عندها صحوت ، وأنا فى كامل البهجة والسعادة ، على غير العادة .

%d مدونون معجبون بهذه: