د أيمن تعيلب يكتب ل مصر المحروسه . نت : غريق فى البحر الشبينى( من سيرتى الذاتية)

0 12

ذاكرة البحر الشبينى فى قريتى خائنة،كم مرة كنت أسير بجانبه وطفح لى بسره على الشواطىء البعيدة،أكثر من حالة غرق ولا من معين ولانصير،يفتح النهر فمه فى أية لحظة ولايبالى بالدموع والأنين،لاشىء عزيز على البحر الشبينى فى قريتى،طفل،امرأة،رجل، فى أى وقت صباحا أو مساء، لاشىء يتأبى على البحر الشبينى.كل الناس فى قريتى تلقى باللوم عليه وهو لايصغى لشكوى أحد أبدا.

كنت فى طفولتى البعيدة كلما شاهدت جنازة فى قريتى صرخ قلبى وانقبض من هول الصراخ المدوى والولولة الدامية والثكل الجارح النازف من قلوب النساء والرجال،اكتشفت الحزن مبكرا من خلال موت أحبابى وأصدقائى لكننى كنت أفكر  كثيرا كيف يموتون؟ وكيف سأموت مثلهم؟

Image result for ايمن تعيلب
ايمن تعيلب

كنت أتصور الموت على هيئة مخلوقات غريبة رهيبة تأتى كل يوم ليلا لتأخذنى بعيدا فى أماكن مجهولة،أو ترمى بجسدى فى واد سحيق تفعل بى ماتريد وأنا جثة هامدة لاحراك فيها،كان كل همى أن أتخيل ملك الموت،ماشكله ما لونه ما هيئته؟ ولعل هذا الخوف قد امتد فى حياتى من بعد فقد كنت أتتبع خيالات الفنانين التشكيليين العلميين فى تجسد بطش الموت وعرامة العدم السيال فى لوحاتهم علنى أظفر بملك الموت تخييلا بعد أن أعيتنى رؤيته فى الواقع.

كل ما أتذكره فى طفولتى البعيدة أنهم يدثرون الميت بلباس أبيض،فالموت أبيض،والكفن أبيض،وماء غسل الميت أبيض شفاف كدموع الحزانى،إلا مايتشح به أهل الميت من لباس أسود سرعان مايخلعونه ثم ترميهم الحياة فى خضمها الواسع المتدافع.ارتبط الموت فى روحى بالبياض،كأن الميت ياتى دنياه على بياض ناصع ويودعها على بياض أنصع،لازلت أتذكر غرائبية شكل شجرة الجميز العتيقة التى كانت  تحيط ببيتنا القديم،كانت تذكرنى دائما بالموت،شجرة عجيبة ما إن تحدق فيها حتى تولد فيك شعورا موحشا بالغرابة والوحشة،شعور ينتابك ويسرى فى كيانك كله،شكلها  المتكوم من أغصان متداخلة بعضها يتمدد  سابحا في الهواء،فيما تظهر مجموعة من جذورها المتداخلة المعقوصة بعضها فوق بعض على سطح الأرض وكأنها ضاقت ذرعا بباطن الظلام المخيف،فخرجت تتمدد من الظلمة   إلى النور،الذي تتمتع به الجذوع والأوراق والثمار وكأنها تتحسر على  على السنوات التي قضتها مدفونة فى التراب.  تراها تحتضن بإحكام صارم تلالا وصخورا ناتئة ذات أشكال وأحجام مختلفة،حاصرتها الشجرة وضغطت عليها من كل جهة،خوفا من أن يتم إعادتها إلى وحشة الظلمة من جديد

Image result for فنون تشكيليه  نهر

 أكثر ماكان يدهشنى أن ملك الموت كان يمر بجوار بيتنا كل ليلة لكنى لا أره، كان كل شىء يتم فى هدوء وصمت تامين،إنه الموت يصنع العجائب فى رفق وصمت وهدوء،إلا عندما يموت أحد جيراننا أو أحد أقاربى فجأة يجلجل الصراخ المدوى وتعول النساء،ثم تدوى طبلة الحاج بدوى أبو الليف بلحنها الجنائزى المهيب فترتج أرجاء قريتة الكفر القديم،قريتى النائمة الغافية على شاطىء النسيان تفيق كل ليلة على صخب الموت الصامت المدوى،طبلة عمى بدوى ترج كل أنحاء قريتى منذرة  بالدمع والنحيب، عندما يعلن نذير الموت كنت أصيخ السمع لأصداء طبلة عم بدوى تدوى من بعيد فأغيب فى عالم مجهول تسافر روحى فى الغياب الموحش انخلع عن حدودى البشرية قليلا يدوخنى أبد الغياب المترامى فى الحياة.بعد أن مات عمى بدوى الطبال الذى عرفنا الموت منذ الصغر على دوى طبلته العفية الرنانة تركنى أولول وحدى دون نذير أنعى حزنى الطفولى القديم وأنا أولول وأندب صامتا،لكن للأسف كلماتى لاتغنى عنى من الموت شيئا.أفجع شىء فى الحياة أن يندب جزؤك الحى جزءك الميت فأنت الميت الحى أو الحى الميت !

لا أنسى عندما توفى ابن الشيخ عرفات غريقا فى البحر الشبينى.كان البحر الشبينى يحد قرية الكفر القديم شمالا من جهة عزبة تل شنيك وطريق البحر الموصل لمدينة بلبيس عريقة التاريخ فقد كانت عاصمة مصر على أيام حكم الفاطميين وبها مسجد سادات قريش أول الشهداء على أيام سيدنا عمر بن العاص الذى فتح مصر أيام المقوقس.

ذات عصر خريفى محزون،كنت ألعب فى حوش الحاج شاهين أنا وأخى سعيد،عندما اقترب موعد آذان العصر سمعنا صراخا مدويا يدوى فى سماء القرية،كان الجميع يهرول على قدميه الحافيتين جهة البحر الشبينى،النساء والرجال والأطفال والشيوخ،القرية كلها قلب موجوع يرتج بالنحيب،هرولت أنا وأخى على قدمينا الحافيتين لم نشعر بألم الحجارة والطوب الحاد المسنن المفتت الملقى طى التراب،ساعة الفجيعة تكون جسدا وروحا آخر لاعلاقة لهما بجسدك قبل الفجيعة،هرولنا من جهة مسجد العيسوية متوجهين صوب البحر،كان يوما شتايا قارسا،العجيب أن الجميع خاصة النساء كان شبه عار لايحس برد الشتاء ولازمهرير ثلجه القارس العنيف،كانت نار الفجيعة تسرى فى جسد القرية كله،كان يوما فاجعا لف قريتى كلها فى نزيف الجرح  فى عصر هذا اليوم الأسود الكابى.كان من عادة أهل القرية ان يخرجوا عن بكرة أبيهم فى أى مصيبة جماعية كالحريق أو الشجار أو الموت أو الغرق أو مواسم الحصاد.يخرج الناس جماعات لايتخلف منهم أحد،قانون القرية  قانون جماعى غير

Image result for فنون تشكيليه  نهر

مكتوب،لكنه أقسى وأشد من كل القوانين المكتوبة،كل شىء هنا يروى ولايكتب،فقط تكنه الصدور وتكتنزنه الأجساد وتكتمه القلوب،ما إن تمر القرية بحادث كبير حتى ينتفض كل الناس على حالتهم غير المرتبة يتناسلون من كل فج عميق كأنهم كانوا موتى ثم نشرهم الله فتراهم منتشرين فى كل بقعة وواد وحارة،ينتشرون كالجراد،ويتكاتفون كالنحل،ويعملون كالنمل.

يوم أن احترق بيت الحاج محمد أبوعبد اللطيف بعد صلاة العشاء صرخت النساء مولولة فأبرقت القرية كلها ببرق الفداء كأنه يوم النذير خاصة الشباب الذى خلع ملابسه ليلا فى عز الزمهرير ورمى بنفسه فى جحيم الحريق لايخشى ولايتردد، يا الله ما كل هذه الجرأة على الموت وكل هذا الإيثار الفادح؟، معظم القرى المصرية لاتحتاج إلى الدولة فى شىء، صدقنى قارئى الكريم شعبنا دولة نفسه فهو شعب عظيم معطاء عندما تخلت الدولة عنه فى كل شىء ولم يتخلى عنها فى أى شىء،خاصم الشعب دولته فى الخفاء الغائر العتيد،لاعلاقة أبدا بين التراب الذى تدب عليه أرواحنا وأجسادنا فى أوطاننا وبين من يحكموننا،الدولة شىء وتراب التاريخ والروح شىء آخر.دائما الفقراء وقود الحياة والموت،تراهم جاهزين لايترددون ولاينكصون ولايتراجعون ولايصرخون.إذا حضر الموت أجابوا وحضروا،وإذا لعلعت الحياة وقليلا ما تلعلع  تراهم هم الغائبين المنسيين.

 ظل كل شباب القرية يغوصون ويقبون فى موج البحر  الشبينى العاتى  بحثا عن الطفل الغريق،لم يظفروا بشىء أبدا، كان البحر قد ابتلعه وتنفسه الموج وشربته القيعان السحيقة،ظللنا فى حداد أسود ثلاث أيام وقفت فيها القرية بأطفالها ونسائها وشبابها وكهولها على قدم الفناء حيارى مقهورين أمام  سطوة جبروت البحر الممتد كجسد أفعوانى عتيد يضع جسده المرعب على أول الأرض ثم يمتد جسده ويوغل فى المجهول المخيف، ظل الجميع يصارعون سر البحر بحثا عن الطفل البرىء الذى اغتاله البحر بلاذنب ولاجريرة،بعد فوات يومين وجدنا جسد الطفل مقببا فوق الموج منتفخا بالماء. لففناه فى لوعة لواعة ثم جاءت الحكومة فأخذته لتتحقق فيما حدث.

لكنى سمعت عجبا زلزلنى فقد كانت المرة الأولى فى حياتى التى أسمع فيها أن الميت يوضع فى ثلاجة أسموها ثلاجة الموتى،لاأدرى لماذا ظللت سنين طويلة أتهرب من رؤية ثلاجتنا فى البيت لا آكل منها ولا أشرب بل أعافها وأحذرها كأننى أعاف لحم ميت،ظل هذا الإحساس يلاحقنى مدى حياتى ولم أتخلص من هواجسه وتداعياته حتى الآن،أهرب من كل شىء صناعى آلى،أكره كل ما يعبث بحرمة الإنسان وجلال جسده.كل قيد أو إهانة أو سجن أو انحصار أو انحباس يقلقنى ويقض مضجعى،قيد فى الجسد أو الروح أو اللغة أو الخيال،كل مايسرق الإنسان من الإنسان.

تساءلت فى نفسى كيف يوضع الجسد الآدمى العظيم بحرمته وقداسته الرهيبة فى ثلاجة بشرية من ألمونيوم وبلاستيك ونحاس؟ّ  أين حرمة الحياة ورهبة الموت وجلال الوداع؟ لكنى أدركت بحدس الروحى بعد أن نضج عقلى البارد على نار العلم والخداع أن مفهوم الموت قد تغير كثيرا فى مفهوم الطب الجنائى الحديث،فقد كان الموت الطبيعى الذى اعتدته فى قريتى أن يموت الإنسان ثم يغسل بالماء المعطر ويلف بالكفن الأبيض المزهزه،يحمله الجميع على الأكتاف حزانى صامتين مذهولين مسلمين ليدفن مباشرة فإكرام الميت دفنه،كان الموت عبر كل الدهور يعد نهاية الحياة،وكان الطبيب يكتفي بملاحظته للاعتراف بالأمر الواقع،وكان الموت حقيقة بديهية يقبلها الجميع برضا تام ،لكن يبدو أن جبروت الإنسان المعاصر أصبح يرفض فكرة الموت،كما رفض جميع البدهيات العفوية فى الحياة،ولهذا ظل يطور من أجهزة الإنعاش التي تبقي على الجسد لحيظات زائفة،يظنها حياة وهى فى الحقيقة حياة بشعة أقسى من الموت  الحقيقى،كم  خدع الإنسان المعاصر نفسه بل جسده،حتى البلد الذى فيه أعلى نسبة اتصال الكترونى تجد به أعلى نسبة انفصال جسدى،بعد أن تحول الإنسان إلى شىء مثل باقى الأشياء الهامدة الثقيلة،سرت الوحشة والعزلة والوحدة فى الأجساد حتى صارت بلا أرواح،بعد أن هيمن العلم وساد اختفت الروح وتضاءلت الأسطورة وجف الخيال وغادرنا الندى الرقراق.لم نعد ندرك بأجسادنا.صرنا ميتين على قيد الحياة.كم حكت لى بعض لطالبات فى الجامعة  فى أثناء تدريسى لهن قصيدة بلقيس لنزار قبانى: فما إن تصهلل أرواحهن وأجسادهن على نار الشعر حتى يحكين لى عن غربة أجسادهن،من وحشة الحياة قلن لى إنهم قد تزوجن أجسادهن،كنت أعجب من تعبيرهن،فأقول فى نفسى غير مصدق هل  مات صهيل الجسد المدفون فى جوارحهن.

Image result for فنون تشكيليه  نهر

منذ أن  شاهدت جسد الطفل الصغير مركوما فى ثلاجة الموتى انحفرت اللحظة الغائرة فى روحى فأدركت معنى الخداع والوهم الذى يتلبس حياتنا من كل جانب،ولكن هنا شىء جديد جرح روحى وحفر أخاديد الألم الصامت فى جوارحى لتردى قيمة الحياة من حولى،فهل تستطيع أجهزة الإنعاش الحديثة أو ثلاجات الموت أن تطيل عمر الحياة ولو لحظات معدودة شريطة أن تكون طبيعية تعج باللحم والدم؟ فما بالك أنها تدعى إطالة عمر جثة الميت فى الثلاجة أياما معدودات ؟! هذا وهم البشر عن حقيقة الحياة،هل تستطيع كل أجهزة الطب الحديث فى العالم كله أن ترد ولو لحظة عافية واحدة كانت تضج باللحم والدم والعرق فى جسد الحياة؟ أمس الذى فات على قربه يعجز أهل الأرض عن رده كما يقول سيدنا  أبى العلاء المعرى،حقا نحن كبار على الأرض لا تحتها.وستظل لفظتا تحت وفوق من الألفاظ الكبرى فى حياة البشر،إن كل مايصنعه ويبتكره الإنسان مهما بلغ من دقة الصنعة وعظمة الأداء سيظل مندرجا تحت ظرف الزمان الفانى (تحت) وسيظل صنع الله الذى أتقن كل شىء مندرجا تحت ظرف الزمان الأبدى (فوق).

 ظللت أفكر فيما حدث بعد موت الصبى الصغير ابن الشيخ عرفات ولم أع فى طفولتى البعيدة لماذا وضعوه فى ثلاجة الموتى بعد أن مات؟ كنت أفكر فى الموضوع بعقل طفولى ،أفكر بندى الصباح المتراكم فوق ورقتى الجميلة قبل أن تسطع شمس العقل فتحرق الندى وتبخر السحر الجميل للحياة.اختفى الموت المادى المقعقع فى حياتنا كما يبدو في الحروب الصاخبة ومعسكرات الاعتقال والإبادة المجلجلة، اختفى القتل المادى الظاهر أو تقلص ليحل محله جيوش محترفة من الموت الناعم السلس تستخدم الاختراعات الحديثة للغاية – لا من أجل تحرير الإنسان في علاقته بنفسه وجسده، ولاصراعه مع الطبيعة من حوله – ولكن من أجل تدميرها من الداخل بواسطة الوسائط التكنولوجية الحديثة، وذلك بأن نجعل الأفراد جاهلين بأنهم ميتون بتأثير يومي من وسائل الإعلام والتسلية التى تتحول جراء السيطرة والتسلط والإرهاب إلى ممارسات يومية اعتيادية،إبادة ناعمة خفية،أصبح هم كل فرد أن يحقق ذاته وسط بنية القمع والسيطرة المسجون فيها دون أن يدرى بسجونه الناعمة السلسة،يتنفسها ويعيش بين جدرانها يتحدث لغتها كل دقيقة وكأنها أمور يومية اعتيادية.سجن ناعم سلس أقسى من كل السجون الحديدية المعروفة.ناور الجسد ماناور كل أشكال الحياة من حوله،تم تفريغه من سره المقدس،وأسلافه القدامى،صوحت شجرة الرموز النابتة فيه،وتبعثرت أوراقها وذبلت ورقة ورقة،صار مجرد كتلة مادية عمياء،أو سلعة يومية صماء.كنت كثيرا ما أصيخ السمع مذهولا لصوت الشيخ أحمد أبوشديد وهو يتلو الآية القرآنية العجيبة بأن من الناس من لهم آذان ولكن لايسمعون بها ولهم أعين ولكن لايبصرون بها ولهم قلوب ولكن لايفقهون بها،كنت أقول فى نفسى كيف يكون لهم وليس لهم فى وقت واحد؟ لايكفى أن تمتلك النعمة بل لابد من الإحساس العميق بها،لايكفى أن تمتلك بل لابد أن تكون.

 أدى الشكل الآلى والتكنولوجى للحياة إلى مزيد من تجريد وتفريغ الجسد.تم قولبته وترويضه مع متطلبات الحشود اليومية السارية فى طريق الهباء اليومى،من الصباح للمساء ومن المساء للصباح،تتنفس الغبار والهباء والصمت والسقم،أنت محكوم فى كل دقيقة بل كل ثانية بممارسات مادية منضبطة دون زيادة ولانقصان.حواسك الخمس مكمودة منطفئة.فيك وليست فيك.لاتمتد إليك أبدا بل تعمل داخلك من خارجك كأنها طاحونة موقتة بتوقيتات حاسمة.لابراح ولا انسياح ولاحنو ولا امتداد ولاخيال.عمرك كله يوم واحد مكرور.أنت تؤدى أعمالك اليومية دون أن تشعر ناحيتها بأى حنو إنسانى نبيل.فقد الإنسان أبهى بعد سرى فيه:أقصد البعد القيمى الرمزى الأخلاقى.

%d مدونون معجبون بهذه: