د. عمار علي حسن يكتب : بين سد النهضة وكورونا وتسليم رؤوس الناس للجهلة

0 39

(1)

ما كل هذه الغطرسة يا إثيوبيا؟ ومن أين لك بكل هذا التمادى في الخداع والمراوغة والتجبر الزائف؟ كيف لا تدرك حكومتك أنك بلد طيب في ذاكرة المصريين، منذ أن كان بينك وبين الفراعنة مساحات للتفاهم وتبادل المنافع، ويراك مسيحيو مصر أنك إحدى امتدادات الأرثوذكسية في العالم، ويراك المسلمون بلد النجاشى الذي أجار صحابة الرسول محمد، عليه الصلاة والسلام؟

لم تنس مصر كل هذا، وفعلت كل ما عليها، وصبرت صبرا جميلا، وأبدت «حسن نوايا» بشكل لا مثيل له، إلى درجة أن اعتبره بعض المصريين تساهلا وتسهيلا أكثر من اللازم أو تفريطا، ومع كل هذا تتعنت إثيوبيا، وتتصرف بلا مسؤولية، وكأنها جماعة مارقة وليست دولة، وتتمادى في انتهاك القوانين الدولية، وتدفع دفعًا في اتجاه حل آخر.

(2)

من سوء الأخلاق أن يدخل «فيروس كورونا» في الصراع السياسى والاقتصادى والحضارى، فنجد الذين يكيدون للصين وإيران، ومن يريد للوباء أن يتفشى في بلد نكاية في سلطته، وهذا الذي يفرحه أن تعجز إيطاليا الأوروبية عن مواجهته، معلنة عن تراجع إمكانات القارة العجوز، ناهيك عن تجار الأزمة من الأدوات والمستلزمات الطبية إلى النفط والغاز. فهل يعلم هؤلاء أن الوباء لا يفرق بين غرب وشرق، وبين غنى وفقير؟

(3)

كتبت أقول: إنه لمن العبث، بل الخراب، أن يتم تمكين الجهلاء من رؤوس الناس، عبر كل وسيلة مقروءة ومسموعة ومرئية، ويُمهد الدرب لهؤلاء الذين لم يقرأوا كتابا جادا في حياتهم ليصبحوا هم الوعاظ وقادة الرأى حتى في أيام الشدة التي تمر بها الأمة. رد علىَّ الأستاذ حامد المحلاوى: رأينا أساتذة جامعات درجة الوعى لديهم مخجلة. أعتقد أنه لا علاقة كبيرة بين الثقافة (القراءة) والوعى.. المعرفة توجه من لديه قدر من الوعى للوصول إلى القرار الصحيح، ولا تفيد مع من يفتقد الحد الأدنى المطلوب. ورددت عليه قائلا: صحيح، لأنها الجامعة التي طردوا منها كل كفاءة تختلف معهم، ولم يسمحوا بالترقى، في الغالب الأعم، إلا لكل متهافت لا يشغله العلم إنما إرضاء كتبة التقارير. إنها الجامعة التي كان دينها العلم كما قال أحمد لطفى السيد وقت إطلاقها، فجعلوا دينها النفاق.. ومع هذا فجامعات مصر لا تزال زاخرة بالعلماء، لكن أغلب هؤلاء محجوبون عن الناس، لأنهم يرومون الحقيقة العلمية، وهذا لم يرض من بيدهم القرار على مدار زمن طويل.

(4)

بين الملائكة والشياطين أنتم، ظاهرون كأن الشمس ولدت على أكفكم، والبحار تشرب من بين أصابعكم، وكل الهواء يقف عند أنوفكم، تسحبون منه ما تشاءون، وما يتبقى هو لكل شىء: للسحب التي تندفع بماء السماء، والموج الهائج الذي يموت فورانه عند الشواطئ المنطرحة تحت أقدامكم، والشجر الذي يتوق إلى الرقص أمام أعينكم. أنتم وحدكم الذين تعرفون كيف ترمون سيقانكم بين البلل واليابسة، بين العاصفة والنسيم، بين النعيم والجحيم، وتمضون على مهل، عين هنا وأخرى هناك.

أنتم وحدكم الذين تعرفون كيف تمرون دون أن يشعر بكم أعداؤكم. قلة منكم تقع في الفخ المنصوب منذ أول الأيام. الأغلبية تفهم جيدا كيف تفلت بأقل الخسائر، وأكثر الطعام، مادّةً بطونها إلى الفراغ الذي ينجم عن ذهاب كل الذين اعترضوا. أخذوهم من رقابهم، ولم يسمع أحد شهقاتهم حين أسلموا كل شىء للرحمة التي لا يدركها قاتلوهم، فالكل وقتها كان منهمكًا في الترحم على الجلاد والسارق، لعل أحدًا يسمعه أو يراه وهو يفعل هذا، فيدرك أن وجوده ليس خطرا على الطغاة والبغاة والجباة. أيها القادرون على المرور دون أن يخنقكم دخان الصدور التي تغلى غلًّا، ولا يبل طرف أثوابكم مطر مشبع بسموم المذنبين التي تصعد إلى السماء في انتباه الذين اقترفوها أو في غفلة منهم، ولا يهزكم ريح الذين اعتقدوا أنهم قبضوا على كل ما يدخل صدور الناس من أسباب للبقاء، أنتم وحدكم الذين تبقون وفى عيونكم ضحك حين تنظر إلى الممدوين إلى حبال المشانق، والمأخوذين إلى غياهب السجون، لأنكم تدركون أن هذه لا يمكن أن تكون النهاية أبدا.

(5)

قال لى صديقى: كل شىء زائف حولنا، لكن ليس بوسعنا من أجل اتصال أرزاقنا سوى أن نسمعه كلامًا عن إيماننا بحقيقته الدامغة التي لا تقبل التجريح، ونقف له منتبهين، ونقول بملء أفواهنا: أيها العظيم القادر المقتدر، لا يوجد حق ولا صواب في هذه الدنيا سوى ما تفعله. آخر رد عليه، وكان زميله، وأقل منه مالًا وولدًا ومنصبًا: لم يجبرك أحد على الكلام، والصمت لمن هم مثلك هو أعظم خيار. في حديث الاثنين طريق، سلكه السالك، غير عابئ بشىء سوى أمرين: ألا يسقط وأن يصمت، فلا يسمع السلطان منه ما يبهجه، ولا ما يغضبه، حتى لو كان شيئًا عابرًا، لا يزيد على أن يكون صرخة في برية، لحنًا يعزفه رجل لا يسمع إلا نفسه، حروفًا تائهة في عالم افتراضى مزدحم بالكلمات. فوق هذا وذاك يأتى الرجل المستعد لتقديم روحه رخيصة من أجل الحقيقة والحرية.

%d مدونون معجبون بهذه: