د.سامي عمارة يكتب : بوتين “يعيد” أردوغان الى “الطريق القويم”.. سوتشي والاستانة

0 65

من موقعه في الكرملين تابع “القيصر” تحركات “السلطان”. راح يرصد تحركاته وسكناته واتصالاته التي كان يجريها تارة مع “غريمه” غير المعلن فيما وراء المحيط، ووزير خارجيته مارك بومبيو، وأخرى مع وكلائه في أوروبا من ممثلي حلف الناتو، وثالثة مع المستشارة الالمانية ميركل، ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون. أصاخ الرئيس بوتين السمع لكل ما صدر عن “السلطان” من تصريحات “عنترية، ثمة من اعتبرها في موسكو “جوفاء، للاستهلاك المحلي”، ليعلن عن قراره بدعوته الى “بساط الكرملين”.
ما أن انتهت المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان وطلب الرئيس التركي خلالها ان تتركه موسكو “وجها لوجه”، مع حليفها في الشرق الاوسط الرئيس السوري بشار الاسد، حتى إتخذ الكرملين قراره الذي لم يحد عنه طوال الايام التالية، وحتى جاءه “السلطان” بكامل إرادته، ووحده مصحوبا فقط ببعض معاونيه، دون الغطاء الدولي الذي ظل ينشده طوال فترة حملته العسكرية “المحمومة” في سوريا.
وكانت القيادة السياسية والعسكرية في موسكو تدرك مدى تجاوز “الشريك” التركي لما يعتبرونه “خطوطا حمراء”، ويستحق الرد عليه على النحو الذي يتفق مع القول الذي صار مأثورا في موسكو. “على من لا يستطيع الاصغاء لما يقوله لافروف، ان يستعد لقبول ما سوف يفعله شويجو”. و”التورية” هنا واضحة لا لبس فيها، وتعني ان من لا تعجبه توصيات عميد الدبلوماسية الروسية والعالمية سيرجى لافروف بالاصغاء إلى صوت العقل واعتماد السياسة والدبلوماسية السبيل الامثل للوصول الى القرار المنشود للخروج من الازمة التي لا “حل عسكريا لها”، فعليه ان يكون مستعدا لما قد يتخذه من قرارات، سيرجي شويجو وزير الدفاع الروسي.

Image result for د.سامي عمارة


من هذا المنظور إنطلقت فرقاطتان روسيتان مزودتان بصواريخ “كاليبر” صوب البحر الابيض المتوسط، عبر مضيقي البسفور والدردنيل، على مرأي ومسمع من “السلطان” الذي ترامت الى أسماعه بيانات وزارة الدفاع الروسية التي تقول ان الفرقاطتين سوف تتخذان مواقعهما على مقربة من السواحل السورية، وبما كان يعني ان “أرباب” السيد أردوغان في إدلب سوف يكونون في مرمى نيران الفرقاطتين”. وليرغي ويزبد “السلطان” كما يشاء، وخاصة بعد ان كشفت وزارة الدفاع الروسية عن ان ما فقدته تركيا من أفراد يزيد عددهم عن الثلاثين كانوا ضمن صفوف التشكيلات الارهابية في إدلب” حسبما نشرت صحيفة “كوميرسانت” الروسية.
وفضلا عن كل ذلك، كانت موسكو تدرك ولا تزال، أبعاد ما يريده “السلطان” باتصالاته المحمومة مع العالم الخارجي. وكانت تعلم أيضا، ولا تزال مغبة مخططاته وقراراته “غير المحسوبة” ومنها “مواصلة ما سبق وتورط فيه من اتصالات مع الفصائل المسلحة والتشكيلات الارهابية” التي يحاول الاستعانة بها لتنفيذ “خططه التوسعية” غير المعلنة. ومن ثم فقد راحت تعمل أولا من أجل الابتعاد بالازمة عن محاولات “تدويلها” من خلال مشاركة أطراف أوروبية من جانب، وثانيا: بدعوة أردوغان إلى “بساط الكرملين” بعيدا عن رغبته في عقد اللقاء على “ارض تركية بمشاركة اثنتين من بلدان الناتو” من جانب آخر.
جاء أردوغان الى الكرملين مصحوبا بوزيري خارجيته ودفاعه ورئيس مخابراته، ووفد رفيع المستوى “شاء بروتوكول الكرملين” ان يقفوا جميعهم على يسار الزعيمين في قاعة المباحثات أسفل تمثال إمبراطورة روسيا القيصرية يكاتيرينا الثانية التي ألحقت قواتها بالاتراك 11 هزيمة، ومنها في معارك القرم التي انتهت بضم شبه الجزيرة الى الامبراطورية الروسية في 1877-1878، في إشارة لا تخلو من مغزى.

Image result for اردوغان بوتين


جاء “السلطان”، ليستهل حديثه مع بوتين بطلب “لقاء انفراديا”، طال بين جنبات الكرملين لما يقرب من الثلاث ساعات، انضم بعده اليهما لاحقا أعضاء الوفدين الروسي والتركي لثلاث ساعات أخرى. أما عن نتائج هاتين الجولتين، فقد أوجزها الرئيس بوتين في ختامهما بالكشف عن ان اللقاء الاخير بين الرئيسين هو الثالث منذ بداية العام الجاري. قال انهما استهلا مباحثاتهما في الكرملين “وجها لوجه”، حسب طلب أردوغان، فيما إنضم اليهما المسؤولون من الوفدين الروسي والتركي. وإستطرد الرئيس الروسي ليقول “إن الأوضاع في إدلب توترت إلى الدرجة التي تتطلب التدخل المباشر من جانب الرئيسين” ، فيما أكد على ضرورة تجاوز هذا التوتر والعمل على عدم تكراره. وفيما تقدم بعزائه في الجنود الاتراك الذين لقوا حتفهم في بداية العمليات القتالية مع القوات الحكومية في سوريا، قال بوتين “إن خسارة البشر دائما مأساة كبيرة”، وأوضح “أن العسكريين الروس والسوريين لم يكونوا على علم بموقع الجنود الأتراك، والجيش السوري خلال هذه الفترة تكبد أيضا خسائر كبيرة”. وأضاف الرئيس الروسي “أنه بات من الضروري مناقشة الوضع االراهن اليوم والعمل على عدم تكراره، من أجل الحيلولة دون إلحاق الضرر بالعلاقات الروسية التركية التي قال انه “يثمنها عاليا”. لكنه قال أيضا ان قاعدة حميميم الجوية الروسية تعرضت خلال الفترة القليلة الماضية إلى 15 هجوما من جانب الارهابيين في منطقة إدلب وهو ما كان الروس يبلغون به الجانب التركي، في إشارة لا تخلو من مغزى إلى المسئولية المشتركة لتركيا تجاه مثل هذه الاعتداءات، التي لم يكن الجانب الروسي ليغض الطرف عنها، مؤكدا في نفس الوقت إصراره وتمسكه بضرورة إحترام وحدة وسلامة اراضي الجمهورية السورية.
ومن جانبه أشار أردوغان إلى “متانة” العلاقات التركية – الروسية، مؤكدا أن العمل على تطويرها يعد “مسألة هامة”. وقال :”ان هذه العلاقات بلغت الذروة في الوقت الراهن، وهو ما ينطبق على الصناعات الدفاعية والعلاقات التجارية.. ونحن نعتبر أن المهمة الأساسية التي تواجهنا تتمثل في تطوير هذه العلاقات، وأعتقد أننا قادرون على ذلك”.
وبعيدا عن هذه التصريحات التي تتسم في بعض جوانبها بالمجاملات البروتوكولية، نعود لنشير الى ان الجانب الروسي إستبق هذه المباحثات بسلسلة من التحركات والتصريحات التي أشرنا منها إلى تحرك الفرقاطتين الروسيتين صوب السواحل السورية على مقربة من ساحة المعارك في إدلب، وكذلك إعلان وزارة الدفاع الروسية عن ان تحركات الجيش السوري كانت تنبثق من اتفاقيات سوتشي، بما يعني أنها جرت بدعم ومباركة الجانب الروسي في إطار ما وقع عليه “السلطان” مع قيصر الكرملين حول ضرورة إخلاء إدلب من التشكيلات الارهابية وفي مقدمتها فلول تنظيم “القاعدة” التي كانت تعمل تحت ستار “جبهة النصرة” قبل تغييرها الى “هيئة تحرير الشام”. ومن هذا المنظور كانت نتائج اللقاء “العاصف” في بعض جوانبه، والذي أسفر عن ذات النتائج التي سبق وتوصل اليه الرئيسان في سوتشي في سبتمبر 2018، ومنها وقف اطلاق النار وتسيير الدوريات المشتركة وفرض المناطق المنزوعة السلاح.

Image result for سامى عماره
سامى عماره

وشأنما فعلا آنذاك في ختام مباحثاتهما في سوتشي، أوكل الرئيسان إلى وزيري خارجيتهما سيرجى لافروف ومولود شاويش أوغلو إعلان ما توصلت إليه مباحثات الكرملين من نتائج كل بلغته ، فضلا عن تسجيلها باللغة الانجليزية ليفهمها “العالم بأسره”، بمن فيه من كانت تسول له نفسه “اللعب على أوتار التناقضات، وتأجيج ما يختمر في نفس السلطان من آمال”. ولعل الاهم في هذا البيان الذي صدر “كملحق إضافي للمذكرة الصادرة عن نتائج مباحثات سوتشي في 2018″، ما ترك بوتين لضيوفه إعلانه باللغة التركية حول ان”روسيا وتركيا تؤكدان التزامهما باستقلال الجمهورية العربية السورية ووحدتها ووحدة أراضيها، وتشيران إلى عزمهما على مكافحة جميع أشكال الإرهاب والقضاء على كل التنظيمات الإرهابية التي إعترف بتصنيفها مجلس الأمن الدولي، فيما تتفقان في الوقت نفسه على أن تهديد المدنيين والبنية التحتية المدنية لا يمكن تبريره بأي ذرائع”. ومن المهم التوقف عنده أيضا، ما أعلن عنه وزيرا خارجية البلدين حول أنه “لا حل عسكريا للنزاع السوري، الذي يمكن تسويته فقط من خلال عملية سياسية يقودها وينفذها السوريون بأنفسهم بدعم الأمم المتحدة وفق القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي”. ومن هنا كان القرار الحاسم حول إعلان وقف إطلاق النار إعتباراً من منتصف نفس الليلة التي انتهت فيها مباحثات الكرملين دون إبطاء أو تسويف، وبتوقيع واضح من جانب وزيري دفاع البلدين سيرجى شويجو وخلوصي أكار!!.
ومن منظور المثل الصيني القائل” إذا أردت الإجهاز على خصمك، عليك ان توفر له جسرا للانسحاب”، فإن هناك من يعتبر في موسكو انه لا ضير من غض الطرف عما يطلقه أردوغان من تصريحات “عنترية” للاستهلاك المحلي، ومنها ما صدر عنه في أعقاب اللقاء لدى عودته إلى وطنه ومنها “أن بلاده ستظل على أهبة الاستعداد دائما للرد على الانتهاكات والهجمات المحتملة من القوات الحكومية السورية في إدلب”. لكنه كان إعترف أيضا بخيبة أمله في الشريك الامريكي، بقوله انه “كان في مقدور أمريكا أن ترسل معدات عسكرية إلى إدلب إن لم يبرم اتفاق وقف إطلاق نار، لكن لم نتلق دعما حتى الآن”. ولم ينس أردوغان الاعتراف بما يشعر به من ضيم وأسف إزاء ما وصفه بأن”الغرب منافق جدا حيث وعد اليونان على الفور بتقديم 700 مليون يورو”، لتعويض ما يتكبده من خسائر نتيجة محاولات الإبتزاز التي بذلها بحشد الالوف من المهاجرين واللاجئين الذين لا يشكل السوريون ضمنهم اكثر من نسبة 20%، في المناطق المتاخمة للحدود مع اليونان، ممن تؤكد المصادر الغربية ان غالبيتهم من العائدين من افغانستان وجنسيات اخرى ومنهم عناصر ارهابية، زودها الجانب التركي بقنابل مسيلة للدموع من ترسانة القوات المسلحة التركية!!.
وتلك أمور لا يمكن للجانب الروسي أن يغض الطرف عن تفاصيلها ومفرداتها، ليظل عند موقفه من ضرورة التحلي بالصبر المفعم بالكثير من الحذر، وإن بدا على استعداد لتفهم ما يصدر عن “السلطان” من تصريحات “منزوعة الدسم”، تدرك موسكو انها “للاستهلاك المحلي”!.
موسكو – د.سامي عمارة
.

%d مدونون معجبون بهذه: