إيهاب البشبيشي يكتب عن احمد شلبى وأغنية الى الصمت

0 42

ليست قراءة نقدية , ولكنها المحبة , دراسة ممتعة, وشهادة صديق في صديقه كتبها الشاعر الكبير) بمجلة (القوافي) التي تصدر بالشارقة:

(إن أي قارئ منصف للمشهد الشعري المصري في نصف القرن الأخير ليس له إلا أن يتوقف بالإعجاب أمام الدور الذى لعبه أحمد شلبي وعدد غير كثير من أقرانه للحفاظ على الذائقة العربية الأصيلة ونقاء سلالتها من خلال تقديمه لنموذج شعرى فاره وفارق يتسم بالحداثة بنفس القدر الذى يتسم فيه بالعراقة.


وليس بوسع المدقق المستبصر أيضا أن يتغافل عن هذه الروح النابضة الجديدة التي قدمها أحمد شلبي وأعوانه للقصيدة العربية في شكلها العمودي الذى يصر شاعرنا على التمسك به وعدم مفارقته لغيره من أشكال الشعر الأخرى.
والواقع أن الشاعرية العربية قد مرت بأكثر من طور لها في القرن المنصرم ، وتوالت عليها موجات التغيير والتجديد الشكلي والدلالي التي أدت إلى انحسار المساحة التي كانت تشغلها القصيدة العمودية خصوصا مع نهايات العقد السبعيني في القرن الفائت ، بل لقد وصلت دعاوى البعض وقتها إلى الزعم بانغلاق أفق القصيدة العمودية ، وأفول شمسها بحجة عدم قدرتها على تلبية حاجات الحداثة سواء الشكلية أو الدلالية، وليس عجيبا أن يواجه أصحاب هذه الدعاوى بنفس هذه الدعاوى ضد النص التفعيلي فيما بعد.
والواقع أيضا الذى لا سبيل لإنكاره أن أغلب النصوص العمودية التي أنتجت في تلك الفترة كانت كذلك إلا البعض من النماذج النادرة التي أفلتت من ذلك الوباء، وظلت قابضة على جمر النص العمودي الفارق.
لكن مطالع الثمانينيات شهدت بزوغ كوكبة من الشعراء الذين أرادوا أن ينفخوا من أرواحهم الوثابة في جسد القصيدة العمودية المترنح ، وربما كان ذلك انفعالا تلقائيا ورد فعل واعيا أو غير واع للمتاهة ولمحاولات التغريب والتهجين التي حمل لواءها عدد غير قليل من شعراء تلك الحقبة.
ويسطع نجم شاعرنا أحمد شلبي كواحد ممن وقفوا على رأس هذه الكوكبة وفى جبهة هذه الموجة – التي يحلو لي أن أسميهم الإحيائيين الجدد ليؤسس معهم مرحلة جديدة من مراحل القصيدة العمودية بشعرية جديدة أخاذة ، وذائقة مرهفة ، واعتزاز فائق بالهوية والذات ، ووعى حاد بالعالم والآخر وبقدم غارقة فى التاريخ بقدر اجتراحها لغيم المستقبل ، وبقصيدة تمتلك كل أمشاج الحداثة دون أن تتنازل عن جنسيتها وهويتها ، قصيدة تستطيع الطيران دون أن تفقد شيئا من وزنها ، قصيدة تستطيع أن تسافر متجاوزة الحدود وليس معها غير وجهها جواز سفر وتأشيرة دخول .
وكان من أهم وأبرز الخصائص والسمات الدلالية التي مثلت تطور النص العمودي هو الانتقال من قصيدة الغرض التي التزمها القدماء وسار على هديهم شعراء مرحلة الإحياء إلى قصيدة الموضوع على يد الرومانسيين ومن تلوهم ثم أخيرا قصيدة المقام التي أذهب إلى أنها الإنجاز الأهم لهؤلاء الإحيائيين الجدد.
والمقام قد يكون أوسع من الموضوع والغرض وقد يجيء أحيانا أخص منه وأضيق ، قد يجيء حالة عارضة وقد يمثل حالا أكثر دواما ، قد يكون حالة إيقاعية وقد يكون مزاجا من كل هذا أو بعضه.
إنه باختصار ذلك الأفق الدلالي والجمالي والإيقاعي الذى يشكل فضاء النص.
ويعد الشاعر الكبير أحمد شلبي من أهم الشعراء الذين عملوا على دفع النص العمودي لهذه الوجهة , وتقدم أعماله الكاملة التى صدرت مؤخرا النماذج الأكثر وفاء والأكثر تعبيرا عن هذا التطور اللاحق به.
كما يعد هذا التطوير – في تقديري – الإنجاز الأهم الذى قدمه شاعرنا للقصيدة العمودية.
ولتوضيح ذلك أحب أن أعرض لبعض نماذج شاعرنا التي تدلل على مدى الفاعلية والنفاذ الذين اكتسبتهما القصيدة العمودية من هذا التطوير:
ففي قصيدة بوح المغنى يخاطب الشاعر صاحبيه مستنكرا سؤالهما الغناء مرة والطريق أخرى ، ولا يعنيان قليلا أو كثيرا به أو بآلامه وأهواله ، ولذلك لا يجيبهما عن شيء إنما يدعوهما للشرب معه والاستماع إلى شدو الحانِ ،وهو فى حالة صراع محتدم مع ذاته من حيث إشفاقه منه عليهما من ملاقاة نفس مصيره إذا استجاب لهما واصطحبهما من ناحية ، ورغبته فى مرفقتهما والائتناس بهما من ناحية أخرى.
يقول الشاعر:
يا سائليّ الغناء مهلكما … فما الذى قد أقــــــــــوله لكما

ما حان بالحان أن أبوح … بألحاني التي قد تذيب مثلكما

لو أن بي نشوةً شدوتكما … لكــــنَّ ما بي يثــــير هَوْلكما

يا صاحبيّ اشربا .. فما لكما … لم تشربا والدنان حولكما ؟

في الحان شادٍ شدا , فلا تسلا …. أللسكارى يبوحُ … أم لكما؟


وواضح طبعا فكرة المثنى الدائرة في النص ، أولا هناك صاحبان ، وأيضا هناك صوت الشاعر من جهة وصوت صاحبيه المحكيُ على لسان الشاعر من جهة أخرى.
هناك أيضا أفق دلالي يدور حول الرفقة والسؤال والجواب والرحلة والطريق والحان والسكر والشدو والبوح وهى جميعا دوالُّ تشير إلى دلالة المثنى ، وأيضا هناك أفق جمالي يتمثل في القافية اللامية المنتهية بما يختص من خطاب الاثنين ” كما ” ، وهو أفق لا يختص إلا بالتثنية.
وأية محاولة الوقوف على موضوع للنص أو غرض من أغراض الكتابة ستكون محاولة فاشلة لأن النص ليس نص موضوع ولا نص غرض ، إنه نصُّ حالة لا يصف لك المطر حتى تبتل به راحتاك ، وإنما يطارد معك الغيم والسحاب حتى يبتلَّ صدرُك بالمعنى دون أن تقبض على الماء، لذلك فنحن أمام نص مقامي ، وفى تقديري أن مقام المثنى هو المقام الأنسب وهو الأفق الأقرب لفضاء النص.
وضيق المساحة لا يسمح لي بتقصي تجليات فكرة المقام لدى شاعرنا لكن سأذكر مثلا أن قصيدة “حوار خمري مع أبى نواس” تعزف على مقام الذكرى، وقصيدة “العابر” من مقام الاستشراف ، وقصيدة “سابح في الضياء” من مقام الانعطاف ، وقصيدة “دمعة” من مقام المخاطب ، وقصيدة “أغنية إلى الصمت” من مقام الشعر … وقد استطعت أن أحصى في ديوان واحد وهو ديوان بعض الشذا الذى كانت منه القصائد المذكورة مقامات عديدة انفردت ببعضها قصائد واشتركت أحيانا أكثر من قصيدة في نفس المقام.
ولعل أقرب الأشكال التراثية إلى قصيدة المقام هو مواقف المتصوفة ، ولذلك نجد شاعرنا مفتونا بها محاورا أصحابها محتفيا بهم ، كما نجده مبدعا إبداعا خاصا متميزا وفريدا لقصائد المواقف مضيفا لها أبعادا جديدة مثرية مثل التزامه ما لا يلزم فى معظمها ، يقول مثلا في قصيدة ” موقف الشوق “:

وأوردني في موقف الشوق مهلكا … وقال : تقدمْ , قلت : ويحك .. مهلكا

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏أحمد معروف شلبي‏‏

وأدبرت عنه , قال : كيف تركتني؟ … فقلت : لقد طافت ظنوني حولكا

فقال : وهل خِلٌّ يخاف خليلهُ ؟ …. فقلت : وهل يا خل تقتل خلكا


وقد يكون هذا النص دليلا على بعد آخر من أبعاد تجربة أحمد شلبي ، وهو الاتصال بالتراث ، وهو اتصال يقوم على علاقة المحاورة لا المحاكاة ، والتطوير لا التدوير ، والتشاكل لا التماثل، إنه الاتصال البنَّاء الذى يثبت أن هذه القصيدة ابنة تلك , وليست هي أو صورتها ، وهو الاتصال الذى تظهر فيه أجمل الخصائص الموروثة وأنقى أمشاج العربية فى النص الحديث.
لم أتكلم عن اللغة ولا التصوير والخيال ولم أتكلم عن العمارة والأنساق البنائية ولعلى لم أتكلم عن معظم ما كان ينبغي التحدث عنه ، لغزارة ما يقال عن هذه السمات عند شاعرنا ولأن المقام مقام شهادة لا مقام دراسة.
إن أحمد شلبي شاعر كبير، يُعد من أهم شعراء جيله ، ومن أهم الشعراء الذين تصدوا لمواجهة محاولات التهجين ، ويقدم شعره نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه القصيدة العربية العمودية الأصيلة ، وهو يقف على رأس الشعراء المظلومين الذين لم ينالوا ما يستحقون وهو ما يجب أن يتوقف الدرس الأدبي والنقدي أمامه طويلا.)

%d مدونون معجبون بهذه: