سمير الأمير يكتب ‏: على عبد العزيز الشاعر التلقائى الجميل

0 66

يندر أن يغيب وجه الشاعر على عبد العزيز عن أى ندوة شعرية فى مدن وقرى الدلتا ويندر أيضا أن يلم بالوطن العربى حدث كبير دون ان يشتبك معه بكتابة أغنية يرددها جمهور الندوات” ،

أقول هذا الكلام ليس على سبيل تقديم الشاعر على عبد العزيز كانسان لأن معظم تجمعات المثقفين والأدباء المهتمين بالشأن العام تعرفه معرفتهم بأنفسهم وبقضايا هذا الوطن، يعرفون هذا العامل البسيط الذى كان يتعاطى الشعر والغناء بين ” الورديتين” يعرفون هذا المكافح الذى ربى أبناء فى الجامعة و غنى للوطن، نعم بالتأكيد يعرفونه و لكن ربما ذكرت ذلك كمدخل أو كمفتاح أساسى للدخول إلى عالمه وللاشتباك مع ديوانه ” آخر حدود الوطن ” الصادر عن مطبوعات ” إضافة” وهى جماعة أدبية كان مقرها مدينة المنصورة ولكنها استطاعت فى مدة قصيرة أن تقيم علاقات مع وزارة الثقافة ودور النشر وجماعات التشكيليين، فضلا عن استضافتها لرموز كبيرة من المبدعين المصريين والعرب،


إن العنوان الذي اختاره على عبد العزيز لديوانه يقيم سواء عن قصد أو عن غير قصد ” تناصا” مع عنوان ديوان ” آخر حدود الزجل ل ” سمير عبد الباقى” وفى ظنى أن هذا ليس بغريب إذ كانت أشعار عبد الباقى ونجم وجمال بخيت وسيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودى هى العباءة التى خرج منها شاعرنا كونهم كانوا ومازالوا مصرين على أن شعر العاميه هو إبداع ينبع من الارتباط بقضايا البسطاء ويتوجه إليهم وهى الرسالة التى ربما ورثوها هم أيضا عن عبد الله النديم وبديع خيرى وبيرم التونسى ثم العظيم فؤاد حداد الذى يعتبره الكثيرون رائد هذا الشعر بلا منازع، كونه جاوز قصيدة بيرم الزجلية إلى آفاق تعدد دلالات اللفظ ومخاطبة الوجدان الشعبى عبر تقنية ” التخييل” دون معاظلة، ثم صلاح جاهين المصرى العظيم الذى يرجع إليه فضل اكتشاف بلاغة التعبير فى كلام المصريين أو كما عبر عن ذلك الناقد د. هشام السلامونى بمقولة ” عبقرية الكلمة العادية”،

سمير الامير


إن مفهوم الوطن عند ” على عبد العزيز” لا يختلف عنه عند آبائه من الشعراء الكبار الذين ذكرتهم فالوطن هنا هو ” الفقراء والعمال والفلاحين والطلاب وصغار الموظفين ” وكل ما يطلق عليه المفكرون البرجوازيون لفظ ” العامة” وما يعرف عند الاشتراكيين والقوميين ” بالشعب” وعند الإسلاميين ” بالأمة” وهى حالة غريبة لم نعثر لها على أثر لها فى الدول المتقدمة فالمفاهيم العامة متفق عليها وهى واحدة تقريبا عند كل المدارس الفكرية فى تلك الدول، ومن ثم يصبح الحديث عن الوطن كما جاء فى العنوان دالاً على انتماء الشاعر الفكرى، ففى القصيدة الأولى وعنوانها ” سنين واقف على العتبات” يأخذنا الشاعر إلى أول حدود الوطن الذى لا نعلم على وجه التحديد لماذا يغلق بابه فى وجه شاعر يحبه كل هذا الحب فهو يحاول الدخول كما تقول القصيدة منذ سنوات طويلة ويخاطب الوطن مشخصا ” باب الخلق” ولعل القارىء يلحظ الجمال الكامن فى اختيار الشاعر لباب الخلق بالتحديد للولوج إلى داخل الوطن وهو هنا يتسق مع انتمائه الفكرى إذ يتماهى الوطن مع الخلق / الشعب وهو مفهوم واضح عند القوميين واليساريين العرب فالوطن لا يعنى عندهم سوى ” الخلق ” و كل ما توحى به تلك المفردة التى تصبح ” الجماهير أو الشعب ” فى سياقات أخرى غير السياق الشعرى، يقدم الشاعر إذن مبررات تلك الرغبة فى الدخول إلى وطنه وهو ما يعنى أنه يقف خارج هذا الوطن رغم أنه يعيش بداخله من الناحية الفيزيقية

وما يعنى أيضا أن ثمة عوائق تمنع هذا الصوفى العاشق المنجذب/ المجذوب من الدخول لحضرة هذا المعشوق المتأبى، فالشاعر لا هم له سوى أن يكون واحدا من ” عشاق ” هذا الوطن دونما انتظار لشىء محدد فالقصيدة لا تخبرنا عن غرض ما لتلك الرغبة، وسنلاحظ أيضا استمرار تلك الحالة الصوفية التى يتضح فى القصيدة الثانية أنها ترتكز على المفهوم الشعبى للصوفية الذى يعرف ” بالدروشة” مع التذكير أننا هنا لا نصدر معاييرا قيمية ولا نقلل من احترامنا لتلك الممارسات التى ننظر إليها كجزء من تراث الشعب المصرى وملامحه الثقافية ولاسيما حين يتعلق الأمر بجموع الفقراء، يقول الشاعر فى قصيدة “المريد” سبحانه من سواك/ عود غاب بيطرح تين/ وفاكهه للمساكين/ وناى بيعزف ترنيمات المريمات”، نلاحظ طبعا هذا التصوير البديع لعلاقة المساكين بعزف الناى الذى يصبح لحنه شبيها بأكل التين ومن ثم لا نندهش من حقيقة أن بكاء المريد يصبح وسيلته للعبادة وتتحول ” حبات/ قطرات الدموع إلى سبحه” ويسعى الدرويش/ الشاعر فى أرض الله الواسعة سعيا لزيارة جميع الأضرحة وللذكر فى كل مكان يمكن أن يدل على ملمح من ملامح الوطن وهو ما يراه الشاعر على عبد العزيز ضرورة حتمية هربا من حداثة لم تمنح الوطن سوى مخلفات الشعوب الأخرى، حداثة مزيفة وقاتلة تعبر عنها تلك السفن التى لا تجلب لنا سوى ” الموت والمرض وبذر الفقر” وتعود محملة ” بلؤلؤ البحر والبترول” بحسب تعبير الشاعر سمير عبد الباقى،

كما تعبر عنها حروب الإبادة الحديثة التى تتعرض لها كل الشعوب التى تقاوم الهيمنة و هو ما يعبر عنه على عبد العزيز حين يقول مستنكرا” هو انت واقع من حصان غازى/ والا الغزاة وزعوا الأرض ع الأوغاد / وسابوك تدافع عن وطن مش ليك!!!!
وفى فى قصيدة “على عبد العزيز ” طلعت أخاف” وهى القصيدة الثالثة فى ديوانه ” قبل النهاية بمشهدين” الصادر فى سنة 2010 عن الشركة العالمية للنشر والتوزيع، فى هذه القصيدة التى مطلعها “طول عمرى شاطر ف النشيد- لكنى فى قواعد اللغة عيل بليد-، نستطيع أن نتعرف هنا على الطفل الذى أصبح الشاعر وعلى الشاعر الذى مازال طفلا متفوقا فى ” النشيد – أى فى الشعر، لكنه “بليد” فى قواعد اللغة، إن حرية الغناء والإنشاد هنا مرهونة بالتمرد على قواعد اللغة التى يصبح الفشل في قواعدها اختيار اللاوعى فالشاعر يصف نفسه ” بالبلادة” لكننا نفهم العكس تماما، إذ البلادة هى الحكم الخارجى للقهر ولهؤلاء الذين يضعون لنا القواعد، وعبقرية تلك البداية أنها لا تعنى مطلقا أن الشاعر يتخلى عن اللغة أو يعجز عن نطقها ولكنه بالأحرى يتمرد على إصرار العالم الخارجى- أى “القهر” على فرض قواعده، يقول عبد العزيز:- ” ف الإنشا أفرح وانتشى فى الإملا صفر-

و هنا نتأكد أن الشاعر- أى “الطفل “قادر على ممارسة الحياة – أى الغناء- أو البناء، لكنه يرفض أن يصبح مطالبا بترديد القواعد التى يفرضها ” المدرس” الذى يستخدم العقاب- أى القهر رغم معرفتنا أن الطفل ينشد النشيد ويبنى جمل الإنشاء بشكل تلقائى دون أن يقترن ذلك بوعيه بالقواعد لأن الوعى بالقواعد من المؤكد سوف يسبب له الإحباط والعجز، أما القاهرون فهم مشغولون بالنظم والقواعد التى تبرر سطوتهم والنتيجة طبعا كراهية الطفل للمدرسة والنظام والمدرسين باستثناء معلم اسمه ” السيد المر” لماذا ؟ يقول الشاعر عن هذا المعلم ” كان التاريخ وباك ألذ من العسل|” ، ولا داعى هنا لتبيان تلك الروعة فى مقابلة المر بالعسل لأننا هنا إزاء بداية تشكل الوعى المبنى على إعادة تفسير ما ترسله الحواس وليس التسليم به أو الخضوع له بلا تمحيص، لأن السيد المر ليس مرا على الإطلاق كما يبدو فى الظاهر، يقول على عبد العزيز ” كان فيه عيال ويا الفطار شاربين حليب- وأنا شايى مغلى سكره دايما خفيف- ضعيف نحيف وبتكسف م الشورت فى حصص الرياضة- ،هنا سنلحظ كيف يتناول على عبد العزيز وعى الطفل بموقعه الطبقى دون استخدام مصطلحات فوق وعى الطفل أو دون التدخل الفج لعلى عبد العزيز القومى الناصرى وهذا ما جعلنى كقارىء استمتع بقصيدته التى تلمح ولا تصرح والتى التزمت بالموقف الذى طرحته منذ البداية وهو موقف الطفل على عبد العزيز وليس موقف الشاعر على عبد العزيز. يقول الشاعر:” ضرب الجرس والحوض كأنه ميدان قتال- بين التتر وأى حد- قلت انزوى جوه الجنينه شدنى عيل تخين- عرفت إن الورد حاجزينه الحرس- فطلعت أخاف من كل يافطة- مكتوب عليها ممنوع وحاذر واحترس-، أظن أننا هنا مقتنعون بقدرة الشاعر على عبد العزيز على تشكيل نص يتجاوز الصخب الإيقاعي الذى أوقعه قبل ذلك فى كتابة قصائد ليست قطعا بعمق قصيدة ” طلعت آخاف”

%d مدونون معجبون بهذه: