عزة حسين تكتب ل مصر المحروسه . نت : مسعود شومان والمؤتلف والمختلف….حكاية نصف قرن من قتل الشعراء

0 23

في كتابه الفائز بجائزة “نجم” شومان يدين الخرس النقدي تجاه شعر العامية

منذ الوهلة الأولى يشي عنوان الكتاب البحثي الأحدث للشاعر والباحث المصري مسعود شومان “المؤتلف والمختلف.. قراءات في شعر العامية المصري” باتساع وانفتاح موضوعه وضخامة حقله البحثي؛ فالكتاب الذي حاز مؤخرًا جائزة الشاعر أحمد فؤاد نجم لنقد شعر العامية، يتصدى للمنجز الإبداعي الهائل لشعر العامية، المتواتر منذ ما يزيد على نصف قرن، دون أن يصادف جهدًا بحثيًا أو نقديًا موازيًا، ما كرس لاعتباره شعرًا من الدرجة الثانية، أو أنه فن العوام الذي لا يرقى للتدوين والدراسة.

عزه حسين


ومن هذه الإشكالية تحديدًا انطلق شومان في كتابه الذي يمثل الجزء الأول من موسوعةٍ من ستة أجزاء، تهدف إلى التعريف بتضاريس الخريطة الإبداعية لشعر العامية وأجيالها المتنوعة فى فترة مفصلية من تاريخ مصر، ساهم فيها شعر العامية، كما يشير مسعود، بقدر كبير فى الحراك الثقافى المصرى، وبالتالى فى الحراك الاجتماعى والسياسى.
العامية وعزلة النقد
في كتابه يدين مسعود شومان حالة الخرس النقدي تجاه شعر العامية، وعدم التصدي لدراسته بشكلٍ يليق بمنجزه، لافتًا إلى أنه رغم مرور أكثر من نصف قرن على ظهور مصطلح “شعر العامية” ـ بوصفه ليس امتدادًا للزجل، وإنما أحد الأنواع الكتابية الجديدة التى فارقت العمود الشعرى ـ لازال النقد يتحفظ عن المتابعة، ويحجم عن ملاحقة هذا “الطوفان الإبداعى”، مرة لأسباب معيارية خاصة بالفهم الضيق من قبل النقاد للشعر ولغته، وأخرى لأسباب سياسية ودينية، وثالثة لعدم إدراك النقاد لمفاتيح هذا النوع الشعري لأنه يحتاج لامتلاك أدوات جديدة، ما جعلهم يستسهلون النفي واعتبار شعر العامية إبداعًا من الدرجة الثانية.


ويلفت شومان المضطلع بدراسة وتقصي الجذور البحثية والجمالية لشعر العامية على مدى 25 عامًا، أسفرت عن نخبة من الدراسات البحثية الهامة مثل: “الخطاب الشعري في الموال.. دراسة تحليلية في تشكيل النماذج الإنسانية، و”مربعات ابن عروس” (دراسة وتحقيق)، و”مساحات الالتباس والوعي بالنص الشعبي”، و”الموسوعة المصرية للأغنيات الشعبية” وغيرها من الدراسات التي جعلت البعض يعتبره مؤسسة بحثية مستقلة، يلفت إلى أن كتابه مجرد صرخة في وجه المؤسسة الثقافية لإنجاز قاعدة معلوماتية ليس لشعر وشعراء العامية فحسب وإنما لغيره من الفنون، موضحًا أنه ليس من بين أهداف الكتاب إعداد مسحٍ شاملٍ لشعر وشعراء العامية في كل مصر، أو التعريج على السمات الجمالية التي يختص بها أحد الشعراء عبر دراسة كاملة لأن ذلك يحتاج – بحسبه – إلى كتائب من الدراسين، خاصةً في ظل غياب تاريخي عن دراسة هذا اللون الشعري، وإنما الوقوف على أهم الاتجاهات الشعرية والظواهر التي تجلت في شعر العامية، بوصفه تجليًا بالغ الأثر في حركة الشعر الحديث.
الثالوث المؤسس وعلاقته بالجذور
يحتشد كتاب “المؤتلف والمختلف” بالدراسات التطبيقية حول ملامح شعر العامية وتجلياتها عبر إنتاج شعرائها بدءًا من الرواد الأوائل، ومرورًا برواد الموجة الثانية، ثم التعريج على شعراء السبعينيات وحتى شعراء جيل الثمانينيات. وهو يرتكز في تناوله للشعراء المؤسسين تحديدًا على علاقة هؤلاء الشعراء بالمصادر الشعبية، فتحت عنوان جامع هو “الإبداع بالعامية .. آليات استلهام التراث والمأثور الشعبي” يتناول مسعود بالدراسة تجارب رواد شعر العامية الثلاثة: فؤاد حداد وصلاح جاهين، وفؤاد قاعود، وعلاقتهم بالتراث، استلهامًا ونفيًا، وفي هذا السياق لا يفوته التأكيد على مفارقة تجارب هؤلاء لتراث الشعر الشعبي، وفن الزجل الذي كان بيرم التونسي آخر رواده.
ويرى مسعود أن التأريخ لشعر العامية المصري يبدأ من عند فؤاد حداد، ويصفه بالشاعر المؤسس لهذا اللون، فهو لم يشيد أبنيته على أساسات ابن عروس والنديم وبيرم التونسي، وإنما شيد صرحًا شعريًا قائمًا بنفسه، دون أن يعني ذلك تخليه عن تراث جماعته ومأثورها، لذا تعد تجربته واحدة من أكثر التجارب طرحًا للقضايا الإشكالية، لأنها تشتبك مع كلٍ من التراث والمأثور الإنساني العربي الشعبي، عبر عدة مستويات وعبر عديد الموتيفات الشعبية.
أما صلاح جاهين ثاني أضلاع المثلث الشعرى للعامية المصرية فهو يعد إضافة هائلة لهذ اللون، ورغم أنه لم يكن ابنا ـ طبقيًا ـ للجماعة الشعبية، لكن استطاع تشرب الأغانى الشعبية، والمواويـل، والأزجال والمربعات وغيرها، حينما كان يتنقل مع والده‏ في طفولته بين محافظات مصر، ومن خلال ارتحالاته استطاع عبر مشاهداته بعينه اللاقطة، وأذنه القادرة على اصطياد ‏الموسيقى، ووعيه الحاد باللون، واتقاد ذهنه فى استلهام أشكال شعرية شعبية، أن تكون له هذه الفرادة فى كتاباته المتنوعة.
فيما كان الشاعر فؤاد قاعود ضلعًا متممًا لهذا المثلث، وتعد تجربته واحدة من أهم التجارب الشعرية المتفردة، وصاحبة الصوت النقي، فهى كتابة لا تشبه إلا ذاتها. نجحت في أن تنحت خصوصيتها التي جمعت بين جموح فؤاد حداد وحكمة جاهين، صانعةً ما وصفه مؤلف الكتاب بالعلاقة الوجودية بين الشعر ودوره الاجتماعي والجمالى.
وتأتى الموجة الثانية التى تضم الشعراء: عبد الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، وأحمد فؤاد نجم وحجاج الباى وزين العابدين فؤاد، وعبد الرحيم منصور، ومجدى نجيب، وسمير عبد الباقي وغيرهم، لتقدم بصمة جديدة، حيث انشغلت بالروح المصرية فى بعدها القومى، مقاربة للأيدولوجية التثويرية والانشغال بالقضايا القومية آن ذاك، لكن حمل كل واحدٍ منهم ملامحه الشعرية التى تشكلت عبر خصوصيته المكانية وثقافته وحجم موهبته.
وبالإضافة لهؤلاء الشعراء ومن سبقهم من جيل الرواد، يتناول كتاب “المؤتلف والمختلف” دراسة عدد من شعراء السبعينيات والثمانينيات، ويُلحق الكتاب ببليوجرافيا بالشعراء المدروسين، فضلا عن كشاف ـ تجريبى ـ يوثق لدواوين شعر العامية المصرية الصادرة فى الفترة من (1980: 2015)، يأمل المؤلف أن يكون خطوةً فى طريق توثيق إنتاج هذا اللون الشعري الذي ظُلم طويلًا، كما يضع الكشاف جزءًا كبيرًا من نتاج هذا النوع الإبداعى أمام حركة النقد فى مصر.
شعراء العامية وغواية الرحيل المبكر
أيضا تعرض كتاب مسعود شومان لواحدة من أبرز الظواهر الإنسانية والإبداعية المرتبطة بشعر العامية المصري ومبدعيه، وهي الرحيل المبكر لهؤلاء الشعراء، فرغم كونها ملمحًا ملحوظًا جدًا على مدى العقود الأخيرة، إلا أنها لم تجد درسًا بحثيا عربيًا قبل دراسة مسعود الذي وصفها بأنها ظاهرة جديرة بالدراسة.
في هذا السياق يطرح مسعود عددًا من الأسئلة المتواترة مثل: هل لموت الشعراء علاقة بنوع الكتابة، أم بوضعية هذا النوع فى سياق الكتابات النوعية الأخرى، أم بانحصار أماكن النشر والتعامل مع هذا النوع من الشعر بوصفه “درجة ثانية” على أحسن تقدير،أم بحصار هذا النوع من الشعرومحاولة تثبيته عند حدود الإلقاء فى الندوات والأمسيات، أم بقلة الجوائز الممنوحة له، أم بالنضج المبكر، أم بالوعى بالمجتمع أم بتحقيق الشهرة فى سن صغيرة، أم له علاقة بالتكون الاجتماعى، أم تقف العلاقة عند المستوى الطبقى الذى ينتمى له الشاعر، وهل يؤثر المستوى اللغوى وطرائق الإبداع والبحث عن الجديد فى الوصول للموت بوصفه أحيانا ليس نهاية للحياة، لكن بوصفه بداية الخلود واللمعان والاهتمام بالراحل، وهل الرغبة فى التجاوز وتفجير اللغة والخروج عن الثابت والمألوف يصل الشعراء بطريق الموت أم أنه يضعهم فى قلب الحياة؟….، وفي محاولة لمقاربة الإجابة يسوق الشاعر عددًا من الدراسات لباحثين غربيين كـ”كوفمان” وفيليشار لي” وآخرين، لكنه يعود ليؤكد أن أسباب موت الشعراء في مصر مجافية للنتائج التي خرجت بها هذه الدراسات حول نفس الظاهرة في الغرب والتي يدور مجملها في فلك الاضطراب العقلي والربط مابين العبقرية والجنون والنزوع للانتحار، مشيرًا إلى أن النتائج التى توصلت إليها هذه الدراسات ـ قليلة العدد ـ كانت ستتغير لو أدخلت ضمن حساباتها عدد الشعراء الذى رحلوا مبكرًا من العرب.
أما في مصر فيشير مسعود إلى أن قراءة حال الشعر المصرى خلال ربع قرن مضى ستؤكد على رحيل شعراء العامية فى سن مبكرة كظاهرة بارزة، حيث يقف المتتبع مندهشًا أمام رحيل عدد كبير من الشعراء، وستزيد الدهشة حين نطالع أسماء شعراء العامية من الراحلين سواء من حققوا شهرة ومكانة كبيرة أو من لم يقدر لحياتهم أن تمنحهم الذيوع، وقد رصد الباحث في هذا السياق عشرات الأسماء مثل: فؤاد حداد، صلاح جاهين، حجاج الباى، فؤاد قاعود، زكى عمر، مجدى الجلاد، محمد إبراهيم أبو سعدة، محمد النبوى سلامة، محمد حمد، محمد صابر مرسى، كامل حسنى، عبد الدايم الشاذلى، أحمد عبيدة، عمر نجم، خالد عبد المنعم، مجدى الجابرى، أسامة الدناصورى، محمد عبد المعطى، محمد الحسينى، وغيرهم، وهي القائمة التي تشير إلى رحيل عدد كبير من شعراء العامية فى جيل الثمانينيات فى سن مبكرة، فمعظم من رحلوا لم يكملوا 50 عامًا، بل إن بعضهم لم يكمل عامه الثلاثين.
وهنا يلفت الباحث النظر إلى أن ظاهرة موت عدد كبير من الشعراء فى هذا الجيل ربما ترجع فى أحد أسبابها إلى النفى الذى تم بقصد أو بسوء نية، لجيل الثمانينيات الذى يمثل قنطرة بين جيلين، عبرت عليها التغيرات السياسية والاجتماعية الحادة، فضلا عن الإهمال النقدى الذى لقيته هذه المرحلة، فظل النقاد يتابعون شعر السبعينيات والتسعينيات، وكأن جيلا كاملا قد سقط من حسابات التأريخ والمتابعة النقدية.
وهكذا يعود الشاعر والباحث مسعود شومان ليؤكد أن ما لحق بشعر العامية وشعرائها طوال النصف قرن الأخير كان أشبه بالقتل العمد، كاشفًا عن مسئولية هذا السياق الملتبس عن موت “شعراء عظام”، دون أن يلقى شعرهم ما يليق به من متابعة، فضلًا عن آخرين لا يزالون يعيشون بيننا فيما يواصل النقد سكوته “المريب” تجاههم!.

%d مدونون معجبون بهذه: