مصطفى نصر يكتب : الأدب وأكل العيش..!!

0 111

الفقر أذل الكثير والأعمال اليدوية قضت على عشرات المواهب


يحكون عن كاتب كان يطارد نجيب محفوظ في جلساته في الإسكندرية، وقد كانت ملابسه مكرمشة دائما، وحذاؤه ممزقا ولونه باهت. فضاق ثروت أباظة من وجوده معهم، خاصة أنه كان الجالس الوحيد بينه وبين نجيب محفوظ في ذلك الوقت؛ فقال له:
– يا بني، أريد أن أتحدث مع نجيب بك في موضوع، يا بني أبحث عن أكل عيشك الأول، أنا ونجيب بك أمّنا حياتنا قبل أن نتفرغ للأدب.
أقرأ أحيانا مقالات تدعي أن معاناة الأديب تفيده في كتاباته، طبعا كُتاب هذه المقالات يعيشون في وهم سخيف، فالكاتب الكولمبي الأشهر جابريل جارسيا ماركيز؛ كان يضبط جهاز التكييف في الحجرة التي يكتب فيها إلى درجة تريحه في الكتابة، بينما أعرف مواهب كثيرة ضاعت بسبب معاناة الحياة، فقد قابلت كاتباً مسرحيا سكندريا موهوبا، فرضت عليه زوجته وحاجته إلى المال أن يعمل عملا أضافيا يعود منه بعد منتصف الليل، فينام دون أن يقرأ أو يكتب كلمة، وابتعد عن الحركة الثقافية وانتهى، وآخر كان مبشرا في كتابة القصة القصيرة، لكنه عمل في شركة استثمارية يعمل فيها منذ الصباح إلى الليل، فمن أين يجد الجهد والوقت ليقرأ أو يكتب؟!
وقد كنا في لاتيليه الإسكندرية في لقاء مع الكاتب محمد المخزنجي، ووقف زميلنا علي كرار، وقال إن دولة الكويت استقطبت محمد المنسي قنديل ومحمد المخزنجي ومحمد مستجاب، لكي تحرم مصر من مواهبهم الواضحة، فقال له المخزنجي:
– طيب قول إن ظروف مصر الاقتصادية أدت إلى أن نلجأ للعمل في الكويت.
وعندما قرأت مذكرات سكرتير أحمد شوقي- أمير الشعراء- تمنيت أن أكون في ثراء شوقي، فقد أعانته حالته المالية المزدهرة على أن يكتب ما يريد، فكتب في مجالات متعددة. وكذلك فعل محمد ومحمود تيمور ووالدهما أحمد تيمور وعمتهما عائشة التيمورية؛ فقد ساعدتهم حالة الرخاء والغني التي يعيشون فيها على أن يكتبوا ويبدعوا في مجالات كثيرة.
بينما حافظ إبراهيم في حاجة إلى وظيفته لينفق على أسرته، فلم يعط لشعره العناية الكافية، ولم يهتم بجمعه ونشره. ويحكي الدكتور محمد الدسوقي – سكرتير طه حسين في كتابه: ” طه حسين يتحدث عن أعلام عصره “:
وقد أنشدنا حافظ إبراهيم في جمع من الأدباء والساسة قصيدة مطلعها:
قد مر عام يا أميم وعام وابن الكنانة في حماه يضام
وكانت القصيدة نقدا لاذعا للحياة السياسية في البلاد، فقلت لحافظ:
– لماذا لا تنشر هذه القصيدة؟
فقال: أخاف أن أحال على المعاش.
ويقول طه حسين في هذا الكتاب: لقد قاسى حافظ كثيرا في حياته وكان الأمام محمد عبده يعطف عليه ويعطيه كل شهر مبلغا من المال، كما كان يعطف عليه كذلك سعد زغلول.
رجل يعيش في هذه الظروف الصعبة؛ فكيف سيفكر في الشعر وفي جمعه ونشره، وأولاده في انتظار المال الذي سيشترون به الطعام والكساء؟! فعباس محمود العقاد مثلا، لو كان أكثر غني لأعطى للمكتبة العربية أكثر مما أعطى.
**
وقد قابلت في حياتي بالإسكندرية العديد من الكتاب الموهوبين، فقرهم كان حائلا بينهم وبين الاستمرار في الحياة الأدبية، معظمهم لم يحصلوا على قدر معقول من التعليم. فعملوا أعمالا يدوية، منهم الخياط والمكوجي والنقاش، وبائع اللب والسوداني. وأذكر صديقي مصطفى بلوزة الذي بدأنا الطريق معا، وكان يعمل في دكان خياط مشهور اسمه مصطفى ياقوت خلف سينما مترو. وأعلنت مديرة الثقافة عن زيارة أحمد هاشم الشريف للندوة في يوم كذا، وطلبت من محمد حافظ رجب أن يختار ثلاث قصص لتُقرأ أمامه، فاختار قصة لسعيد بدر وقصة لبلوزة وقصة لي، ويوم الندوة، لم يستطع مصطفى أن يأتي، فكان عليه أن ينتهي من خياطة بذل بطريقة ملحة. وابتعد مصطفى بلوزة تدريجيا حتى انتهى أثره كأديب. وكان الكاتب عبد الله الوكيل – سليل أسرة الوكيل الثرية والسياسية المعروفة – يسخر من الأدباء المهنيين فقد عقدت له ندوة في قصر ثقافة الحرية، وكان الرواد قلة، فسأل المجاور له في جدية:
– أمال فين المكوجي والخياط والنقاش وبتاع السوداني واللب؟
مصطفى بلوزة الذي كان خياطا وسعيد بدر الذي كان يمتلك محل خياطة حريمي في الإسكندرية، وأحمد حميدة الذي كان مكوجيا وغيرهم من أصحاب المهن، كانوا على درجة عالية من الموهبة والخبرة الحياتية، فقد عايشوا أحداثا غريبة، لم يعشها غيرهم ممن تعلموا ويعملون في وظائف هادئة براقة، كانوا وسط خيارين أحلاهما مر، فلو عملوا أعمالهم اليدوية العادية؛ لن يجدوا الوقت الكافي للقراءة ولتطوير كتاباتهم، وإذا ضحوا بمهنهم وعملوا أعمالا بسيطة ليجدوا الوقت للقراءة والمتابعة؛ عاشوا في ظروف معيشية صعبة، فقد ترك الشاعر والباحث الكبير عبد العليم القباني دكان الخياطة البلدي الذي ورثه عن والده، وعمل موظفا بكلية آداب الإسكندرية بدون مؤهلات، وترك محمد حافظ رجب عمله كبائع لب وسوداني وفستق بمحطة الرمل وعمل موظفا في المتحف اليوناني الروماني، فعاني الاثنين من ضآلة الوظيفة وضآلة المرتب، وسوء معاملة رؤسائهم. فقد حكى لي محمد حافظ رجب وهو حزين، بأنه أهدى نسخة من كتاب جديد له؛ لرئيسه في المتحف، على أمل أن يغير طريقته السيئة في معاملته، ففوجئ به، يزداد تعنتا وقسوة عليه.
وشاعر موهوب آخر اسمه عبد السلام بدر، كتب أغاني لكبار الملحنين والمطربين، أضطر أن يقيم كشكا لبيع السجائر والحلويات أمام كوبري الإبراهيمية، لينفق على أسرته، فجاء ” ونش الإزالة ” وحمل الكشك ليضعه على سيارة نقل، فتعلق به، ووقع من ارتفاع هائل، فتكسر عظمه، وظل في مستشفي العظام لخمس سنوات، كلما التحم العظم، قام اثنان من الممرضين بنشر الجبس بمنشارين يدويين متقابلين، وبطريقة بدائية تؤدي لعودة الكسر ثانية. وتتكرر عملية التجبيس مرة أخرى، أي عذاب عاناه عبد السلام بدر لفقره. إلى أن عاد من أمريكا صديقه القديم مكرم عبيد، فزاره بالمستشفي، وعلم بما يحدث له من عنت، فقدم لمدير المستشفي مبلغا كبيرا من المال، لكي يتم نقله إلى العلاج بالأجر بنفس المستشفى، فهناك يزيلون الجبس بمنشار كهربائي، وتم نقله فعلا وشفى وخرج من المستشفى بعد ثلاثة شهور فقط. وظلت آثار التجبيس الخاطئة تطارده وتؤلمه إلى أن مات.
وكامل الإسناوي مؤلف أغنية عنابي لكارم محمود وحبة حبة لشادية وإيه الحلاوة دي لعبد اللطيف التلباني، وغيرها من الأغاني الناجحة؛ ظن أن كتابة الأغنية ستغنيه، فترك عمله ككمساري في إدارة النقل العام. وحكى لي صديق، بأنه كان جالسا في كافتيريا بالقاهرة يرتادها الفنانون من مطربين وموسيقيين ومؤلفي أغاني، وكان معه زميل موسيقي على درجة عالية من الثراء، فوجدا الساقي يتشاجر مع كامل الإسناوي، فقد طلب مشروبات كثيرة ولم يجد نقودا لدفع ثمنها، فدفع الموسيقي الثري ثمن الطلبات، وجلس الإسناوي معهما يحكي مأساته، فقد خسر كثيرا عندما ترك عمله الأساسي، ظنا منه، أن الأغنية ستغنيه. وأضطر أن يعمل كاتبا في صالة موبيليات بطريق الحرية إلى أن مات دون أن يحس به أحد.
ويحكي فتحي قورة – كاتب الأغنية اللامع الجميل – بأنه في أول حياته، طارد المنتجة آسيا لكي تأخذ منه أغاني للأفلام التي تنتجها، فضاقت بإلحاحه وأعطته عشرة قروش، وقالت له: حانبعتلك.
واضطر أن يبيع أغانيه لمؤلفين أقل منه جودة وموهبة. وبينما كان يسير في الشارع، سمع أغنية من أغانية تذاع في الراديو، وذكر المذيع اسم مؤلفها – الذي اشترى منه الأغنية – فبكى فتحي قورة حزينا.
ويلخص الشاعر أبو الحسين الجزار هذه المشكلة في شعره:
لا تلمني مولاي من سوء فعلي عندما قد رأيتني قصاباً
كيف لا أرقي ” الجزارة ” ما عشت قديماً وأترك الآدابا
وبها صارت الكلاب ترجيني وبالشعر كنت أرجو الكلابا

%d مدونون معجبون بهذه: