سفير دكتور نعمان جلال يكتب ل مصر المحروسة . نت : إطلالة علي هوية مصر عبر العصور

0 394

         

بعد تأليف ثلاثة كتب تناولت هوية مصر مباشرة، وعدة كتب أخري عن موضوعات تناولت بعض أبعاد تلك الهوية مثل دور الأقباط، وحقوق الإنسان، والسياستين الداخلية والخارجية.ونشير فيما يلي لبعض تلك المؤلفات التي تناولت فيها مفهوم الهويةالمصرية أو بعض جوانبها وأبعادها:  

الأول مشترك مع الدكتور مجدى المتولي المستشار بمجلس الدولة وقد صدر عن الهيئة العامة للكتاب في عام 1997 وصدرت الطبعة الثانية منه في سلسلة مكتبة الأسرة عام 2001.

الثاني بعنوان” هوية مصر في عالم متغير: رؤية إستشرافية” صدر في سلسلة كتاب الجمهورية عام 2016.

والكتاب الثالث صدر من الهيئة المصرية العامة للكتاب باللغة الإنجليزية بعنوان “

. Egyptian National Identity In International Context 1998

والكتاب الرابع صدر باللغة الإنجليزية أيضا من دار نشر بالباكستان بعنوان:

Dynamics of the Egyptian National Identity, Sang–E Meel Publications Lahore, Pakistan, 1998 .

والكتاب الخامس بعنوان” مصر العروبة والإسلام وحقوق الإنسان” نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1999.

والكتاب السادس بعنوان” ثورة 25 يناير: “إطلالة إستراتيجية علي الأبعاد الداخلية والخارجية” نشرته مطبعة خاصة ووزعته مؤسسة الأهرام عام 2011، وتناول الأحداث آنذاك وبعض أبعاد الهوية المصرية الداخلية والخارجية ومنها البعد القبطي والبعد الإسلامي والبعد العربي والبعد الأفريقي.

والكتاب السابع أيضا عن ” أثر حرب أكتوبر في الحياة العامة وفي سياسة مصر الخارجية” وهو كتاب مشترك مع الدكتور مجدى المتولي المستشار بمجلس الدولة. وصدر من الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1994. وهو من أوائل الكتب التي نشرتها مرتبطة بمفهوم الهوية المصرية، وأبعادها ودلالات نصر أكتوبر 1973 علي الهوية المصرية والسياستين الخارجية والداخلية.

وتناولت  في مؤلفات أخري ومقالات عديدة الدور التاريخي والبناء للقوات المسلحة المصرية منذ نجاح الملك مينا في توحيد القطرين عام 3220 ق . م إلي ثورة 1952 وما بعدها حتي نصر أكتوبر 1973 ومقالات عديدة عن دور القوات المسلحة في منع الفوضي ومنع إستيلاء قوى سياسية متطرفة “الإخوان المسلمين” علي ثورة أو إنتفاضة 25 يناير 2011م، ثم ما أحدثته ثورة 30 يونيه عام 2013 من نتائج إيجابية ضمنت إستمرارية هوية مصر المتعددة الأبعاد من الفرعونية ثم القبطية ثم الإسلام، فالعروبة بالإضافة للبعدين الأفريقي المرتبط بنهر النيل، والدور العالمي لمصر مثل سياسات عدم الإنحياز، وعضوية الإمم المتحدة ودور مصر في تحرير الدول العربية والأفريقية من الإستعمار البغيض. وقد استلزم إعداد هذه المؤلفات قراءة العديد من الدراسات والكتب عن مصر وتاريخها وحضارتها ، بما في ذلك كتاب “شخصية مصر” للإكاديمي المشهور جمال حمدان والذي أصدره في  طبعات ما بين الإيجاز مثل طبعة سلسلة  كتاب الهلال    والاطناب في عدة مجلدات مثل المجلدات الاربعة من دار نشر عالم الكتب وكتاب الأستاذة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عن شخصية مصر الصادر عام 1967 وغيرهم والمعارك التي قادتها الدكتورة نعمات أحمد فؤاد والاستاذ الدكتور حامد عبد الله ربيع ضد  توجه الرئيس انور السادات  لدفن نفايات نووية في هضبة الأهرام وهي معركة جعلتهما مفكرين ثوريين وحريصين علي تراث مصر وحضارتها.

بإختصار إنني في كتاباتي العديدة كنت مشغولاً ب “هوية مصر” وما أزال كذلك وربما السبب الرئيس هو حياتي الدبلوماسية وإنشغالي في الدفاع عن مصالحها في العديد من الدول، وهذا ثابت بوجه خاص في أثناء عملي في الأردن والإمارات العربية المتحدة والنرويج والهند وباكستان والصين  والإمم المتحدة  وممثلا لمصر في جامعة الدول العربية . ثم عملت في مملكة البحرين  قبل المعاش وبعده . وهذا الإنشغال مسجل في مبادراتي في بعض تلك الدول وفي مؤلفاتي عبر السنين وفي مقالاتي الصحفية في مختلف الصحف البحرينية، وفي مداخلات في المؤتمرات الدولية بالصين والهند والباكستان  والنرويج بل في تركيا منذ قبل الأزمة الراهنة معها عندما ذهبت ممثلا لمركز البحرين للدراسات والبحوث لإسطنبول  للمشاركة في مؤتمر عام 2006 وفي الهند  عام 2008 في مواجهة يهودي إسرائيليِArnon Soffer  الذي هاجم مصر وسياستها تجاه نهر النيل وممارساتها غير الطيبة أو غير السليمة تجاه دول حوض النيل مستندا لكونه مستشارا لتلك الدول، وكان معه كتابه المشهور وهو بعنوان .

Arnon Soffer , ” Rivers of Fire: The Conflict over Water in the Middle East”, Rowman &Littlefield Publishers , inc, New York 1999.

وقد نشرت خلاصة ما حدث في جريدة الأخبار المصرية بعد المؤتمر. وكذلك فعلت نفس الشيء في مؤتمر بالهند عن الأمن الإقليمي  ، وكنت أيضا ممثلا لمركز البحرين للدراسات والبحوث في مواجهة إنتقادات إيرانية، وفي مؤتمر بالهند عندما كنت مستشارا بالسفارة في مؤتمر في مواجهة بعض الأكاديميين الهنود المعارضين لكامب دافيد والمؤيدين لجبهة الرفض العربية آنذاك، وفي النرويج في مواجهة صحفية مع سفير ، وكنت آنذاك سكرتير أول بالسفارة المصرية حيث حصل السفير المتميز جمال نجيب علي قرض لمصر بما يعادل  حوالي 100 مليون دولار فانتقد السفير الإسرائيل ذلك ، وقمت بالرد عليه في الصحف. هذه بعض المواقف وغيرها كثير ولا يكفي هذا المقال لعرضها وذلك كله ثابت في سجلات وزارة الخارجيةالمصرية.ويسعدني أن أشير لنجاحي في تغيير البروتوكول الصيني لكي يوافق الرئيس الصيني جيانج تزمين علي زيارة ثانية لمصر ( بالاسكندرية التي كانت عاصمة مصر في العهدين الإغريقي والبطلمي )عام 2000 أثناء زيارة لإسرائيل وبعض دول الجوار لمصر وغير تلك المواقف كثير .

ودافعي لهذا المقال هو إبراز بعض العناصر الأخري لهوية مصر، وقد تناولها أكاديمي مصري هو الدكتور أحمد سيد محمد ، وصدرت منه أكثر من طبعة إذ صدرت الطبعة الأولي عام 1978 والثانية عام 1992 من دار المعارف، ومما لفت نظري في هذ الكتاب إختلافه عن مؤلفاتي السابق الإشارة إليها فى أربعة أمور:

الأول: إنه يحمل عنوان ” الشخصية المصرية في الأدبين الفاطمي والأيوبي”، وقد تناول في الفصل التمهيدى أبعاد وخصائص وسمات الشخصية المصرية منذ أيام الفراعنة حتي العصر الحديث.

الثاني: إن المؤلف تناول  ما أسماه “الشخصية المصرية والقومية المصرية” وبعبارة أخري الترابط بين مفهوم الشخصية ومفهوم القومية.

الثالث: إن معظم الكتابات للمؤلفين الأخرين حملت عنوان “شخصية مصر” كما هو شأن الموسوعة التي أصدرها الدكتور جمال حمدان من عدة مجلدات، وكذلك هذا الكتاب حمل إسم ” الشخصية المصرية في الأدبين الفاطمي والأيوبي، وقد إستقي مؤلف هذا الكتاب أفكاره من عدة مصادر معتمداً علي الكتب التاريخية ثم ركز علي الأدب في العصرين المشار إليهما.

الرابع: إن نقاط الإختلاف بيني وبين كثير ممن كتبوا في هذا المجال وهو إختلاف وليس خلافا. فالإختلاف من حيث منهج الدراسة حول  شخصية مصر هو إعتمادى علي الدراسات السياسية ومنهج التحليل السياسي وليس التاريخ والجغرافيا فحسب، وذلك بحكم تكويني الأكاديمي للحصول علي الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية ، كذلك دراستي للحضارات الفرعونية والإسلامية والقبطية بما في ذلك الكتب المقدسة للأديان الثلاثة، كذلك الحضارة الصينية وكتابات بعض المفكرين الأوروبيين ونقطة الإختلاف هي أنني ركزت ليس علي مفهوم “الشخصية” وإنما علي مفهوم” الهوية” واعتمدت في ذلك علي كتب بعض الفلاسفة وفي مقدمتهم ” فردريك هيجل” وغيره من فلاسفة الغرب . ومؤلفات وكتابات تلاميذ أبرز مفكر في الحضارة الصينية وهو كونفوشيوس ومفهوم الهوية أوضحته في كتابي السابق ذكره ، ومقالاتي المنشورة فالهوية من الهو” وهو مفهوم فلسفي للتمييز بين الذات البشرية بل الذات الإلهية وبين غيرها من الذوات ” إذ ان لفظ “هوُ” يعبر عن سمات وصفات بالغة الخصوصية . وفي القرآن الكريم مصطلح “الله لا إله إلا هو الحي القيوم.. الخ) والهو بضم الهاء، وهو إسم إشارة حيناً وإسم للذات حيناً آخر.

وهنا أشير بإختصار للنقاط التي ركز عليها كتاب ” الشخصية  المصرية في الأدبين الفاطمي والأيوبي للدكتور أحمد سيد محمد ،ووجدت فيه كثيراً من الأفكار التي عبرت عنها في كتاباتي السابق الإشارة إليها وخاصة البعدين التاليين وهما:

الأول: البعد الحضاري منذ أقدم العصور حيث تميزت مصر بالتسامح وإستيعاب الأجانب رغم خضوعها السياسي وإحتلالها من عدة حضارات في العالم القديم مثل الإغريق، والرومان والفرس والمسلمين العرب، ومن بعض قيادات حكمت مصر من أثيوبيا وليبيا، وهاتان الدولتان الأخيرتان حكمت بعض الأسر منهما مصر، واندمجتا في النسيج الحضاري والديموغرافي المصري، بخلاف دول الإحتلال الأخري التي مارست دوراً إستعماريا، ماعدا المسلمون العرب الذين إندمجوا ديمغرافياً في المجتمع المصري، وأثروا في ديمغرافيته ولكنهم إحترموا أهم أبعاد هوية مصر وهي “التسامح، وعدم وجود مفهوم أقليات عرقية أو دينية، وقد رحب الأقباط بالفتح الإسلامي . ورغم أن مصر كانت تعتنق المسيحية فقد أضطهدها حكامها الرومان المسيحيون أشنع إضطهاد حيث  إستخدموا القتل الكثيف، ولعل أشهرها حوادث ما أطلق عليه في التاريخ القبطى مصطلح “عصر الشهداء” لقد عامل الأباطرة الرومان المصريين معاملة ظالمة خصوصاً في عهد الامبراطور دقلديانوس 249 – 275م وكان من أثر إضطهاد الرومان للمصريين أن فروا إلي الصحراء وظهرت حركة الرهبنة الجماعية حيث يعيش الراهب مع مجموعة من الرهبان في الدير وكذلك الرهبنة الإنفرادية وفيها يتولي الراهب إعداد الطعام والملابس ويهيم في البرية وتسمي الرهبنة المتوحدة ومن أشهرهم الأنبا انطونيوس ولم يعف المصريين من الإضطهاد الروماني إعتراف الدولة الرومانية بالمسيحية وآتخاذها دينا رسميا للدولة في عهد الإمبراطور قسطنطين عام 323م بل واصل الرومان سياسة الإضطهاد ولكن هذه المرة كان السبب نابعا من إختلاف المذهب الديني إذ كان المذهب الديني للمصريين هو المذهب اليعقوبي. وكذلك أبعدوا أهلها عن السلطة والإدارة. أما الحكم الإسلامي في عصوره الإولي فقد اندمج مع أقباطها، وترك الأقباط يتولون المناصب العليا وخاصة ما يتعلق بإدارة  الأموال والثروات والإدارة العامة بحكم خبرتهم التاريخية في هذا الصدد.

الثانى: الظلم في عصور الإسلام المظلمة والقمع حيث ظهرت نوازع تمييز ضد الأقباط وهو ما لم يتضمنه الفكر والمبادئ الإسلامية الصحيحة، التي سادت منذ بداية الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص في عهد الخليفة العادل عمر بن الخطاب. ولعل حادثة إهانة إبن عمرو لأحد أبناء الأقباط وشكوي القبطي  لعمر بن الخطاب الذي أصدر حكمه بمعاقبته إبن عمرو بن العاص حاكم مصر آنذاك، وأمر إبن القبطي الذي أسئ إليه بضرب إبن عمرو قائلاً له” إضرب إبن الأكرمين، وهونفس ما قاله إبن عمرو لإبن القبطى كنوع من الإستعلاء . وهكذا العدالة الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، إعمالاً لمبادئ الإسلام الأصيلة، وكذلك عندما أعتدى بعض المسلمين المتطرفين في بداية الفتح الإسلامي على بعض الكنائس وهدم إحداها قام حاكم مصر آنذاك بإعادة بناء الكنيسة والسماح ببناء الكنائس وممارسة العبادة علي أفضل صورة، حتي جاء عصر الظلام والظلم البين بالإحتلال العثماني، وبظهور حكم المماليك والإقطاعيين والملتزمين والإنكشارية العسكرية في عهد المماليك وسيطرتهم علي الدولة والشعب أيا كانت عقيدته وتوزيع الأراضي والثروات المصرية علي أتباعهم وأنصارهم ومحسوبيهم ، فالظلم أصبح هو القاعدة في عهد المماليك الذين استقدموا كمرتزقة من آسيا الوسطي، ثم في عهد الحكم العثمانى بإسم الخلافة الإسلامية المزعومة، كما هو حال الإرهاب المعاصر باسم الدولة الإسلامية (داعش) والتي لا صلة بينها وبين الإسلام الحنيف، وإنما هم مغيبون عن الوعي، ومجندون من  بعض الإجهزة الأمنية لبعض الدول الغربية والشرق أوسطية مثل إيران وتركيا واسرائيل، وقد عاني الشعب المصري من الجوع ، كما ظهر ذلك في كتابات بعض المؤرخين المصريين في تلك الفترة مثل المؤرخ المشهور عبد الرحمن الجبرتي، وأيضا المؤرخ محمد محمود في كتابه “مصر القرن السادس عشر”  وهكذا.

الثالث: إن الدكتور أحمد سيد محمد عرض لعدة حقائق في القسم الأول المعنون ” تمهيد: الشخصية المصرية ومقوماتها” من ص ص 7-51 ” ومن النقاط التي أبرزها حول أهم سمات الشخصية المصرية مايلي:

الأولي: إن من أبرز خصائص مصر الحضارية تلوينها الحضارات والأمم والشعوب التي إحتلتها بلونها ثم تمتد عملية التمصير لتؤثر علي الحضارة المصرية ذاتها. (ص39)

الثانية: من سمات شخصية مصر الإقتصادية شكوي شعبها على مر العصور من النظام الضريبي وجباية الأموال نتيجة سخط الناس علي حجم الضرائب الزائد عن الحد، وكان التنظيم الضريبي في مصر الرومانية يؤثر في تكوين شخصيتها من عدة طرق لما اتسم به من تعقيدات بيروقراطية شديدة، وما اتسم به النظام البيروقراطي من نقائص إجتماعية مثل النفاق والرشوة وغيرها من صور الفساد السياسى والإداري ونحو ذلك.

الثالثة: إن المكوس كانت بابا مفتوحا أمام الولاة لفرض الضرائب المتعددة الأشكال والألوان وفي عهد الدولة الفاطمية كثرت الضرائب غير المباشرة، وزادت مقاديرها نظراً لقلة الخراج . وقد ألغي صلاح الدين الأيوبي كثيراً من المكوس، وأمر باسقاط المكوس عن كل سنة يزيد مقدار حصيلتها عن مائة الف دينار.

الرابعة:  في مصر الإسلامية (ص 38 ) فقد نهي عمر بن الخطاب جنوده بمصر عن الإشتغال بالأرض: زراعة أو إمتلاكا، وقد أوشك أن يمثل برجل خالف أمره كما ذكر الدكتور أحمد سيد محمد في كتابه الذي نعرض له.

الخامسة: منذ عهد هارون الرشيد في الدولة العباسية 170 – 193ه اتبع الخلفاء العباسيون سياسة إقطاع بعض الأقاليم لبعض رجال الدولة ، ولبعض الشخصيات القريبة منهم . وأعطي الخليفة المعتصم إقليم مصر إقطاعاً لقائده التركي أبي جعفر اشتاس سنه 219 ه وفي الدولة الأيوبية أخذ الإقطاع صفة جديدة إذ دخل فيه العنصر الحربي. فالإقطاع تمثل في إنتفاع الجند بدخل الإقطاعيات المختلفة دون الإستيلاء علي الأراضي للإقامة فيها أو زراعتها ومن غير أن يكون لورثتهم حق الإنتفاع بها. أما في العصر البطلمي فقد  كان الملك هو المالك نظريا لكل أرض مصر دون أن يستحوذ علي الأرض . فهناك الضياع وهي الأرض التي يتخلي عنها الملك ويجعل ملكيتها للمقربين إليه من الأعيان (اي من يحيط به) وهناك أرض أخري في صورة إقطاعات لبعض الجند والمقربين للحاكم في مصر آنذاك، والذين عرفوا باسم أرباب الإقطاعات، وفي عهد الدولة الرومانية تحول الفلاحون المصريون لأنصاف عبيد.

السادسة: إن شخصية مصر الإقتصادية في العصور القديمة والوسطي كان الثراء عنواناً لها، وكان المصدر الرئيس للثروة هو الزراعة ، وإن وجدت مصادر أخري مثل التجارة والصناعة وبعض المعادن.( ومن المؤسف انه في صر التقدم العلمي والتكنولوجي أن تعتمد مصر علي الخارج في غئائها بينما كانت في العصور القديمةهي مخزن الحبوب والغلال للإمبراطورية الرومانية وهذه الحالة تحتاج اعادة نظر حقيقة وجادة في أوضاع الزراعة في مصر التي دمرها العمران وكثرة السكان.

السابعة: وبالنسبة للهوية السياسية لمصر ذكر المؤلف الدكتور أحمد سيد محمد مايلي:

  1. إن مصر أول أمة عرفها التاريخ ظهرت للوجود كدولة عندما تكونت الوحدة بين الدلتا والصعيد نحو عام 3200.ق.م فكانت مصر بذلك أمة بمعني القومية وأول دولة بالمفهوم السياسي الكامل وهي سبقت العراق  في إقامة الوحدة السياسية بنحو 500 سنة.
  2. 2-   أول سمة من سمات شخصية مصر السياسية هي العراقة والسبق الحضاري والثروات الطبيعية التي عبرت عن المصالح الحيوية للمجتمع المصرى وصبغت تلك الثروات الشخصية السياسية لمصر” بسمات منها:
  3. إن مصر بلد معافا من الفتن ولا يريدها أحد بسوء الإ جزعه الله ” نقلا عن العالم والمؤرخ والفقيه “جلال الدين السيوطي” مؤلف العديد من الكتب منها في تفسير القرآن الكريم وغيرها ومن أشهر كتبه التاريخية كتاب “حسن المحاضرة”، وكرر المقولة كثير من الكتاب ومن الصحابة الذين عاشوا في مصر” فالوحدة الوطنية من أبرز سمات الشخصية المصرية وقد غرستها في نفوسهم مواسم الزرع والحصاد والفيضان”.
  4. رأي المصريون أن إستتاب النظام وهدوء الحياة وإستقرارها هو المناخ الطبيعي لإستثمار موارد بيئتهم الطبيعية وطاقاتهم البشرية فتنازلوا عن بعض حقوفهم الفردية وقدموها للحاكم كهدية لمصلحة الجماعة (المجتمع).
  5. تشابكت عده عوامل حددت علاقة المصريين بحكامهم ومن ذلك:
  6. مسئولية الحاكم في توزيع مياه النيل وجريانه فهو الذي يستطيع تنظيم وتوزيع مياه النيل، ولذلك منحوه السلطة لرعاية المصلحة العامة.
  7. العوامل التي حددت علاقة المصريين بحكامهم أهمها: النزعة الدينية في الشخصية المصرية ففي مصر الفرعونية كان الحكام  يعدون آلهة من البشر، وعندما غزا الإسكندر الأكبر مصر سعي لكي يعزز سلطاته بمشروعية دينية. وكذلك فعل بعض القادة الأخرين، فعند ما غزا الفرس مصر مرتين في القرن السادس قبل الميلاد. وهاهم الان في القرن الحادي والعشرين يتأمرون ضد مصر بالتعاون مع تركيا وإسرائيل وبعض الدول الأفريقية والعربية.
  8. قاوم المصريون غزو الفرس كذلك قاوموا حكم الإغريق والرومان، بينما تقبلوا حكم الأجناس الإسلامية الذين أقاموا دولاً مثل الطولونية 245 ه الإخشيدية كدول مستقلة عام 353هـ في إطار الدولة العباسية في عام 292 ه ” مثل الدولة الأيوبية سنه 567 إلي 648هـ .
  9. كان العامل الأول في علاقة المصريين بحكامهم يسوده نوع من الإمتناع النفسي الذي ينبعت من النزعة الدينية، ولذا رحب المصريون بالحكام المسلمين مثل الطولونيين والفاطميين والأيوبيين وغيرهم.
  10. العامل الثاني في علاقة المصرين بحكامهم إحساس المصريين بقيمة ميراثهم الحضاري وعظمته، وواجب الحفاظ عليه ونقله من جيل إلي جيل جعلهم يجنحون للهدوء النسبي ولا يعرفون التمرد أو الشطط في المعارضة أو سيطرة الروح الفردية. وهذا لا يعني أن المصريين لم يتطلعوا للسلطة أو أنهم لا يستطيعون القيام بها  بل كان العكس هو الصحيح فالشخص الثاني في السلطة بعد الملك هو من كبار الموظفين المصريين في الدولة.
  11. والعامل الثالث كان نابعا من حرص المصريين خلال العصور، وخاصة في العصر الإسلامي علي الوحدة الوطنية ومشاركة المصريين الأقباط في إدارة البلاد. والمصريون لهم إسلوبهم الخاص في مقاومة الحاكم المستبد بالحفاظ علي ذاتهم الروحية من الذوبان أو التشويه، لذلك لجأ المصري للعنف والقوة عندما يكون قادراً علي ذلك. ولجأ للمقاومة الروحية عندما لم تتح له الظروف إستخدام القوة ، فإتخذ من التمرد علي حاكمه سبيلاً والتهكم عليه، والسخرية منه، كإسلوب للمقاومة، ففي عهد بعض الأسر الفرعونية ثار عمال الجبانات (بعد الأسرة الرابعة أي بناة الاهرام) وفي حكم رمسيس الثالث أضرب العمال عدة مرات وخرجوا من قراهم وإعتصموا بالمعابد .
  12. ثار المصريون ضد الفرس والإغريق والرومان، وهذا معروف في التاريخ وأحياناً كانت ثوراتهم بالمقاومة الروحية واللجوء إلي المعابد والأديرة وهجرة قراهم وترتب علي ذلك إضطرابات عامة هزت عروش بعض الحكام (ومن أحدث النماذج لذلك عندما لجأ البابا شنوده للدير، واعتصم به إحتجاجاً علي بعض تصرفات الرئيس السادات والرئيس مبارك).
  13. ومن أساليب المصريين في المقاومة السلبية اللجوء للإستهزاء والتهكم والسخرية من حكامهم، وهذا نوع من العناد والإصرار الشديد علي مقاومة الحاكم ،ومفهوم مصطلح السلبية لدى المصريين هو في جوهره أكثر إيجابية . وللتدليل علي ذلك مثال النظرة القديمة السلبية للصفر، والنظرة الحديثة التي حولته لقوة إيجابية، وكذلك النظرة للتيار الكهربائي السلبي لإكتمال الدورة الكهربائية، وهذا يؤكد أن معني السلبية المصرية ليس سيئا بل هو تعبير عن العناد والرفض والإصرار علي مقاومة الحاكم الظالم، بالإرادة الصلبة بعيداً عن الحماقة والتهور.. وأساليب السخرية والنكتة المصرية أرعبت كثيراً من حكامهم مهما كانوا أقوياء ،وقد هاجم بعض المحامين المصريين القضاء الروماني بالمزاح والدعابة والسخرية في أثناء الدفاع عن موكلينهم وشرح القضايا أمام المحاكم الرومانية، كما سخر المصريون من بعض حكامهم الأجانب والمصريين بإضفاء القاب ساخرة عليهم ، فعبد الله بن عبد الملك الذي رفع الأسعار لقب ” بـ (المكيس) وكافور الإخشيدى منُحوه كنية (إبي المسك)
  14. 3-  والشخصية المصرية ترفض الإعتداء علي الجيران الأقربين أو الأبعدين فالطبيعة منحتهم ثروات كافية للحياة طوال تاريخ مصر القديم والوسيط، ولا يلجأون للعداون من أجل الإثراء، ولذلك فإن مصر في معظم تاريخها كانت مدافعة عن أرضها أكثر منها مهاجمة ضد الأقاليم المجاورة أو الدول الأخري.
  15. من أبرز سمات الهوية المصرية ” الإيجابية” بخلاف ما أصبح سائداً عن الشعب المصري انه يتسم بالسلبية تجاه الحاكم وخاصة الحاكم المستبد
من لوحات كوثر الشريف

تحليل أطروحات بعض الكتاب حول الهوية االمصرية

  1. لاشك أن تحليل الدكتور أحمد سيد محمد في كتابه عن الشخصية المصرية وسماتها، والنابع من دراسة الأدبين الفاطمي والأيوبي، صادق بدرجة كبيرة وسمات الشخصية المصرية في المقاومة ولو السلبية والتي يراها إيجابية مثل حالتي الكهرباء (الخط السلبي يتعامل مع الايجابي) وحالة الصفر في طرق الحساب القديم والجديد.
  2. 2-  وحركة 25 يناير 2011 ضد الرئيس الأسبق حسني مبارك وحركة 30 يونيه ضد حكم الإخوان المسلمين من أحدث الشواهد علي رفض المصرين للإستبداد والظلم من الحكام آنذاك. كذلك ثورتهم المشهورة في عصر الفراعنة بعد الأسرة الرابعة. أى بناة الأهرام حيث لحق الظلم والإضطهاد والإستعباد بالمصريين، حتي يقال إن نهر النيل تحولت مياهه إلي دماء. فالمصري يتسم بالصبر ويحب الإستقرار والهدوء، ولكن عندما تزداد الضرائب ضده وإستبداد الحاكم، يلجأ للمقاومة الروحية او للسخرية من حكامه عبر العصور من الفراعنة حتي العصور الحديثة.

وقبل الختام أود أن اقتبس من مقال لي نشر في عامود “بجريدة الجمهورية بتاريخ 12 سبتمبر عام 20002 بعنوان ” الهوية والقومية “وخلاصته الملاحظات التالية:

الاولي: ظهور حالة من ضعف الإحساس بالهوية ، فالهوية هي ذات الشئ وهي كيانه ووجوده، لذا من الضروري تغذية هذا الإحساس بطريقة عملية وليس بطريقة إعلامية غير صادقة، فالطريقة العلمية والعملية المدروسة تركز علي الرموز الوطنية، وتغذي الفكر، وتبني الشخصية ببطء منذ نعومة أظفار المواطن، أما الطابع الإعلامي الغوغائي فيثير الصخب والخداع ولفترة محدودة ثم سرعان ما ينكشف الغطاء وتظهر الحقائق ويصاب المجتمع بالإحباط، وهذا ما حدث بعد هزيمة عام 1967. وربما نتساءل لماذا يفقد المصري أحياناً إحساسه بهويته؟ والجواب المنطقي إنه إنعدام الثواب الحقيقي أو الجزاء الحقيقي، إنه تجاهل القانون، وتجاهل إحترام إنسانية المصري، وتجاهل إقامة العدالة ،وعدم تطبيق القانون علي الجميع .  وكما هو معروف لدى القانونيين ورجال السياسة بل والمواطنين أن تباطو القضاء في إصدار أحكامه العادلة يمثل إنكاراً حقيقياً للعدالة، وكما يقال إن العدل أساس الملك. وحقا تلك العبارة الجميلة المنسوبة إلي المفكر الفرنسي مونتسكيو والتي توجه بها إلي ملك فرنسا قائلاً: “قد لا تشعر بالراحة وأنت تحكم شعباً من العمالقة، لكنك سوف تكتشف بعد وقت قصير أنه لا يمكنك أبدأ إنجاز أي شئ له قيمة وأنت تحكم شعباً من الأقزام. ” ولا ينبغي أن ننسي العبارة الممتازة للفقيه العلامة إبن تيمية وهو    قوله “إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة ، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة” 

ولاشك هنا أن الشعب المصري الذي بني الحضارة العريقة لم يكن  ابداً من الأقزام، بل كان من العمالقة، ومن الضروري أن نعيد له الثقة بالنفس، هذه الثقة التي اهتزت بسبب النكبات المتلاحقة والحكم الإستبدادى في بعض مراحل التاريخ المصري إن لم يكن في معظمه.

الثانية: إنعدام الإنضباط والنظام فلاشك أن الذين بنوا الأهرامات الشامخة لم يبنوها بالفوضي وإنعدام النظام، بل أقاموها في إطار مقاييس دقيقة ومعايير محددة، وإنضباط في المواعيد، وفي حركة العمالة.وهذا يختلف تماماً عن حالة مصر الراهنة، فالأفراد في الشارع وحركة السيارات لا تمت للإنضباط بشئ، ومواعيد العمل لا تحترم/ والمواطن المصري يخشي من الموظف العام البيروقراطي الفاسد أحياناً، ولذلك يلجأ المواطن للرشوة أو للخضوع، وتسيطر عليه حالة من المهانة وأحياناً من الخنوع المذلة.

الثالثة: أهمية تكوين الصف الثاني للقيادات في مختلف القطاعات وهو الأمر الذي يعد ضرورة لتثبيت ركائز الدولة، كما إن ممارسة ظاهرة التخلص أحياناً من الأشخاص الموهوبين وذوى الحيثية يسيءإلي كرامة المواطن  وحريته وحقوقه الوطنية ويضعف إحساسه بهويته وحبه لوطنه مما يبعث علي نشأة ظاهرة تسمي “الإغتراب السياسي والفكري عن الوطن” نتيجة لعوامل عدة ومنها بقاء الأقزام متربعين في مواقعهم لسنوات طويلة.أو لإحساس المواطن بالظلم ، ولعل ظاهرة إنتحار بعض الشباب نتيجة عدم إحترام قدراتهم العلمية ومنحهم ما يستحقونه من مناصب في العمل.  ومن ثم فإن بلورة المعايير الصحيحة والإنضباط والثواب والعقاب الرادع للبيروقراطية الفاسدة في بعض المواقع الإدارية ، هو إحدي الوسائل التي تعيد الإحساس بالهوية للمصري، وتعيد الثقة للمواطن. كما إنه من الضروري حفظ مواصفات صادرات بعض السلع المصرية أو الإنتاج الجيد لضمان توافر الجودة الحقيقية فيها وإتقان الرقابة علي الجودة ومطابقة المواصفات أمر مهم للغاية. ومن الضرورى أن يتخلي كثير من المسئولين عن التصريحات الوردية التي لا أساس لها، وعن الإحصاءات المفبركة لأن العالم في الخارج يعرف الحقائق ، وأبناء مصر في الداخل لا يلمسون دقة المعلومات التي يدلي بها بعض المسئولين ولا يصدقون ولا ينخدعون بها. حقيقة إن شعب مصر هو شعب صبور، ولكن للصبر حدود، كما قالت أم كلثوم في أغنيتها الجميلة. فالفساد المنتشر لابد من ضربه بحزم، ومعاقبة أصحابه  بقوة مهما كانت مكانتهم أو مناصبهم، وهذا ما يحدث في دولة كبرى مثل الصين الشعبية في ظل نظامها الشيوعي، وهذا هو إحدى وسائل تقوية الإنتماء الوطني لدى الشعب المصري العريق فى حضارته وإقامة دولته الوطنية منذ أقدم العصور، وهذا يجعل حكم مصر أكثر عدالة ومساهمة المصريين في تنمية وطنهم وتطويره والحفاظ على أمنه واستقراره هو عمل تلقائي لدى كل مصرى ينبع من إيمانه بوطنه وحبه له ، ومن عدالة الحكم المصري. ولا  ينبغي أن ننسى اسطورة الفلاح الفصيح في العصر الفرعوني، كما لا ينبغي أن نحول نهر النيل لمجرد ترعة صغيرة بأن يستولي بعض المصريين من أصحاب الثروات والمطامع والمناصب الرفيعة على شؤاطئ نهر النيل، ويطمسون معالمه وهو واهب الحياة والحضارة التي بناها المصريون عبر العصور. ويجب أن نستذكر أن بعض حكام مصر الفرعونية قال أحدهم مخاطباً الإله ومبرراً جدارته بالحكم والسلطة “أنه لم يلوث مياه النيل، ولم يظلم أحداً من المواطنين…الخ.كما ينبغي أن نستذكر الأية القرآنية الكريمة التي تقول ”  يأيها الذين أمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم” الأية 14 سورة التغابن  . إن تجاهل هذه الحكمة الربانية هو أحد عوامل ثورات المصريين ضد حكامهم منذ عصر الفراعنة حتي العصر الحديث.

وثمة عوامل أخري تناولها الدكتور عبد النعيم ضيفي عثمان في كتابه المعنون “تاريخ الثورات المصرية من العصر الفرعوني حتي العصر الحديث” (الصادر من دار الرشاد للنشر والتوزيع القاهرة 2013 ط 1 ) فهي عوامل سياسية تتمثل في إحتكار الحاكم للسلطة ، وسوء إختيار القيادات، وإستخدام القانون لإرهاب المعارضين، والفساد السياسي، وعدم تداول السلطة، والتهميش السياسي للمعارضين وتجاهل حقوق الأقليات وإنتهاك حقوق الإنسان وشخصنة الدولة ( ص ص 11-14) والإسباب الإقتصادية ومنها النهب المنظم للأموال العامة، فرض الضرائب الباهظة، إنتشار الغلاء، إنتشار البطالة، الديون، تدهور قيمة العملة ، الإحتكار (ص ص 14 – 18) . والأسباب الإجتماعية ومنها التفاوت الطبقي، الصراع الطبقي ، عدم وجود عدالة إجتماعية. إنحطاط القيم والأخلاق، تدهور التعليم (ص ص 18-20) . وتناول المؤلف في الفصل التمهيدى عوامل قيام الثورات، والأخطار التي تواجه الثورات، وصعوبات قيام ونجاح الثورات، ونتائج قيام الثورات في حالة  نجاحها، وأثر الأحوال السياسية في إدارة البلاد، وفي الإصلاح الإقتصادى ، والإصلاح الإجتماعي.  

وفي حالة فشل الثورات  ذلك يرجع إلي العوامل السياسية والإضطرابات والفراغ السياسي، وهجرة المواطنين والنخب والكوادر المدربة و إخفاق الإقتصاد وعدم تطوره وتدهور الحياة الإجتماعية وإرتفاع الجريمة والإنهيار الأمني، وإنتشار الموبقات الأخلاقية والفساد والرشوة، وتدنى الخدمات العامة مثل التعليم والصحه وشيوع حالات ا

لإحباط والقلق النفسي وإزدياد العنف بين أفراد المجتمع (ص ص 33-38) والمعوقات لنجاح الثورات منها الصراع علي السلطة بين النخبة السياسية، وعدم وجود كوادر سياسية، وتولية أعضاء من النظام السابق علي الثورة مناصب في العهد الجديد، والبطء في تنفيذ الإصلاح، والمعوقات الإجتماعية وإنتشار الأمية ، الإنحراف الخلقي، العادات والتقاليد، الفهم الخاطئ للدين ، والمعوقات الإقتصادية والإعلام الموجه وعدم ترتيب الأولويات،وسوء التخطيط والتنظيم (ص ص  25 – 32).

وختاماً نعرض وجه نظر باحث أمريكي مشهور من أصل هندى وهو أماريتا سن Amarita sen  في مؤلفه المعنوان ” الهوية والعنف ” Identity and Violence  الصادر في لندن عام 2007 والحائز علي جائزة نوبل في الإقتصاد . وذهب المؤلف إلي أن الهوية والعنف مرجعهما “الإقتصاد والتنمية” وهما يعتمدان علي الأخلاق فالإقتصاد ومن وجهه نظره هو علم أخلاقي.والهوية الإنسانية هي “متعددة الأبعاد ومعقدة” ولذا يرفض المؤلف إختزالها في البعد العقائدى، كما فعل صامويل هنتينجتون في مؤلفه عن “صدام الحضارات” بينما أماريتا سن يري أن هذا موقف خاطئ بتركيزه علي طوائف وقوى متنازعة بالطبيعة أي تقسيم العالم إلي كتل ذات هويات محددة ومتنافسة فيما بينها. ويربط المؤلف بين الإقتصاد والحرية، ويؤكد أن العنف البشري يقضي علي كل بعد إنساني لدي المواطنين كما يؤكد ضرورة البحث عن الخلفيات العميقة في المفاهيم المحدودة والجامدة للهوية ولا يجب إختزال الهوية في عصرنا الحاضر علي بعد واحد لأن الهوية ذات أبعاد متنوعة ومتعددة .أما البعد الواحد فهو يجعل الهوية مغلقة ومنغلقة علي نفسها. ويشرح أماراتيا سن أن فكرة الديمقراطية ليست منتوجا غربياً بصورة حصرية، وإنما لها جذور عالمية ذات بعد إنساني وأن تلك التجارب والجذور سابقة في الحضارتين الهندية والإسلامية قبل أن تظهر في أوروبا، ولكن المتطرفين الجدد من الإسلاميين حاولوا الزج بالعالم الإسلامي في صراع، ورفض الإنفتاح، ورفض التعدد، وأضاف أن الديمقراطية في الهند تظهر أثناء الإنتخابات بعيداً عن الأديان، وأضاف أن العولمة تعني الهيمنة الثقافية والإقتصادية للغرب ،وهذا ما ترفضه دول أخري في العالم كما أشار للهوية المنعزلة مثل وضع السنة في إيران، ووضع الشيعة في  بعض دول خليجية وضرب مثالا بالسعودية ومن الضروري دمج كافة المواطنين في الهوية إجتماعياً وسياسيا  ، ورفض المفهوم المذهبي أو القبلي أو المناطقي إذ تشعر بعض الطوائف  بالخطرومن ثم تشعر بغياب الإندماج الوطني،مما يحرض علي الإنفصال لأن الطوائف تشعر بالخطر وتسعي للإنفصال عن الدولة الأم.

   وفي الختام نقول إنه من الأهمية بمكان الإشارة إلي مجموعة قضايا ترتبط بالهوية بالنسبة لأية دولة ومنها:

الأولي: دور التعليم في بناء الهوية والحفاظ عليها بالغ الأهمية مما يستدعى تفعيل الرقابة التربوية في المدارس والجامعات ذات الصلة الوثيقة بمفهوم الهوية وإرتباطها بمفهوم المواطنة، ومن ثم تبرز أهمية المناهج الدراسية في كافة المؤسسات التعليمية الأمر الذي يعد ضرورة أساسية لبناء الهوية وتعميق مفهوم المواطنة وهو ما يقتضي أن يكون للمؤسسة المسؤلة عن التعليم إشراف كامل علي المناهج الدراسية وكيفية تدريسها وإستبعاد المناهج غير العلمية أو ذات الصبغة العنصرية أو الدينية المنحازة التي يكون لها أثر سلبي علي الهوية والمواطنة والوحدة الوطنية، وهذا يضمن عدم تقسيم المجتمع إلي طوائف وعنصريات دينية أو حزبية أو إقليمية، وهو الأمر الذي يدعونا لمطالبة وزارة التربية والتعليم بضرورة إشرافها علي كافة المناهج الدارسية لضمان أن تشمل القضايا والمفاهيم المعاصرة والقيم المشتركة في المجتمع، وإستبعاد التناقضات اللآهوتية بين الأديان المختلفة أو الطوائف الدينية.

الثانية: إستبعاد كامل للأحزاب الدينية أو الجمعيات الدينية التي تنشر مفاهيم تثير الشكوك في المواطنة الواحدة للدولة ولنظامها السياسي والحرص علي الوحدة الوطنية ومحاربة التطرف بجميع أشكاله.

الثالثة: ضرورة أن تشتمل مناهج التعليم علي مقررات تتضمن التعريف بتاريخ الشعب والدولة وتطور المجتمع بما يعمق معرفة الطالب بتاريخ مجتمعه وتراثه وحضارته ومساهمتها في التطور السياسي والإقتصادى والإجتماعي العالمي.

الرابعة: مفهوم حقوق الانسان وواجباته كمواطن صالح ومفهوم النزاهة والامانةINTEGRITY AND HONESTY وأداء العمل والحفاظ علي نظام المرور وسلامة الوطن والمواطن، ومن المهم أن يضطلع الإعلام والصحافة  بنشر تلك القيم والترويج لها علي أوسع نطاق. ويلاحظ أنه في العالم بأسره  بما في ذلك معظم الدول النامية في أفريقيا والعالم العربي وآسيا وأمريكا اللاتينية أصبحت تسودها القيم والمبادئ وإنضباط السلوك نتيجه نشر ذلك عبر التعليم والإعلام والصحافة، وسلوك كبار المسئولين وأقاربهم ينبغي أن يكون نموذجا وقدوة للمجتمع بأسره التي أصبحت تسود أقل المجتمعات.

 واستذكر في هذا الصدد واقعة ذات مغزي عندما كنت سكرتير أول السفارة المصرية في النرويج في منتصف السبعينات من القرن العشرين حيث قام سكرتير عام الحزب الحاكم في النرويج(  أنذاك  وكان حزب لعمال ) برحلة لقضاء أجازته الصيفية في إحدي البلاد مع زوجته علي شركة الخطوط الإسكندنافية( ساس)التي أهدته التذكرة مجانا وعندما عاد من سفرته وجد بعض المواطنين يحاصرون منزله ويهتفون ضده لحصوله من شركة الطيران علي تذكرة ، ولم يقدم بيانها في إقراره الضريبي عن دخله بإعتبارها تمثل دخلا إضافيا ، ولم يفصح عنها وطالبوه بسداد الضريبة علي التذكرة التي حصل عليها مجانا ، وإلا يقدم للمحاكمة فاضطر إلي سداد الضريبة عن التذكرة المجانية التي حصل عليها . وهكذا تتقدم الدول بإعطاء قياداتها النموذج للأمانة والنزاهة والصدق، والتعهد بألأ يقبل مرة ثانية أية تذكرة مجانية دون سداد الضريبة لدولته عنها وأكد علانية أنه لم يطلب التذكرة بل الشركة أعطته إياها.

%d مدونون معجبون بهذه: