أشرف ضمر يكتب : أول خبر موت أتلقاه في حياتي

0 29

كان اغتيال السادات هو أول خبر موت أتلقاه في حياتي، كنت طفلًا يلهو بألعاب “حضانة الاتحاد” في حارة عثمان أحمد، الموازية لحارتنا حسن الحلو، في روض الفرج، كانت مُدرسات الحضانة- والدَّادة أيضًا- يبكين بشكل جماعي صامت، فيما يشبه النهنهة التي تعالجها مناديل قماشية رقيقة مطرزة بورود متقنة ودموع حقيقية، بينما وَجَمَ المدرسون وفتحوا علينا الفصول وأخرجونا لشمس خائفة تطل على الحارة من وراء البيوت، في أكتوبر البارد، وأغلقوا باب الحضانة من الداخل عليهم حتى لا تعكر شقاوة الأطفال حزن الكبار المقدس على وصول بطل الحرب والسلام إلى هذه النهاية المأساوية، كان هذا بعد يومين تقريبًا من واقعة الاغتيال البشعة، وحادث المنصة المروِّع، يومها فرحتُ بالمرواح المبكر وحين علمت سببه من أبي وأمي أحببت السادات جدًا، بل تمنيت أن يموت كل يوم.


حين كبرتُ وتجاوزت مرحلة الحضانة منتقلًا إلى المدرسة النظامية للمرة الأولى، كان الموت يضرب معي موعدًا جديدًا، بعد أن حممتني أمي بالماء الساخن والصابون المعطر، وكافحت لتسريح شعري الأكرت، وأشعلت الراديو على أغنية جميلة لعبدالحليم لا أتذكرها، وأجلستني على بسطة النافذة (كنا نسكن في الطابق الأرضي) وهي تحيطني بذراعها وراحت تتسلى بمشاهدة الحارة والمارة ورد السلام الودود على الجارات في المساء، وتدندن مع الراديو، في انتظار عودة أبي، أتت مرات خالي علي؛ صامتة حزينة متشحة بالسواد، همست بكلمتين فقط لأمي وهي تحت النافذة دون أن تدخل: “سعد مات”، بعدهما انتفضت أمي وصرخت وتركتني أسقط من النافذة بين يديِّ مرات خالي، أتذكر انهيار أمي وصراخها ونبشها في الدولاب وإفراغ كل ملابسها من الرفوف بجنون على الأرض، بحثًا عن فستان أسود، تركض به في الشوراع من حارة حسن الحلو لشارع حجازي الغربي لسويقة السمك لشارع عبيد وكوبانية المية لتدخل إلى حامد عفيفي المنتهى بشارع حسن أمين، حيث يسكن جدي، أبوها، استضافتني الجارات وأنا أبكي منهارًا لغياب أمي وصورتها الباكية المنهارة، يومها كرهت الموت لأنها المرة الأولى التي أرى فيها دموع أمى وصراخها الهيستيري و”حبيبي يا أخويا” المتكررة آلاف المرات من امرأة حافية بفستان أسود قصير وشعر ناعم مهوش يتطاير بعشوائية من رأس عار، تعده الأهوال والأحزان للشيب المبكر.
بعدها بأسابيع كانت تبكي صامتة وتئن وهي تحتضن صورة خالي سعد ولا تشعر بيدي الرقيقة وهي تربت على كتفها بمعلش يا ماما.
توالت أخبار الموت تباعًا في محيطي الصغير، أبلة أمينة جارتنا العذراء الفاتنة التي أشعلت النار في جسدها بعد أن أفرغت الجاز من باجور بريموس على ملابسها، جدي الذي مات في منزله الجديد الذي اشتراه في صحراء شبرا الخيمة بجوار محطة القطار وزرتُه فيه مرة واحدة- مع ماما طبعًا- كانت الرمال تدخل إلى قدمي من فتحات الصندل، وقت أن كان المكان كله يتزين فقط بمنزل جَدِّي ومحطة القطار ومحطة مهجورة لأتوبيس نقل عام لا يأتي سوى مرة واحدة في اليوم.
كبرت أكثر، مات خالي علي، ماتت همت، مات عم كمال النمر، ماتت خالتي أم منال، مات زوجها، مات معظم جارات أمي، مات أبي، لأعرف اليتم مبكرًا للغاية في سن المراهقة، مات أخويا محمد حسين بكر، وكأنها المرة الأولى التي يمسني فيها الموت شخصيًّا، يقترب من دائرتي الخاصة، مات عصام حجاج، مات الكثير ممن أحبهم، مات أصحابي في ثورة يناير وما تلاها من أحداث إلى أن وصلت لتصفية زميلي الحسيني أبوضيف بعد مغادرتي لموقع قصر الاتحادية بساعتين تقريبا، ليكون لكلمة “شهيد” وقع رهيب وغريب، لا هو مزعج ولا هو مريح.
كلما تعلقت بأحد تركني ومات، لدرجة جعلتني أرفض التعلق بأحد، وألا أعامل أحدًا على الأبدية، بعد موت وسام الدويك- وبعد تجاوز أحزاني- صرتُ أنظر للجميع ولنفسي بعين الحقيقة، زائلون كلنا، صاعدون جميعًا للسماء تاركين أجسادنا تحت الأرض للدود والذكرى والنسيان، كلنا مؤقتون، نتحرك في الحياة كأننا منتجات متشابهة على سير ماكينة في مصنع، نمر بمراحل تصنيع كثيرة ونخضع لاختبارات وتجارب وضغوط؛ شأننا في ذلك شأن أي منتج يمر على السير، وحين نكتمل، نصل للمرحلة الأخيرة، مرحلة التغليف والاستعداد لمغادرة المصنع تمامًا، وهي الدورة الطبيعية لكل منا، هناك طبعًا من لا يرغب في إكمال الدورة ولا في الوصول لتلك المرحلة النهائية، بل يغادر- أو يقفز من على- السير البطيء، مسرعًا، ويخرج دون تغليف ولا اكتمال، هي الحياة وهو الموت إذن، لا شيء دائمًا ولا مستمرًّا، وهذا هو جوهر الحياة وقيمتها، مؤقتة هي، لا شيء فيها يستحق الصراع أو الظن في الأبدية.

%d مدونون معجبون بهذه: