سعد عبد الرحمن يكتب : أغرب من الخيال

0 57

هل يذكر الأدباء هذا الرجل الأسمر النحيل و البسيط المهذب الذي كان رغم شدة فقره عفيفا عن السؤال صاحب كبرياء تجعله لا يقبل أن يتفضل عليه أحد أيا كان حتى و لو بكوب من الشاي ؟
العم كمال إسماعيل ابن مدينة دمنهور عاشق الأدب و الأدباء ، كنت تجده حاضرا في أغلب مؤتمرات الثقافة الجماهيرية بمنطقة الدلتا يحمل شوالا ( كيسا كبيرا من البلاستيك ) مليئا بالأعمال الأدبية من شعر فصيح و عامي و رواية و قصة قصيرة و مسرح ، يجلس إليك لأول مرة ليتعرف عليك و على النوع الأدبي الذي تكتبه و حين يعرف يخرج لك من الكيس في كل مؤتمر يلقاك فيه كتابا أو كتابين يوافقان تخصصك الإبداعي ليعطيهما لك بدون مقابل ، لقد كان كثير من أدباء الدلتا و الصعيد أيضا ممن يشاركون في المؤتمرات مصطحبين في حقائبهم نسخا من أحدث إصداراتهم يسلمونه بعضا منها بهدف أن يقوم بتوزيعها على المستحقين بدون تكلفة و هذا ما كان يقوم به على أكمل وجه و بشكل مدهش ، كما كان يقوم بدور مهم آخر هو توزيع استمارات عضوية اتحاد الكتاب على الأدباء الذين يعرف من حديثه معهم أنهم ليسوا أعضاء بالاتحاد و تنطبق عليهم شروط العضوية ، بل كان أحيانا يذهب إلى بعضهم ممن يعرفهم معرفة وثيقة لا سيما أدباء دمنهور ليسلم الاستمارة إليهم في بيوتهم دون أي مقابل عن ذلك ، حكى لي صديقي الشاعر أحمد شلبي أن هذا حدث معه شخصيا ، كما أخبرني صديقي الشاعر الراحل محمد كشيك أنه كان يتردد عليه في مكتبه بديوان عام هيئة قصور الثقافة حين كان مديرا للنشر فيعطيه بعضا من الإصدارات الجديدة للهيئة لتوزيعها على الأدباء ، و ذكرت لي الصديقة الروائية هالة البدري أنه كان يتردد عليهم في مقر مجلة الإذاعة و التليفزيون ليسأل عن الروائي خيري شلبي و عن الشاعر فتحي سعيد و إن لم يجد فتحي يذهب إليه في منزله الذي كان قريبا من مقر المجلة ، و ذكر صديقي الشاعر أحمد فضل شبلول أيضا أنه كان يتردد عليه في البيت و الشغل و قد عطفت عليه إحدى زميلاته ذات مرة فحاولت أن تدس في يده مبلغا ما من المال لكنه رفض بأباء و شمم .

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏‏قبعة‏ و‏لقطة قريبة‏‏‏‏


كان عندما يلقاني يرحب بي بوصفي ضيفا قادما من الصعيد و إذا لم يكن معي في المؤتمر درويش الأسيوطي أو جميل عبد الرحمن أو عزت الطيري كان يسألني عنهم و يحملني سلاماته إليهم ، آخر مرة قابلته فيها تقريبا كان في الدورة السابعة عشرة من مؤتمر أدباء مصر التي انعقدت بمركز الإسكندرية للإبداع التابع لصندوق التنمية الثقافية ( قصر الحرية سابقا ) عام 2002 و جاءني بعد انتهاء جلسات اليوم الثاني و هو يحمل في يده كيسا به علبة جبنة بيضاء و كيلو سكر و باكو شاي و أربعة أرغفة و أصر على أن آخذ الكيس فهذا واجب عليه تجاهي كصديق و ضيف و حاولت أن أفهمه أني أقيم بالفندق الذي يوفر لي وجبات الاكل كاملة دون جدوى و لما طال الجدل بيني و بينه همس أحد الأصدقاء في اذني بأن آخذ منه الكيس تجنبا لزعله و أتصرف فيه بعد ذلك فأخذته منه و في طريقي إلى زيارة صديق لي بإحدى ضواحي الإسكندرية أعطيت الكيس لشحاذ فقير .
قصة العم كمال إسماعيل أغرب من الخيال و قد حكاها لي بالتفصيل ( ليتني سجلت ذلك كتابة فقد أفلتت ذاكرتي كثيرا من التفاصيل ) و أهداني صورتين شخصيتين له في مؤتمرين مختلفين ( هما المنشورتان مع هذه السطور ) ، كان طالبا ذا ميول يسارية في سنة أولى جامعة ( جامعة فؤاد الأول ) و قيل في رواية أخرى و هي الأرجح أنه كان طالبا في السنة النهائية بمدرسة الصنايع في مدينة دمنهور حين قبض عليه البوليس السياسي ( الأمن الوطني الآن ) عقب إحدى التظاهرات السياسية التي كانت تنظمها لجنة العمال و الطلبة في أواخر الأربعينيات و المحزن أن أخاه عضو جماعة الإخوان المسلمين هو الذي وشى به فقد كان من وجهة نظره كافرا و تمثل أفكاره خطرا على الآخرين ، و قد تضافرت عدة عوامل شتى داخل السجن و خارجه لتنسج من حكايته مأساة شبيهة بمأساة بعض نزلاء سجن الباستيل في باريس قبل أن يهدمه الثوار في ثورة 1798( الأب فاريا النزيل المجاور في القبو للكونت دي مونت كريستو – رواية ألكسندر دوماس الشهيرة ) لقد نسي ولاة الأمر أمر كمال إسماعيل فلبث في السجن ما يقرب من أربعين سنة .
زج به في السجن على عهد الملك فاروق ، و ظل يتردد ما بين السجن و مستشفى الأمراض العقلية التابع للسجن طوال تلك المدة التي استغرقت بالكامل عهود الرؤساء محمد نجيب و جمال عبد الناصر و أنور السادات ، و جرت خلالها أحداث كثيرة خطيرة فتغيرت أوضاع سياسية و تبدلت أحوال اجتماعية و انقلبت ظروف اقتصادية من النقيض إلى النقيض في مصر و المنطقة العربية و العالم أجمع ؛ كل ذلك و هو وراء قضبان السجن الصلدة المتجهمة .
و في عام 1984 لا أدري ماذا حدث ليفطن فجأة بعض مسؤولي الأمن في وزارة الداخلية إلى أن هناك لديهم في السجن نزيلا منسيا اعتقل في غير ما جريمة سوى مشاركته فقط في تظاهرة سياسية مات قضاتها و أكثر شهودها فأخرجوه ليجد أن أهله أو بمعنى أدق من بقي منهم على قيد الحياة قد نسوه و ترتبت أوضاع الأسرة ماليا و اجتماعيا على أساس أنه ميت أو حي و لكنه أسوأ من ميت ، و كان يعيش بعد خروجه من السجن لعدة سنوات في بير سلم أحد المنازل ، و قد أفادني الصديق الأديب محمد عسكر بأن بعض رجال الخير اهتموا بأمره و سعوا لدى المحافظة لمساعدته فمنحته شقة صغيرة بالمساكن الاقتصادية و كانت بدون أبواب أو شبابيك و بالرغم من ذلك عاش فيها العم كمال يغطي مصاريفه البسيطة جدا إلى حد كفاف الكفاف القريب من العدم ما يسمى بمعاش التضامن الاجتماعي الذي سعى له فيه بعض أهل الخير أيضا ، و قد كان العم كمال أشبه بغاندي في زهده الطعام مع الفارق فلم يكن يأكل إلا اليسير منه ، كما كان نباتيا لا يأكل اللحوم و أكد لي ذلك أكثر من صديق ممن عرفوه و احتكوا به عن قرب أكثر ، و نقلا عن الصديق د . أحمد صلاح كامل أنه كان نباتيا عن فلسفة يؤمن بها فقد كان – كسجين المحبسين أبي العلاء المعري – يرى أنه لا ينبغي أن نزهق أرواح الحيوانات كي نملأ بطوننا بلحومها .
كنت أحب الجلوس إليه كلما لقيته في مؤتمر من المؤتمرات كي أستمع إلى حكاياته الغريبة و آرائه الأغرب في الناس و الأحداث ، و كان كثيرا ما يحكي لي عن أوضاع السجن الذي كان نزيلا فيه و عن زبانيته و ملائكته و عن مستشفى الأمراض العقلية التابعة للسجن و الأطباء الذين شخصوا حالته و الذين كانوا يعالجونه كمريض عقلي لا ليخرج إلى الحياة خارج السجن بل ليقضي في المستشفى سنوات من الألم و العذاب و قد حكى لي أيضا عن كثير من الشخصيات التي زاملها داخل السجن أو في المستشفى من جنائيين و سياسيين ، و من السياسيين أذكر مثلا إسماعيل المهدوي المنظر الماركسي المصري الشهير ، و من الغريب أني لم اسمع من العم كمال و هو يحكي أية كلمة نابية أو بذيئة حتى عمن كانوا يعاملونه بقسوة داخل السجن أو في المستشفى ، و كان مثقفا يطعم جمله في أثناء الحديث ببعض الكلمات و المصطلحات العلمية في الاقتصاد و السياسة و الأدب و العلوم النفسية باللغة العربية و الإنجليزية .
و قد حكى لي صديقي الشاعر صلاح اللقاني عن لحظة وفاته فقد ذهب في صباح أحد الأيام إلى “مطعم عاصي ” أشهر مطعم شعبي بمدينة دمنهور ليفطر ، و على الرصيف أمام المطعم جلس و بين يديه المعروقتين رغيف و صحن فول مع بضعة أعواد من الجرجير و حين أتاه عامل المطعم ليأخذ طبق الفول الفارغ وجده قد فارق الحياة ، و قد تكفل صاحب المطعم الذي كان بالصدفة يترأس جمعية خيرية لتجهيز و دفن موتى الفقراء بتكاليف تجهيزه و دفنه ، و علق صلاح اللقاني على ذلك بقوله : بقدر ما لاقى العم كمال في حياته من مصاعب و مشاق بقدر ما خرج منها بسهولة و يسر يحسده عليهما كثير من الناس , و لكن للصديق محمد عسكر رواية أخرى يقول فيها إنه توفي بالسكتة القلبية و وجده جيرانه يجلس القرفصاء ميتا في مسكنه بعد أن فاضت روحه بثلاثة أيام .
رحم الله العم كمال إسماعيل الذي قضى ما يقرب من أربعين سنة من حياته سجينا لكل الأنظمة و الحكام و كان مثالا حيا على أن الواقع أحيانا يكون أغرب الخيال .

%d مدونون معجبون بهذه: