مجدى الطيب يكتب :« انت حبيبي .. وبس»… التمثيل بجثث يوسف شاهين وشادية وفريد الأطرش !

• في زمن الانحطاط أصبح «الليثي» بديلاً لفريد الأطرش» واحتلت « بوسي» مكان « شادية» والراقصة «صوفينار» مكان « هند رستم» !

0 212

في البدء كان التجرؤ على السينما المصرية، والاستخفاف بها، عبر التندر بمشاهد خالدة في الذاكرة؛ كمشهد سحل محمود المليجي في فيلم « الأرض»، ومشهد التجمهر بالمشاعل ضد الطاغية في فيلم « شيء من الخوف».. وغيرهما، بحُجة أن فن «البارودي»، الذي يعني المحاكاة التهكمية، والساخرة، للمصنف الفني، والإبداعي، على نحو يُثير الضحك والسخرية، يعطيهم مشروعية، وحصانة، لكن التطاول لم يقف عند هذا الحد، من الاستثمار الرخيص، والتوظيف المُفرط، والرديء، لهذا النمط المعروف من أنماط الكوميديا، بعد أن استباح البعض لنفسه أن يُنكل بأعمال كلاسيكية كاملة، ويُمثل بجثث أصحابها، وهو ما حدث، بالضبط، مع فيلم « انت حبيبي»، الذي أنتجه، وقام ببطولته، فريد الأطرش، عام 1957، وأخرجه يوسف شاهين !
فمن دون توقع، ولا سابق إنذار، وقع اختيار الكاتب سيد السبكي، الذي عُرف، من قبل، بإساءة توظيف فن « البارودي»، على الفيلم الغنائي الكوميدي « انت حبيبي»، الذي كتبه أبو السعود الأبياري، وأخرجه يوسف شاهين، ليُعيد تقديمه، بالكامل، في فيلم جديد، تحايل، وراوغ، ودلس، عندما اختار له عنوان « انت حبيبي وبس»، وكأنه يُبريء نفسه من تهمة السطو على المُصنف الأصلي، الذي لم يكتف باستلهام فكرته ( الجد الذي ترك وصية يُلزم فيها حفيده وابنة عمه بالزواج من بعضهما البعض، ومرور شهر على زواجهما، وإلا استحال عليهما صرف المبلغ الضخم للوصية)، وإنما اعتمد البناء الدرامي نفسه، مروراً بالشخصيات الرئيسة، وانتهاء بالرسالة، التي تؤكد على أن « الحب أهم كثيراً من المال» وأن « الزواج أساسه الحب والانسجام بين القلبين» !
جريمة مع سبق الإصرار
اللافت في هذه التجربة أن المؤلف والمنتج، أبناء السلالة « السبكية»، وضعا أيدينا، من دون أن يدريا بالطبع، على حجم الانحطاط، التردي، والذوق الهابط، الذي بلغناه؛ فمن المخرج يوسف شاهين والكاتب أبو السعود الأبياري والمنتج فريد الأطرش وصلنا إلى أحمد البدري وسيد وأحمد السبكي، بل أن أحداً لم يسأل نفسه : ” كيف حل « محمود الليثي» محل « فريد الأطرش»، وجاءت « بوسي» مكان « شادية»، وجسدت الراقصة « صوفينار» ذات الدور الذي جسدته « هند رستم» ؟ ومن ثم كان طبيعياً، في سياق كهذا، أن يكتب أغاني فيلم يوسف شاهين شعراء مثل : فتحي قورة (« مرة يهنيني» و« يا سلام على حبي وحبك») ويوسف بيدروس (« أحلف لك ما تصدقشي») ومحمود فهمي إبراهيم (« يا مقبل يوم وليلة اطوي السكة الطويلة» و« مايكونش ده اللي اسمه الهوى» و«زينة») بينما يكتب لفيلم البدري والسبكية : زيكا، أحمد غريب، أمير محروس، محسن الشبراوي، ملاك عادل وإسلام خليل أغاني نحمل عناوين : «الشقلطة يا بنات»، « طابخين بطاطس»، « لعبت بيا»، «هتجوز تاني» و« حبناهم»، وأصبح عادياً جداً أن يغني الممثل محمد ثروت مع بوسي والليثي ومطربي المهرجانات حسن الخلعي والسيد جسن كما فعل فريد الأطرش وشادية، وفي حين اختار « شاهين» أغاني فيلمه بعناية فائقة، ووظفها في مكانها، لتُكمل السياق الدرامي، وتتحدث بلسان ومشاعر أبطاله، جاءت أغاني « البدري» عشوائية، مبتذلة، وتكرس الذوق الهابط !
في سياق المقارنة نفسها يبدو فيلم « انت حبيبي» (1957) أكثر تحضراً ورقياً، على صعيد الحوار والمواقف، من فيلم « انت حبيبي وبس» (2019)، الذي تحول فيه الحوار، بين بوسي وصوفينار تحديداً، إلى ما يُشبه « الردح»، و« فرش الملاية»، بينما غرق محمد ثروت لأذنيه في الإسفاف والاستخفاف، وافتعال الإفيهات، بل أنه وقع في فخ العنصرية البغيضة؛ عندما وصف « الليثي» ب « الأسود المصدي»، وهو الفخ الذي سقط فيه الممثل القدير محمد محمود، بتشبيه الممثل نفسه ب « القرد»، وأمعن في الهروب من اتهام زوجته الشابة (نيرمين ماهر) له بالعجز الجنسي بتأكيده أن الله وهبه للفن فقط !
الراقصة والطبال
لم يكتف الكاتب سيد السبكي بالسطو على فيلم «انت حبيبي»، بل قام بتوسيع نشاطه، بأن وضع على لسان بطله الطبال «أحمد عيادي» (محمد محمود ) نص حوار أحمد زكي في فيلم «الراقصة والطبال»، ودفع الراقصة صوفينار إلى استعارة الصيحة الشهيرة لنادية الجندي في فيلم «المدبح»، بعد تعديلها لتُصبح : «أنا أرمنية وما حدش يقدر عليا»، وطمعاً في المزيد من الإبداع
جعل الراقصة صوفينار تقول : «شرف الرقاصة زي عود الكبريت»، ولسبب غامض جعل «الطبال» يسخر من «نمبر وان»، والمُدهش في الأمر أن الكاتب يُدرك تماماً حجم الجرم، الذي يرتكبه مع سبق الإصرار والترصد، بدليل أنه يُقحم على الحوار عبارات مثل : «زي أحمد زكي في الراقصة والطبال» و«انتي حتعمليلي فيها نادية الجندي»، في محاولة لاسباغ شرعية على ما يفعل أو ظناً منه بأن ذكر المصدر يعفيه من تهمة السطو والسرقة !
المفارقة الأكثر إثارة أن الكاتب، الذي بدا مناصراً للمرأة، في أكثر من موضع بالفيلم، حتى بدا وكأنه تأثر بدرجة كبيرة بحلقات «هو وهي»، انقلب على نفسه، وأفكاره، بأن وضع على لسان بطله «كارتر» (محمد ثروت) عبارة تقول : «اتنين مالهمش أمان الفرامل والنسوان»، ومن دون مناسبة وصف الراقصة صوفينار، على لسان الطبال، بأنها «انتفاضة الربيع الأوكراني»، وتحدث من دون مناسبة عن «المايوه الشرعي البوركيني» !
عبث وهزل وتدني لم يفلت منه سوى المشهد التخيلي للبطلة «نغم» (بوسي)، في «دويتو» أغنية “لعبت بيا” مع محمود الليثي؛ إذ تميز تصوير وإضاءة المشهد ( تامر جوزيف) والديكور، وتكرر التوفيق في التوظيف الذكي من جانب المخرج أحمد البدري لأغنية “فاتت جنبنا”، رغم إذعانه غير المبرر للمنتج، في إصراره على إنهاء جميع أفلامه بحفل جماعي يرقص فيه ، ويغني، كل من شارك بالفيلم، حتى لو لم يكن للمشهد ضرورة أو مناسبة، وكأن المنتج يُصر عليه من باب التفاؤل فقط !
التمثيل بالجثث
فيلم «انت حبيبي وبس» تجاوز مرحلة الإفلاس الفكري، والاقتباس، إلى مرحلة أخطر أصبح من حق أي كاتب، ومنتج، ومخرج، خلالها، أن ينتهك أي مُصنف فني، ويُمثل بجثث أصحابه، من دون أن يجد من يراجعه، أو يردعه، بما يفتح الباب على مصراعيه لأشكال جديدة من السطو، والسرقة، واستباحة الأفكار، والأفلام، في غيبة تامة من القوانين المنظمة لحقوق الملكية الفكرية، وحماية الإبداع !

%d مدونون معجبون بهذه: