محسن يونس يكتب : من كتاب الألوان

0 243

 

من كتاب الألوان (1)

( أ ) كل يوم جمعة يركب أربعة أصدقاء القطار ، وينزلون فى أحد المراكز التابع لمدينتهم ، ينتظرون فى مبنى المحطة البسيط القطار المقابل ليعودوا إلى محطتهم الأولى : ” ألا يظن بنا الظنون أى شخص لو اطلع على ما نفعل؟ ”
” هذه متعتنا لا شأن لأحد بانتقادها ”
قال واحد منهم يبدو باستغراق كامل : ” القطار حياة تسير للأمام .. ”
ثم أردف كأنه يحذرهم من ثرثرة فارغة : ” أنتم لن تسألوا تفسيرا ؟ ”
( ب ) وعلى هذا جاء السؤال التالى بعد مرور السنة ونصف السنة ، على بداية ممارستهم طقسهم الخاص : ” بماذا أجيب من يسأل ؟ أنا أفترض فرضا .. “
ظلوا مدة مغمضى العينين إلى أن تكلم أوسطهم ، و قال ما قاله فجعل الباقين يرفعون حواجبهم يؤكدون دهشتهم : ” علينا أن نطور من عادتنا الأسبوعية ”
( ت ) لم يسأل أحد منهم عن كيفية التطوير أو معناه ، تطلعوا فقط فى وجوه بعضهم البعض صامتين ، ثم ابتسموا جميعا ، وهم يقرون قرارا لن يتراجعوا عنه ، كانت العربة التى يجلسون على مقعدين متقابلين منها خالية من الركاب ، رغم الصخب ، ورائحة دخان السجائر ، وبعض الواقفين فى الأماكن الخالية بين المقاعد ، والباعة الذين يلحون بالنداء لشراء بضائعهم ، توقف القطار فى أحد المحطات الفرعية ، فتعرض لهجوم ركاب كثيرين ، امرأة حطت قفة ثقيلة على أرجل اثنين منهما ، بينما انحشر شاب محاولا الولوج إلى داخل القطار فرمى بجسده على حجورهم ، بعد عدة محاولات من الشاب لوضع جسده فى حيز من الفراغ بقدر الإمكان ، تفرس فى وجوههم ، صاح باندفاع : ” أنا أراكم كل يوم جمعة فى نفس الميعاد ؟! ”
( ج ) الأربعة لم يروا أو يسمعوا ، كانت عيونهم هادئة لا شبهة عمى أو غشاوة ، أسماعهم تلتقط دبة النملة ، ولكنهم كانوا مع قرارهم ، لم ينزلوا فى المحطة الفرعية التى كانوا دائما ينتظرون بها القطار العائد إلى مدينتهم ، ظلت المحطات تتوالى ، وظل القطار يسير ، يسرع أحيانا أو يبطىء ، إلا أن صوت قعقعات عجلاته الحديدية لا تهدأ فى الحالتين !!

 

*********

من  كتاب الألوان (2)

( أ ) أفصح كل منهم عن رغبته فى استعادة لحظة محددة عاشها فى الماضى ، كل الذكريات كانت طيبة ، وبعضها كان فكاهيا ..
ارتفع سقف الأمنيات ، البعض رأى أن يكون داخل اللحظة ليس بحالته الآنية ، بل ترجع به السنوات حاصلا على جسده الذى كان ، وروحه التى أصابها الزمن بالنقص في قدرتها على العمل في كفاية ، ظهر الأسى على الوجوه لكن العيون سكنت فيها خميرة التمنى ، بعد فترة من الصمت اعتلت الشفاه ابتسامة خفيفة ، كان فى وسطهم صوت ، قال كلمة واحدة ثلاث مرات متتابعات : ” ليتنى .. ليتنى .. ليتنى .. ”
كل واحد ردد الكلمة مثله ثلاث مرات : ” ليتنى .. ليتنى .. ليتنى “
( ب ) دارت الرؤوس على عمود الرقبة ، هاجت النفوس وسكنتها دروشة ، هامت الأبدان حتى كادت أن تخرج من سيطرة الجاذبية وتعلو ، سُمعت أصوات الجنادب ، ورفيف أجنحة الحشرات والفراشات ، وصوت الصمت نفسه ، لم تظل حالهم على ما هى عليه ، إذ دخل عليهم المكان رجل غريب عنهم ، حل صمت حقيقى بلا صوت ، وهم يرفعون إليه وجوههم ، بان عليها عدم الرضا ، وغيظ : ” هل يمكنه سرقة أمانينا؟! ”
” ربما .. إنه غريب عنا ”
( ج ) فى اليوم التالى كانت جلستهم فى ذلك المكان من ملحق كافيتريا لا يشاركهم أحد ، وكأن المكان خاص بهم وحدهم ، بدأ واحد منهم بطرح تصوره عن لحظة حملت معنى كان خافيا على خط عمره ، الآن اكتشف أن هذه اللحظة هى التى جعلته كما يعرفونه ، نشط الجميع فى التفكير المركز فى البحث عن إجابة لهذا السؤال : ” ما الذى حدث فى تلك اللحظة الماضية ، وجعل كل منا كما هو عليه الآن؟ ”
( د ) فى اليوم تالى التالى ، قبل أن يتحدث أحد منهم عن اللحظات الماضية ، وجدوا أنفسهم هناك فى الماضى ، تخفيفا عن ذاكرة كل منهم ، واقتصادا لاستهلاك طاقة فى التفكير والتذكر ، وما يتبع ذلك من أسى ربما ، وشفقة على النفس ، ومنعا من لعنة وقسوة مشاعر عدم التحقق واستحالته ، وجدوا هناك فى ذلك الماضى الناس صغارا كأطفال بينما هم رجال كبار ، بعضهم كان جد الجد لأمثال هؤلاء ، لا أحد يعرف هل كان عقابا لذاكرتهم التى تثب دائما للخلف بمتعة وانبهار ، أم تمرينا بدنيا لأجسادهم التى سمنت و ترهلت؟! كان يومهم موزعا فى هذا الماضى بين الإرضاع والهدهدة ، والتكريع ، وبين تغيير الكفولات وغسل المتسخ منها ، ونشره على حبال فى الشمس والهواء ، وسط كل ذلك يفرقون بين المتعاركين ، ومصالحة الخصماء ، كان ليلهم كله قلق أيضا توزع بين القيام للاهتمام بمن مرض أو جاع ، أو أراد قضاء حاجته ، وبين البحث فى الظلام عمن هرب من الأطفال ، نهارا وليلا يفعلون نفس الأشياء !!

 

من كتاب الألوان (3)

( أ ) رويت القصة فى ثلاثمائة جملة ، أحبها الناس كبارا وصغارا ، وصارت معتمدة ، فى الجيل التالى عاشت نفس القصة ، ولكنها رويت فى ألف جملة ، عندما شكك فى بعض وقائعها أحد الشبان ، صفعه أبوه صفعة شديدة على صدغه : ” إياك أن تسخر من تراثنا ”
” أنا لا أسخر ، حاولت بيان … ”
” اخرس ، ولا كلمة “
( ب ) فى الجيل التالى حبلت القصة بثلاثة آلاف جملة، و أنجبت ثلاثة آلاف جملة و جملة واحدة!!
” هل تظن أن هناك خطأ ما فى الثلاثة آلاف جملة و جملة واحدة؟! ”
” إطلاقا وإلا ما كانت قصة .. ”
( ج ) فى الجيل التالى شاخت القصة ، وبدأ تساقط شعرها ، وضعف نظرها ، ومشاكل صحية كثيرة ألمت بها ، ولكنها تعشق الحياة ، والحياة تعشقها ، قظلت تعيش مع كل متاعبها ، الخلاصة صارت تروى فى خمسمائة كلمة ، وربما فى أربعمائة ..
” يااااه !! هل تقلصت من أثر الشيخوخة؟! ”
” لا تقلصت ولا شىء ، المتن تحول إلى متن ، هذه قدرة يا أخى!! ”
” أرجوك احكها قبل أن تشهق هذه القصة شهقة عميقة ، ثم تهمد وتموت ”
” ما هذه السخافة ؟! كان يجب عليك أن تفهم أنها لا تموت .. عموما أى جيل تريد؟ أقصد أى متن فى أى جيل؟ ”
” أى شىء .. أى شىء.. ”
( د ) كانا فى مطلع المساء، تسربت جمل القصة هاربة ، إلا سواقط جمل ، المحاولة تأخذ ذيل المحاولة ، حتى طلعت شمس اليوم التالى ، ثم غربت هذه الشمس ، ليكون الليل حتى الفجر، اختصارا للجمل التى يمكن لها أن تبين الظاهر – وهذا ممكن – ، والباطن إن أمكن ، كان واحد منهما يصيح كل مدة فى الآخر : ” وماذا بعد؟ ” ، و هذا الآخر يقول بتسليم : ” سنظل إلى الأبد .. القصة خادعة ” ، فيتلقى هزة رأس، و ابتسامة بلهاء ، و يرى يدا تصنع ما يشبه الدوائر فى الهواء ، مما يعنى طلب الاستمرار!!

%d مدونون معجبون بهذه: