الجزائر تودع قايد صالح.. قائد أنقذها من الفوضى الأمنية والسياسية

ساعات «حزن جزائري» على رجل كان مؤمنا بالحل السياسي والدستوري لأزمات الجزائر، وبدا ممسكا بهذا المبدأ حتى وضع الوطن على المسار الدستوري القانوني تحت رئاسة الرئيس الجديد عبد المجيد تبون،

0 86

في مشهد وصفته الدوائر السياسية والإعلامية في الجزائر بأنه «مهيب وغير مسبوق في تاريخ الجزائر»، ودع الملايين من أبناء الشعب الجزائري جثمان «الرجل القوي»، الذي أنقذ الجزائر من الفوضى الأمنية والسياسية، وفي مرحلة مفصلية من تاريخها.

وشهدت مساجد الجزائر وشوارعها وميادينها إطلاق رسالة شعبية لكل من تربص بمستقبل الجزائر وحاضرها من قوى داخلية وخارجية، بأن الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، قد عبر عن نبض الشارع وتطلعاته ومطالبه، ومنذ أن وقف بقوة وراء إقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ومتحديا باسم الشعب الجزائري، قوى القصر وأجنحة السلطة، ومن ورائها حلفاء «العصابة»، التي نهبت مقدرات الدولة وفرضت نفوذها السياسي، بحسب تعبير السياسي وأستاذ علم الاجتماع السياسي عمران بوخلف.

وأكد بوخلف، أن الشارع الجزائري قال كلمته اليوم وهو يودع قائدا كبيرا حافظ على استقرار وأمن البلاد بيد من حديد، حيث كانت تصريحاته بالتهديد والتحذير كفيلة بردع المتربصين بالوطن.

ساعات «حزن جزائري»

والساعات الأخيرة من قصر الشعب، صباح اليوم الأربعاء، حيث ألقيت النظرة الأخيرة عليه، ثم الموكب الجنائزي الشعبي والرسمي، إلى مقبرة العالية في الجزائر العاصمة، حيث ورى الثرى بمربع الشهداء بعد صلاة الظهر، كانت ساعات «حزن جزائري» على رحيل رجل انتقل إلى رحاب الله، بعد أن أدى واجبه، واطمأن على وطنه، الذي بدأ منذ أيام، خطوات ديمقراطية قانونية على المسار الدستوري.

ويضيف خبراء سياسيون وعسكريون جزائريون، أن الشعب الجزائري عبر في رسالة الوداع المهيبة اليوم، أنه كان مدركا لأبعاد المشهد العام، وما قام به قائد الجيش:

أولا رغم كل ما قيل بأن الرجل كان من أنصار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وينظر إليه باعتباره صمام الأمان للنظام الحاكم، إلا أنه خالف كل التوفعات، وفي لحظات مصيرية وأثبت الولاء للشعب، صاحب كل السلطات، ومنذ أن اندلعت شرارة الحراك الشعبي في 22 فبراير/ شباط الماضي، للمطالبة في بادئ الأمر بعدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة، وذلكَ بعدما دعاه إلى الترشح أحزاب الموالاة وحزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم في البلاد، ثمّ أعلنت العديد من الأحزاب والنقابات دعمها لإعادة انتخاب بوتفليقة رغم حالتهُ الصحيّة المتدهورة، كان الفريق أحمد قايد صالح، أول من أدرك حتمية التغيير في البلاد، وأن على الرئيس بوتفليقة الاستجابه لمطالب الشعب والتخلي عن الحكم، رغم سطوة من يحيطون بالرئيس الجزائري وأنصارهم.

ثانيا: استطاع تحييد المؤسسة العسكرية عن الصراع السياسي والاحتقان الشعبي، ورغم كل التوقعات، التي كانت تراهن على تدخل الجيش في الحياة السياسية، ولكن القائد العام للجيش جنب البلاد السقوط في دوامة العنف، أو تكرار ما حدث في سنوات «العشرية» والصراع المسلح في مواجهة التيار الإسلامي، وكان الفريق صالح يدرك أن هذه التيارات تحاول أن «تلعب» داخل صفوف المتظاهرين، وأن هناك تنظيما يحاول تكرار سيناريو ما حدث في مصر إبان ثورة 25 يناير 2011.

وثالثا: كشف أورق «العصابة»، حسب وصفه لرجال النظام السابق من سياسيين ورجال أعمال، ووقف وراء دفعهم إلى داخل أسوار السجن، ملبيا مطلبا جماهيريا، وكشف أيضا أوراق من وصفهم بـ«المتآمرين المتربصين بالبلاد» من قوى داخلية وخارجية، وأغلق أبواب الجزائر أمام تدخل أي قوى خارجية، مؤكدا تحديه للجميع، ومحذرا بأن الجيش سوف يتصدى لأية مؤامرة، ومصمما على المسارالدستوري السياسي لمواجهة الأزمة التي ضربت الجزائر.

رابعا: عمل على تحييد كل مؤسسات الدولة، بلا استثناء، من الانخراط في الصراع السياسي، والاحتقان الاجتماعي، مؤمنا سير دولاب العمل في البلاد، ومؤكدا على عدم التنازل عن إجراء الاستحقاق الرئاسي في الثاني عشر من شهر ديسمبر/ كانون الأول الجاري لانتخاب رئيسا للبلاد يتحمل المسؤولية الدستورية والقانونية لاستقرار الجزائر والعمل من أجل التنمية وحل المشكلات الاجتماعية الحياتية للمواطنين، ومنح فرصة للشباب في إدارة شئون البلاد.

خامسا: ومنذ بداية تظاهرات الحراك الشعبي، كان الرجل مؤمنا بالحل السياسي والدستوري لأزمات الجزائر، وبدا ممسكا بهذا المبدأ حتى وضع الوطن على المسار الدستوري القانوني تحت رئاسة الرئيس الجديد عبد المجيد تبون، بعد أن نجح الجيش في تأمين نزاهة الاقتراع في مقار الانتخابات على امتداد كافة ولايات الجزائر، ومؤمّنا مشاركة المراقبين الأجانب والعرب الذين شاركوا في مراقبة الانتخابات الرئاسية.

تقدير الشعب الجزائري لرجل أنقذ الوطن من الفوضى

وتعدّدت أساليب الجزائريين في توديع قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، الذي توفّي الإثنين الماضي، إثر سكتة قلبية، في وقت دعت وزارة الشؤون الدينية إلى إقامة صلاة الغائب بكل مساجد البلاد على روح الراحل.

وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بمئات الصور والفيديوهات، نقلت جوانب من مظاهر العزاء والحزن لدى الجزائريين على رحيل قايد صالح، ونشرت صورا لأصحاب محلات تصدقوا بالخبز على روح الراحل، كما تصدّق صاحب عربة لبيع الخضروات والفواكه بسلعته.

وعلّقت صفحة الإذاعة الوطنية «مواطنون يتصدقون على روح الفقيد أحمد قايد صالح، الذي أقسَم ألا تسيل قطرة دم واحدة».

وفي ولايات عديدة أقام مواطنون خيم عزاء وأطعموا مواطنين ومحتاجين، كما فتحوا سجلات لتلقي التعازي.

ويقول شباب من النشطاء، إنه «لم يسطُ على السلطة وزجّ بالعصابة في السجن»، وفي مدينة برج بروعريريج، التي تُسمى «عاصمة الحراك»، عُلقت لافتة عملاقة على المبنى المسمى قصر الشعب، رسم عليها قايد صالح وهو يؤدّي التحية العسكرية، وكُتب عليها آيات قرآنية.

واختار جزائريون آخرون إطلاق اسم قايد صالح على مواليدهم الجدد، فنشروا صورا لمواليدهم من داخل المستشفيات.

%d مدونون معجبون بهذه: