د.محيي الدين محسب يكشف ل مصطفى عبد الله العبث اللبناني بديوان إبراهيم ناجي الناقد المصري يؤكد أن طبعة بيروت عاثت فسادًا في قصيدة ناجي

وأسقطت بيتين كاملين، وخلطت بين بيتين آخرين، واستبدلت كلمات بكلمات غيرها! محسب يدرس شعرية الاشتقاق في تجربة الشاعر أمل دنقل  استكشاف الأسس الإدراكية والأبعاد الدلالية التي تكشف عنها هندسةُ التمثيل اللغوي الصوتي محسب يقدم دراسة تحليلية لنص قصيدة "الغبار" من تجربة الشاعر السعودي عبدالمحسن يوسف

0 68
توقفت خلال الفترة الأخيرة أمام عملين مهمين للعالِم الدكتور محيي الدين محسب، الأول هو كتالب “خطاب اللغة في الأدب” الذي يحمل عنوانًا شارحًا هو “تحولات إبستمولوجية ومقاربات تطبيقية في الدلالة والأسلوب والمغزى” الصادر عن دار لونجمان بالقاهرة. والكتاب الثاني “الإدراكيات.. أبعاد إبستمولوجية وجهات تطبيقية”، الصادر عن “دار كنوز” في عمّان بالأردن. ويلفت الانتباه في العنوانين وجود كلمة “إبستمولوجيا” التي تستغلق على الكثيرين، هذا المصطلح الذي يمكن تبسيطه في أنه النظريات المعرفية التي وصل إليها العلم في العصر الحديث في آخر القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، مع الاكتشافات العلمية التي حققها أربعة من أكبر رجال العصر إضافة وهم: داروين في اكتشافاته لنظرية التطور وأصل الأنواع، وماكس بلانك في نظريته الكوانتم في الفيزياء الحديثة، وكارل ماركس في نظرية رأس المال التي وضعها مع فريدريك إنجلز، وسيجموند فرويد في اكتشافاته في علم النفس في كتابيه: “مسائل في علم النفس”، و”تفسير الأحلام”، وكشفه لأهمية اللاشعور أو العقل الباطن أو مخزن الذكريات في تشكيل شخصية الإنسان الناضج.

وهذه الاكتشافات كان لها أثرها الكبير في أغلب العلوم الإنسانية والفنية، وكذلك في المذاهب الفنية مثل: “الدادية والتكعيبية والسريالية وغيرها، وقد انعكست هذه المذاهب فيما أصبح يعرف بوحدة الفنون وقواسمها المشتركة في الشعر، والرواية وفنون القصة.
وقد أهدى المؤلف هذا الكتاب إلى أستاذيه؛ محمود فهمي حجازي، وعبدالعزيز المانع، وإلى أصدقاء آخرين منهم؛ مصطفى غلفان، ووليد العناتي، وحفيظ إسماعيلي. وهو وفاء أصبح نادرًا في أيامنا.

لأن الدكتور محسب معنيّ جدًا بتدقيق النظر في مغزى النص الشعري، وبالدور الذي تلعبه اللغة في تشكيل هذا المغزى فإنه يؤثر الوقوف بالقراءة والتحليل عند نصوص قصائد مفردة

أما الكتاب فيضم خمس مقالات في موضوع “الإدراكيات”؛ وهو ترجمة لكلمة Cognitive sciences، وتتدرج هذه المقالات من تقديم صورة تاريخية وإبستمولوجية عامة، في المقالة الأولى، إلى تقديم معالجة مصطلحية للتلقي العربي لمصطلح Cognition  وقرينه مصطلح Perception مع ربط القضية المصطلحية بالتحولات الإبستمولوجية التي شهدتها الإدراكيات منذ نشأتها في عقد الخمسينيات من القرن الماضي، في المقالة الثانية.
وفي المقالة الثالثة يقدم التطور العميق الذي أحدثته المقاربة الإدراكية في دراسة ظاهرة الاستعارة Metaphore.
أما المقالة الرابعة، فتتناول أثر الإبستمولوجيا الإدراكية في قضية الترجمة، أو بالأحرى في تعميق أبعاد ما لا يترجم بين اللغات والثقافات.
وينتهي الكتاب بالمقالة الخامسة التي تضمنت جانبًا من الدور الذي لعبته الإدراكيات في علاقتها بالدرس الأدبي.
أما الكتاب الآخر للدكتور محسب فيضم عددًا من المقالاتِ العلميةِ المترجمةِ التي تُمثِّل منظوراتٍ معرفيةً متنوعةً في علاقة اللغة بالأدب: وتبدأ بترجمة مقالةُ ستيفن أُولمان حول العلاقة بين “الأسلوبيات والدلاليات”، ثم ترجمة نصِّ مَيْكَال ريفاتير عن “مغزى القصيدة” حيث يفرق تفرقة مهمة بين “المعنى والمغزى”، وترجمة مقالةُ موري كرايجر عن “المعنى الشعري”، وهي مقالة مهمة في تاريخ نظريةِ المعنى الشعري؛ حيث تمثل المرحلةَ التي تقعُ ما بين توجهاتِ مدرسةِ “النقد الجديد”، ومرحلةِ ما بعد البنيوية، وتختتم الدراسات المترجمة بمقالةُ لارزيا بيليخوفا؛ وهي تُمَثِّلُ صورةً من إسهامِ أحدِ الاتجاهاتِ الصاعدةِ في إطارِ ما يُسَمَّى بالثورةِ الإدراكية؛ وهو اتجاهَ (البلاغيات الإدراكية cognitive rhetoric).
ويأتي بعد هذه الترجماتِ متواليةٌ من الإسهاماتِ التطبيقية في الدلالياتِ الأدبية حلّل من خلالها الدكتور محسب عددًا من النصوصِ الأدبيةِ العربيةِ: السَّرْدِيَّة والشِّعْرِيَّة. وهنا نجد عددًا من القراءات التحليلية تبدأ بقراءة في رواية “النمل الأبيض” للراحل الكبير عبدالوهاب الأسواني، وفي مستهل هذه القراءة يذكر الدكتور محسب أن هذه الرواية ـــــ تحديداً ـــــ تستفز جوانب كثيرة من معرفة القارئ. فهي تتطلب معرفةً بأبعاد ما يسمَّى بـ “الحراك الاجتماعي” الذي أدى إلى حدوث تغيرات اجتماعية واقتصادية في المجتمع المصري بعد حرب أكتوبر. ولقد بدا انعكاسات هذا التغير الاجتماعي واضحًا على شخصيات هذه الرواية كلها. على أن الجانب المهم أيضًا في هذه القراءة إنما هو التركيز على الأبعاد الجمالية واللغوية وآليات التشكيل الفني الذي قامت عليه الرواية.
وهنا يحرِّض الدكتور محسب القارئ لكي يقف أمام ما يسمى بإشارات النص، حيث يرى أن هذه الرواية تكمن قيمتها الحقيقية في أنها غنية جدًا بتلك الأبعاد الإشارية: على صعيد دلالة الشخصية وتحولاتها، ثم على صعيد بناء الحدث، ثم على صعيد التشكيل الأسلوبي لأبنية السرد والحوار والوصف… إلخ.

Literary studies
صورة تاريخية وإبستمولوجية عامة

ولعل مثل هذه القراءة تُضاف إلى قراءات كثيرة تدلل على المكانة الروائية العالية التي شغلها في حياتنا الأدبية الراحلُ الكبير عبدالوهاب الأسواني.
وينتقل الكتاب إلى جملة أخرى من القراءات قد لا يتسع الحيز المتوفر هنا لسوق تفصيلات موسعة عنها؛ فمن ذلك قراءة في رواية “تكوينات الدم والتراب” لجمال التلاوي، وقراءة في رواية “الصورة” لمصطفى بيومي، ثم قراءة في مجموعة “مطر هادئ” للكاتبة هناء عطية، وقراءة في مسرحية “عرس كليب” لللشاعر والكاتب درويش الأسيوطي. وبعد هذه الوقفات مع النصوص السردية والمسرحية ينتقل الكتاب إلى عدد من التحليلات التطبيقية في النصوص الشعرية، وتبدأ هذه التحليلات بوقفة مع القصيدة العامية ممثلة في ديوان “دواير” للشاعرة تحية وهبة، يلي ذلك قراءة في بعض نصوص الشاعر إبراهيم النحاس. ثم يعود الكتاب إلى الإبداع بالعامية من خلال قراءة قي ديوان “قبل نهاية المشهد” للشاعر يسري حسان، ويشغل الشاعر منير فوزي الاهتمام التحليلي للكاتب فيقدم حوله قراءة في ديوانه “لا أحبك مرتين، ولا أقايض بالندى”، ثم يقدم قراءة في نص قصيدة له جاءت تحت عنوان “خروج”.
ولأن الدكتور محسب معنيّ جدًا بتدقيق النظر في مغزى النص الشعري، وبالدور الذي تلعبه اللغة في تشكيل هذا المغزى فإنه يؤثر الوقوف بالقراءة والتحليل عند نصوص قصائد مفردة. ومن ذلك وقوفه عند نص للشاعر شادي صلاح الدين، وعند قصيدة للشاعرة شيرين عبدالعزيز. على أنه مما يستدعي التنويه بصفة خاصة هاتان الدراستان المعمقتان اللتان شغلتا مساحة واضحة الاتساع في الكتاب؛ الأولى جاءت تحت عنوان “النصف الآخر من بحر الوجود وبحر الحب: دلاليات قصيدة (خواطر الغروب) للشاعر إبراهيم ناجي”، ولعل من الشائق أن نشير هنا إلى أن الدكتور محسب في هذه الدراسة يستهلها بتصحيح أمر قد لا يكون تم الانتباه إليه؛ وهو أن ما بين أيدي الناس من طبعة “دار العودة” البيروتية لديوان إبراهيم ناجي (عام 1986). يختلف عن نص القصيدة الأصلي الذي نشره ناجي نفسه في مجلة (“بوللو” العدد 4 (1ديسمبر 1933 ـــــ ص331). فلقد عاثت طبعة بيروت فسادًا في النص إلى حد إسقاط بيتين كاملين، وإلى الخلط بين بيتين آخرين، وإلى استبدال كلمات بكلمات غيرها!
ويشير الدكتور محسب إلى نقطة مهمة وهي أنه عندما ذهب إلى تحليل الناقد الكبير شكري عياد لهذه القصيدة وجدها عنده خمسة عشر بيتًا؛ أي تنقص ببيتين عن أصلها المنشور في “أبوللو”!
أما الدراسة الثانية فقد جاءت تحت عنوان: “المقاربة الإدراكية للرمزية الصوتية: شعرية الاشتقاق في تجربة الشاعر أمل دنقل. وهي دراسة تحاول، كما يقول المؤلف، استكشاف الأسس الإدراكية والأبعاد الدلالية التي تكشف عنها هندسةُ التمثيل اللغوي الصوتي، ومدى إسهامها في تمثيل عالم التجربة وإدراك الوجود والواقع في بعض نماذج من شعر أمل دنقل.
وتمثل الدراسة الأخيرة في هذا الكتاب المهم للغاية إطلالة على نموذج متميز من الشعر السعودي المعاصر، وهي دراسة تحليلية لنص قصيدة “الغبار” من تجربة الشاعر عبدالمحسن يوسف.

****

عن ميدل ايست اون لاين

%d مدونون معجبون بهذه: