د. اسماعيل صبرى مقلد يكتب : أضر الديموقراطيون بالحياة السياسية والحزبية أكثر من ترامب

0 50

اما وقد صوت مجلس النواب الأمريكي بالموافقة علي لائحة الاتهام ضد الرئيس دونالد ترامب واحالها الي مجلس الشيوخ لاستكمال الاجراءات الدستورية المتعلقة بمحاكمته وعزله من الرئاسة ، فبامكاني القول ان هذه العملية التي كان الديموقراطيون وراءها منذ البداية لتصفية حساباتهم معه، ولا دخل للصالح الامريكي العام بها كما يزعمون ، سوف تشعل حريقا في الكونجرس بمجلسيه بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري ، وسوف تكون ايذانا ببداية مرحلة شائكة وصعبة من العلاقات العدائية بين الحزبين ، وسوف يكون المتضرر الاول منها هو الصالح الامريكي العام نفسه الذي سيدفع ثمن هذه الحرب الحزبية الجديدة التي لم يكن ثمة مبرر لها اصلا والرئيس ترامب يمضي نحو نهاية فترة رئاسته الاولي بما لها وما عليها .

اقول انه كان يمكن لخصومه الديموقراطيين الانتظار عليه والتركيز بدلا من الانشغال بقضية محاكمته وعزله والتشهير به سياسيا واعلاميا داخليا وخارجيا ، بالتحضير الجيد لاستراتيجية منافسته في معركة الانتخابات الرئاسية القادمة ، من خلال التجهيز لخوضها بمرشح ديموقراطي قوي له حضور وكاريزما وخبرة كبيرة بدلا من المرشح المتهالك الذي يدور كل هذا اللغط حوله ، وبرنامج حزبي يستطيع ان يحشد تاييد شرائح واسعة من الناخبين الامريكيين وراءه . لكنهم برهنوا بتحركهم الاخير ضد رئيسهم انهم لا يملكون هذا ولا ذاك ، اي لا المرشح القوي ولا البرنامج الانتخابي المقنع للغالبية العظمي من الامريكيين، وانما اختاروا الطريق السلبي السهل ، وهو التشهير بالرئيس الحالي لهز صورته واضعافه وارباكه ودفع الحزب الجمهوري لان يتحول عنه الي تسمية مرشح اخر قد يكون لهم فرصة اكبر في التغلب عليه . وهنا اقول انهم سوف يخسرون رهانهم ، وان خطتهم سوف تخيب وسوف تنتهي بهم الي فشل سياسي مدوي سيكونون هم وليس ترامب والجمهوريون هم اول من سوف يحصدون نتائجه ويدفعون ثمنه ، فلا مجلس الشيوخ سوف يوافق علي المضي باجراءات المحاكمة التي يعلق الديموقراطيون امالهم عليها ، وسوف يسقطون هذه المحاولة بالتصويت ضدها ليتوقف الامر عند هذا الحد .

اما الرئيس ترامب وهو المعروف بسلاطة لسانه وانفلات تعبيراته وبافراطه في تغريداته وبخروجه المستمر علي كل الاعراف الدبلوماسية في جهره بانتقاداته لخصومه واصدقائه علي السواء ، فانه لن يرحمهم بعد ان يخذل مجلس الشيوخ مؤامرتهم ، وسوف يفتح النار عليهم ويتحداهم وسوف يحصل علي تعاطف الراي العام الامريكي معه اكثر من ذي قبل لاقتناعهم بانه رجل المرحلة القادمة وانه سوف يكون بلا منافس حقيقي امامه وسوف لن يترددوا في منحه غالبية اصواتهم .

لقد اضر الديموقراطيون بالحياة السياسية والحزبية في بلدهم ضررا بالغا عندما اندفعوا وراء زعيمتهم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي التي نذرت جهودها للاطاحة بالرئيس ترامب بسبب اهاناته المستمرة لها واستخفافه بقيادتها لمجلس النواب وازدرائه لها علنا في عديد من المناسبات مما جعلها تبادله نفس المشاعر العدائية وهو ما وصل بعلاقات الطرفين ببعضهما الي ما يشبه الحرب المعلنة من المعايرات والمكايدات والتهديدات المتبادلة في سابقة سياسية غريبة لم تالفها الحياة السياسية الامريكية من قبل . وانا واثق من ان الشهور القليلة القادمة سوف تحمل الينا من تطورات هذا الصراع الحزبي ما قد لا يكون واردا في بالنا الان .

ومرة اخري اقول ان ما اقوله ليس دفاعا عن الرئيس ترامب ولا حبا فيه ، فقد يكون اسوا كثيرا من غيره من الرؤساء الامريكيين السابقين ، لكن تقييمي له يبقي خارج الموضوع ولا علاقة له به من قريب او بعيد ، وكل ما اردت ان اقوله هو انه يجب الا نبالغ في التعبير عن انبهارنا بنموذج ديموقراطي يمر الان بحالة من الاهتزاز العنيف ويكاد يتحول الي صورة مشابهة للديموقراطيات السائدة في بلدان العالم الثالث بكل عيوبها ونواقصها . وما علينا سوي الانتظار لنري .

****

*استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بكلية التجارة جامعة اسيوط والعميد الاسبق للكلية .

%d مدونون معجبون بهذه: