توماس جراهام و فورين أفيرز يكتبان : نهاية الوهم .. دعوا روسيا تكون روسيا.. الدعوة لنهج أكثر واقعية مع موسكو

الفرضية الخاطئة الثانية، وهي أن روسيا تفتقر إلى القوة لتحدي الولايات المتحدة،

0 46

ترجمة  نادر الغول

منذ نهاية الحرب الباردة، ومع تولي كل رئيس أمريكي منصبه وعد ببناء علاقات أفضل مع روسيا، وعد ورؤية تتبخر فور استلامهم مناصبهم. الرؤساء الثلاثة، بيل كلينتون، جورج دبليو بوش، وباراك أوباما، شرعوا في دمج روسيا في المجتمع الأوروبي الأطلسي وجعلها شريكا في بناء نظام ليبرالي عالمي. كل منهم ترك منصبه والعلاقات في وضع أسوأ مما كانت عليه عند استلامه موقعه، والابتعاد الروسي يتزايد.

تعهد الرئيس دونالد ترامب بإقامة شراكة وعلاقات وثيقة مع فلاديمير بوتين. ومع ذلك، فقد شددت إدارته المقاربة الأكثر تصادمية التي تبنتها إدارة أوباما بعد العدوان الروسي على أوكرانيا في عام 2014. لا تزال روسيا راسخة في أوكرانيا، وتعارض الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط بمزيد من الوقاحة، تستمر في التدخل في انتخابات الولايات المتحدة. ومع توتر العلاقات، يزداد خطر نشوب صراع عسكري.

لقد فشلت السياسة الأمريكية عبر أربع إدارات لأنها سواء كانت هذه السياسات تصالحية أو تصادمية تستند إلى وهم دائم: أن الاستراتيجية الأمريكية الصحيحة يمكن أن تغير بشكل أساسي إحساس روسيا بمصالحها الخاصة ونظرة العالم لها. لقد كانت سياسات الولايات المتحدة مضللة وتفترض أن روسيا ستنضم إلى مجتمع الدول الديمقراطية الليبرالية، كما كانت هذه السياسات مضللة من خلال تخيل أن اتباع نهج أكثر عدوانية قد يجبر روسيا على التخلي عن مصالحها الحيوية.

يجب أن ينطلق النهج الأفضل في التعاطي مع روسيا من الاعتراف بأن العلاقات بين واشنطن وموسكو كانت تنافسية بشكل أساسي منذ اللحظة التي برزت فيها الولايات المتحدة كقوة عالمية في نهاية القرن التاسع عشر، وهي لا تزال كذلك حتى اليوم. تتبنى الدولتان مفاهيم مختلفة للنظام العالمي. إنهم يسعون لتحقيق أهداف متعارضة في النزاعات الإقليمية مثل تلك الموجودة في سوريا وأوكرانيا. يتعارض التقليد الجمهوري والديمقراطي للولايات المتحدة في تناقض صارخ مع تاريخ روسيا الطويل من الحكم الاستبدادي. ومن الناحيتين العملية والإيديولوجية، فإن الشراكة الوثيقة بين الدولتين ليست مستدامة.

في المناخ الحالي، يجب أن يأتي هذا الفهم بشكل طبيعي لمعظم صناع السياسة في الولايات المتحدة. سيكون الأصعب بكثير هو إدراك أن نبذ روسيا لن يحقق سوى القليل، ومن المرجح أن يثمر نتائج عكسية. وحتى لو انخفضت قوتها النسبية، فستظل روسيا لاعباً رئيسياً في الساحة العالمية بفضل ترسانتها النووية الضخمة، ومواردها الطبيعية، ومركزها الجغرافي في أوراسيا، وحق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والسكان ذوي المهارات العالية. يعد التعاون مع روسيا ضروريًا للتصدي للتحديات العالمية الحرجة مثل تغير المناخ والانتشار النووي والإرهاب. باستثناء الصين، لا تؤثر أي دولة على القضايا ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة أكثر من روسيا. وهنا يمكن القول إنه لا يوجد أي دولة أخرى قادرة على تدمير الولايات المتحدة في غضون 30 دقيقة إلا روسيا.

إن الاستراتيجية الأكثر توازناً للمنافسة المقيدة والمحدودة لن تقلل فقط من خطر الحرب النووية، بل توفر أيضًا إطارًا للتعاون اللازم لمواجهة التحديات العالمية. يمكن لعلاقات أكثر ذكاءًا مع روسيا أن تساعد في ضمان الأمن الأوروبي والاستقرار الاستراتيجي، وجلب قدر ضئيل من النظام إلى الشرق الأوسط، وإدارة نهوض الصين. كما يطالب صناع السياسة في الولايات المتحدة بأن تقوم روسيا بتعديل سلوكها، يجب أن يكونوا مستعدين لتقليص أهدافهم على المدى القريب، وخاصة في تسوية الأزمة في أوكرانيا، لإقامة علاقة أكثر إنتاجية مع موسكو.

قبل كل شيء، سيحتاج صناع السياسة في الولايات المتحدة إلى رؤية روسيا بوضوح، دون مواقف مسبقة أو أيديولوجية. يجب على الإستراتيجية الروسية الجديدة أن تستغني عن التفكير السحري للإدارات السابقة وأن تسعى بدلاً من ذلك إلى تحقيق مكاسب تدريجية تعزز المصالح الأمريكية طويلة الأجل. بدلاً من محاولة إقناع موسكو بفهم مصالحها الخاصة بشكل مختلف، يجب على واشنطن أن تثبت أن هذه المصالح يمكن متابعتها بأمان أكبر من خلال المنافسة المدروسة والتعاون مع الولايات المتحدة.

نهاية الوهم

إن تركيز واشنطن الأولي في فترة ما بعد الحرب الباردة على الشراكة والتكامل أساء قراءة الواقع في روسيا بشكل أساسي، مفترضًا أن البلاد كانت في خضم انتقال ديمقراطي حقيقي وأنها كانت أضعف من أن تقاوم السياسات الأمريكية. من المؤكد أن الفرضية القائلة بأن روسيا كانت تتخلى عن ماضيها الاستبدادي لم تكن غير معقولة في أوائل التسعينيات. من وجهة نظر الولايات المتحدة، انتهت الحرب الباردة بانتصار الديمقراطية الغربية على الشمولية السوفيتية. بدأت بلدان الكتلة السوفيتية السابقة في التحول إلى الديمقراطية بعد ثورات 1989. غذت قوى العولمة المتصاعدة الاعتقاد بأن ديمقراطية السوق الحرة كانت السبيل إلى الازدهار والاستقرار في العقود المقبلة. أعلن قادة روسيا الجديدة – الرئيس بوريس يلتسين والإصلاحيين الشباب من حوله – التزامهم بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة.

لكن حتى في التسعينيات، كانت هناك علامات على أن هذه الافتراضات كانت خاطئة. على عكس الرواية الغربية المهيمنة، فإن انهيار الاتحاد السوفيتي لم يمثل اختراقًا ديمقراطيًا بل انتصار يلتسين الشعبوي على الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، الذي كان من المفارقات أن يكون ديمقراطيًا أكثر التزامًا، وقد أشرف على ما تبقى من الانتخابات الأكثر حرية ونزاهة في التاريخ الروسي. لم يكن لدى روسيا سوى القليل من التقاليد الديمقراطية الأصلية التي يمكن الاعتماد عليها والشعور الهش بالمجتمع السياسي الذي تقوم عليه الديمقراطية التي تعمل بشكل جيد. ومما زاد الطين بلة، أن مؤسسات الدولة وقعت فريسة للأوليغاركيين الجشعين وبارونات المنطقة. وتنافست الزمر القاسية، في كثير من الأحيان بعنف، على اقتناء أصول اقتصاد كان مؤمماً بالكامل. انتشرت الفوضى السياسية في الوقت الذي حارب فيه الشيوعيون القدامى والوطنيون السوفييت قوات أكثر تقدمية.

اشتدت حدة الاضطراب طوال التسعينيات لدرجة أن العديد من المراقبين كانوا يخشون أن تنهار روسيا، مثلما فعل الاتحاد السوفيتي في وقت سابق من العقد. تقع مهمة استعادة النظام على عاتق خلف يلتسين، بوتين. على الرغم من تعبيره عن خططه في خطاب ديمقراطي، أوضح بوتين في وثيقة بعنوان “روسيا في مطلع الألفية” (صدرت في 30 ديسمبر 1999) أنه يعتزم العودة إلى النموذج الروسي التقليدي لنموذج قوي ومركزي لدولة استبدادية. روسيا كما كتب بوتين، “لن تصبح قريبًا ولا مستقبلا، نسخة من الولايات المتحدة أو إنجلترا، حيث القيم الليبرالية لها جذور تاريخية عميقة.. بالنسبة للروس، فإن وجود دولة قوية ومتينة ليس بالأمر الشاذ الذي يجب مقاومته. على العكس من ذلك، فهو الضامن للنظام، البادئ وهو المحفز وقائد لأي تغيير”.

لم يكن المسؤولون الأمريكيون معصوبي الأعين عن العقبات التي تعترض الإصلاح الديمقراطي أو نوايا بوتين، ولكن في فترة ما بعد الحرب الباردة، أصروا على أن الشراكة مع روسيا يجب أن تستند إلى القيم الديمقراطية المشتركة؛ مجرد المصالح المشتركة لم تكن كافية. لبناء دعم شعبي لسياساتها، أكدت كل إدارة للأميركيين أن قادة روسيا ملتزمون بالإصلاحات والعمليات الديمقراطية. منذ التسعينيات، قاس البيت الأبيض نجاح مقاربته إلى حد كبير من حيث تقدم روسيا نحو أن تصبح ديمقراطية أقوى وأكثر فاعلية، وهو مشروع مبهم لم يكن للولايات المتحدة تأثير يذكر عليه. وليس من المستغرب أن تنهار هذه الإستراتيجية عندما ثبت أنه من المستحيل سد الفجوة بين هذا الوهم وبين الواقع الاستبدادي المتزايد لروسيا. بالنسبة إلى كلينتون، جاءت لحظة الحقيقة عندما قام يلتسين بتثبيت حكومة جديدة من المحافظين والشيوعيين بعد الانهيار المالي في روسيا عام 1998؛ بالنسبة لبوش، فقد جاء ذلك عندما قام بوتين بقمع المجتمع المدني كرد فعل على الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004؛ إما بالنسبة لأوباما، جاء ذلك عندما أعلن بوتين في عام 2011 أنه بعد أن شغل منصب رئيس الوزراء، فإنه سوف يستعيد الرئاسة.

الفرضية الخاطئة الثانية، وهي أن روسيا تفتقر إلى القوة لتحدي الولايات المتحدة، كانت تبدو منطقية أيضًا في أوائل سنوات ما بعد الاتحاد السوفيتي. تقلص الاقتصاد الروسي بنسبة تقارب 40 في المائة بين عامي 1991 و 1998. وأصبح الجيش الأحمر الذي كان يخشى ذات يوم، والذي كان يتضور جوعًا من الاستثمارات، ظلًا لذاته السابقة. كانت روسيا تعتمد على الدعم المالي الغربي للحفاظ على اقتصادها وحكومتها. في ظل هذه الظروف، استغلت إدارة كلينتون للتدخل في البلقان وتوسيع الناتو دون رد فعل جاد من روسيا.

لكن هذه الفرضية أصبحت أقل منطقية حيث تعافى الاقتصاد الروسي سريعًا بعد أن تولى بوتين الحكم واستعاد النظام من خلال اتخاذ إجراءات صارمة ضد القلة والبارونات الإقليميين. أطلق بعد ذلك جهودًا متضافرة لتحديث الجيش. ومع ذلك فإن إدارة بوش، التي اقتنعت بقوة واشنطن التي لا مثيل لها في “اللحظة القطبية الأحادية”، لم تظهر إلا القليل من الاحترام لتجديد القوة الروسية. انسحب بوش من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، ووسع حلف الناتو أكثر، ورحب بما يسمى بالثورتين الملونتين في جورجيا وأوكرانيا، مع إشارتها المعادية لروسيا. وبالمثل، فإن إدارة أوباما، رغم أنها كانت أقل يقينًا بالقوة الأمريكية، لا تزال ترفض روسيا. مع اندلاع ثورات الربيع العربي في عام 2011، أعلن أوباما أن الرئيس السوري بشار الأسد العميل الروسي، كان عليه أن يذهب. كما لم تهتم واشنطن كثيراً باعتراضات روسيا عندما تجاوزت الولايات المتحدة وحلفاؤها شروط التدخل المدعوم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في ليبيا، وتحولت مهمة حماية السكان المهددين بالابادة إلى عملية للإطاحة بالقائد القوي للبلاد معمر القذافي.

تم مرمغة كل من إدارتي بوش وأوباما بالتراب. حيث أظهر التوغل الروسي في جورجيا عام 2008 لإدارة بوش أن روسيا تتمتع بحق النقض (الفيتو) على توسيع حلف الناتو باستخدام القوة. وبالمثل، فإن استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم وزعزعة الاستقرار في شرق أوكرانيا في عام 2014 صدم إدارة أوباما، التي رحبت في وقت سابق بطرد فيكتور يانوكوفيتش، الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا. بعد مرور عام أنقذ التدخل العسكري الروسي في سوريا الأسد من هزيمة وشيكة على أيدي المتمردين الذين تدعمهم الولايات المتحدة.

شهوة القوة

واليوم تخلى كل شخص تقريباً في واشنطن عن ادعاء أن روسيا في طريقها إلى الديمقراطية، وأن إدارة ترامب تعتبر روسيا منافسًا استراتيجيًا. هذه  التصحيحات بالطبع المتأخرة. ومع ذلك  فإن الاستراتيجية الحالية لمعاقبة ونبذ روسيا متصدعة. إلى جانب النقطة الواضحة المتمثلة في أن الولايات المتحدة لا تستطيع عزل روسيا ضد رغبات القوى الكبرى مثل الصين والهند، فإن هذه الاستراتيجية ترتكب بعض الأخطاء الجسيمة.

لسبب وحيد، إنها تبالغ في تقدير القوة الروسية وتشويه صورة بوتين، وتحول العلاقات إلى صراع خالٍ، تكون فيه النتيجة الوحيدة المقبولة لأي نزاع هي استسلام روسيا. لكن سياسة بوتين الخارجية كانت أقل نجاحًا من المعلن عنها. إن تصرفاته في أوكرانيا، والتي تهدف إلى منع الانجراف نحو الغرب في ذلك البلد، قد ربطت أوكرانيا أكثر بالغرب بينما أعادت تركيز الناتو على مهمتها الأصلية المتمثلة في احتواء روسيا. أدى تدخل بوتين في الانتخابات الأمريكية إلى تعقيد العلاقات مع الولايات المتحدة، والتي تحتاج روسيا إلى تطبيعها لكسب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وخلق بديل طويل الأجل لاعتمادها الاستراتيجي المفرط على الصين.

في غياب العمل الغربي المتضافر، أدخل بوتين روسيا كلاعب رئيسي في العديد من النزاعات الجيوسياسية، وعلى الأخص في سوريا. ومع ذلك لم يثبت بوتين بعد أنه قادر على إنهاء أي صراع يعزز مكاسب روسيا. في وقت الركود الاقتصادي وانتشار السخط الاجتماعي والاقتصادي، أصبحت سياسته الخارجية الناشطة تخاطر الآن بالمزيد من الإرهاق للدولة. في هذه الظروف يحتاج بوتين إلى التخندق. وينبغي أن تفتح هذه الضرورة إمكانيات للولايات المتحدة للتحول إلى الدبلوماسية وتقليل عبء المنافسة مع روسيا مع حماية المصالح الأمريكية.

عيب آخر في الإستراتيجية الاميركية الحالية هو أنها تتخيل روسيا دولة كليبتوقراطية خالصة (دولة لصوص)، يحفز قادتها أساسًا على الرغبة في الحفاظ على ثروتهم وضمان بقائهم على قيد الحياة. ولكي تنجح هذه السياسة، فإنها تفترض أن المسؤولين والأوليغاركيين الخاضعين للجزاءات سيضغطون على بوتين لتغيير سياسته في أوكرانيا على سبيل المثال، أو لفك تدخل روسيا في السياسة الداخلية الأمريكية. لم يحدث شيء من هذا القبيل لأن روسيا تشبه إلى حد كبير دولة تراثية، حيث تعتمد الثروة الشخصية والمكانة الاجتماعية في نهاية المطاف على النعم الجيدة لمن هم في السلطة.

صناع السياسة في الولايات المتحدة مذنبون أيضًا في عدم اخذهم على محمل الجد رغبة روسيا في أن يُنظر إليها كقوة عظمى. روسيا ضعيفة بالفعل من خلال العديد من التدابير: اقتصادها هو جزء صغير من حجم الاقتصاد الأمريكي، وسكانها غير صحيين بالمعايير الأمريكية، واستثماراتها في قطاع التكنولوجيا الفائقة أقل بكثير من مستويات الولايات المتحدة. لكن الزعماء الروس يتمسكون بالقناعة القائلة بأن البقاء على قيد الحياة يوجب أن يكون بلدهم قوة عظمى، واحدة من الدول القليلة التي تحدد هيكل ومضمون واتجاه الشؤون العالمية، وهم على استعداد لتحمل محن كبيرة في السعي لتحقيق هذا الوضع الدولي. لقد دفعت تلك العقلية سلوك روسيا العالمي منذ أن أدخل بيتر العظيم مملكته إلى أوروبا قبل أكثر من 300 عام. منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، ركز الزعماء الروس على استعادة مكانة روسيا كقوة عظمى، مثلما فعل أسلافهم بعد الإذلال الوطني لحرب القرم في خمسينيات القرن التاسع عشر 1850، ثم مرة أخرى بعد زوال الإمبراطورية الروسية في عام 1917. وكما كتب بوتين قبل عقدين من الزمن ، “لأول مرة في القرنين أو الثلاثة قرون الماضية، تخاطر [روسيا] بالانزلاق إلى المرتبة الثانية، وربما الثالثة، من دول العالم. لمنع هذا ، يجب أن نبذل كل قوانا الفكرية والجسدية والمعنوية.. كل شيء يعتمد على قدرتنا على فهم أبعاد التهديد، والعمل سوية، والالتزام بهذه المهمة الطويلة والصعبة.”

جزء من هذه المهمة هو مواجهة الولايات المتحدة، التي يرى بوتين أنها العقبة الرئيسية أمام تطلعات روسيا كقوة عظمى. على عكس ما يتصور أنه طموحات واشنطن أحادية القطب، يصر الكرملين على وجود عالم متعدد الأقطاب. وبشكل أكثر تحديداً، سعت روسيا إلى تقويض موقف واشنطن من خلال مراقبة المصالح الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط، وحاولت تشويه صورة الولايات المتحدة باعتبارها نموذجًا للفضيلة الديمقراطية بالتدخل في الانتخابات وتفاقم الخلاف الداخلي.

عالم روسيا

في سعيها للحصول على وضع القوة العظمى، تفرض روسيا تحديات جغرافية سياسية محددة على الولايات المتحدة. تنبع هذه التحديات من مأزق روسيا القديم المتمثل في اضطرارها إلى الدفاع عن بلد شاسع غير مستقر ومتعدد الأعراق يقع على مساحة من الأرض تفتقر إلى حواجز مادية هائلة، وتتاخم إما الدول القوية أو المناطق غير المستقرة. تاريخيا تعاملت روسيا مع هذا التحدي من خلال الحفاظ على سيطرة مشددة محليا، وخلق مناطق عازلة على حدودها، ومنع ظهور تحالف قوي من القوى المتنافسة. اليوم يتعارض هذا النهج مع المصالح الأمريكية في الصين وأوكرانيا وأوروبا والشرق الأوسط.

لم يكن أي جزء من أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق في الخيال الروسي أكبر أهمية من أوكرانيا، التي تتمتع بموقع استراتيجي كطريق إلى البلقان وأوروبا الوسطى، مباركة بإمكانيات اقتصادية هائلة، وأشاد بها الروس باعتبارها مهدًا لحضارتهم. عندما هددت حركة شعبية مدعومة من الولايات المتحدة في عام 2014 بطرد أوكرانيا من مدار روسيا، استولى الكرملين على شبه جزيرة القرم وحرض على تمرد في المنطقة الشرقية من دونباس. ما اعتبره الغرب انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، فيما رأى الكرملين أنه دفاع عن النفس.

عندما ينظرون إلى أوروبا برمتها، فإن القادة الروس يرون في الحال تهديدا ملموسا ومرحلياً للعظمة الروسية. من الناحية العملية، أثارت الخطوات التي اتخذتها أوروبا نحو التوحيد السياسي والاقتصادي احتمال وجود كيان هائل على حدود روسيا من شأنه، مثل الولايات المتحدة، أن يقزّم روسيا في عدد السكان والثروة والسلطة. أما من الناحية النفسية، فلا تزال أوروبا مركزية وحساسة للقوة العظمى لروسيا. على مدى القرون الثلاثة الماضية، أظهرت روسيا براعتها في ساحات القتال الكبرى في أوروبا ومن خلال مؤتمراتها الدبلوماسية الكبرى. بعد هزيمة نابليون في عام 1814 على سبيل المثال، كان الإمبراطور الروسي ألكساندر الأول هو الذي حصل على مفتاح مدينة باريس. كان لتوطيد أوروبا والتوسع المستمر في حلف الناتو أثر في إخراج روسيا من أوروبا وتقليص صوتها في الشؤون القارية. وهكذا عجّل الكرملين من جهوده لاستغلال خطوط الصدع داخل الدول الأوروبية وفيما بينها ولإثارة الشكوك لدى أعضاء الناتو الضعفاء بشأن التزام حلفائهم بالدفاع الجماعي.

في الشرق الأوسط، عادت روسيا بعد غياب دام نحو 30 عامًا. في البداية تدخل بوتين في سوريا لحماية عميل قديم ولمنع انتصار القوى الإسلامية المتطرفة التي لها صلات بمتطرفين داخل روسيا. ولكن بعد إنقاذ الأسد ورؤية عدم وجود دور قوي للولايات المتحدة، تطورت طموحاته. قررت روسيا استخدام الشرق الأوسط كمنصة لعرض أوراق اعتماد القوى العظمى. إلى جانب تخطي عملية صنع السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، والتي تعد الولايات المتحدة طرفًا رئيسيًا فيها، تعاونت روسيا مع إيران وتركيا للتوصل إلى حل سياسي نهائي للأزمة في سوريا. لتقليل خطر حدوث نزاع مباشر بين إيران وإسرائيل، عززت روسيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل. لقد أعادت بناء العلاقات مع مصر وعملت مع المملكة العربية السعودية لإدارة أسعار النفط.

كما عززت علاقتها من الصين في محاولة تطوير توازن استراتيجي للولايات المتحدة. لقد ساعدت هذه العلاقة روسيا في مقاومة الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط، الاهتمام الأكبر لواشنطن يجب أن يكون كيفية تعزيز قدرات بكين. ساعدت روسيا في تغلغل الصين التجاري في آسيا الوسطى، وبدرجة أقل أوروبا والشرق الأوسط. لقد منحت الصين الوصول إلى الموارد الطبيعية بأسعار مواتية وباعت البلد التكنولوجيا العسكرية المتطورة. باختصار، تحرض روسيا الصين على النهوض كمنافس هائل للولايات المتحدة.

إن سياسة موسكو الخارجية الأكثر حزماً اليوم ليست انعكاسا للقوة المتزايدة للبلاد، من حيث القيمة المطلقة، لم تزداد قوتها زيادة كبيرة، ولكن التصور بأن الفوضى الأمريكية عززت القوة النسبية لروسيا. الدافع وراء سلوك البلاد هو الخوف المستمر الذي يوجه السياسة الخارجية الروسية، بمعنى أنه على المدى الطويل، سوف تكون روسيا وراء كل من الولايات المتحدة والصين. الاقتصاد الروسي في حالة ركود، وحتى التوقعات الرسمية لا ترى سوى القليل من الأمل في التحسن في السنوات العشر القادمة. لا يمكن لروسيا أن تستثمر كما منافسيها في التقنيات الحيوية، مثل الذكاء الاصطناعي، والهندسة الحيوية، والروبوتات، التي ستشكل شخصية القوة في المستقبل. ربما يكون بوتين يضغط بشدة الآن، في الوقت الذي تتمتع فيه روسيا بقوة نسبية متزايدة، لوضع البلد في مكان أفضل في النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب الذي يرى أنه يتشكل.

 

بين التكيف والمقاومة

التحدي الذي تفرضه روسيا الآن على الولايات المتحدة لا يعكس صراع الوجود كما في الحرب الباردة. بدلاً من ذلك، تعتبر المنافسة محدودة بين القوى الكبرى ومرتبطة بالضرورات والمصالح الإستراتيجية المتنافسة. إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الوصول إلى تسوية مع الاتحاد السوفيتي السابق لتعزيز السلام والأمن العالميين مع تعزيز المصالح والقيم الأمريكية، فمن المؤكد أنها تستطيع فعل الشيء نفسه مع روسيا اليوم.

بداية من أوروبا، يجب على صانعي السياسة في الولايات المتحدة التخلي عن أي طموحات لتوسيع حلف الناتو ليضم دولا سوفيتية سابقة. وبدلاً من مغازلة البلدان التي لا يرغب حلف الناتو في الدفاع عنها عسكريًا، لاحظ ردود الفعل العقيمة للهجمات الروسية على جورجيا وأوكرانيا، يجب على الحلف أن يعزز تماسكه الداخلي ويطمئن الأعضاء الضعفاء من التزامه بالدفاع الجماعي. وقف توسع الناتو شرقًا سيزيل سببًا رئيسيًا لتجاوزات روسيا على الدول السوفييتية السابقة. لكن لا يزال يتعين على الولايات المتحدة التعاون في المسائل الأمنية مع تلك الدول، وهو نوع من العلاقات تتسامح معه روسيا.

حتى الآن أصرت الولايات المتحدة على أن إمكانية عضوية الناتو تظل مفتوحة أمام أوكرانيا. رفضت واشنطن بشكل قاطع دمج روسيا لشبه جزيرة القرم وأصرت على إنهاء النزاع في دونباس على أساس الاتفاق الموقع في مينسك في عام 2015، والذي ينص على وضع الحكم الذاتي الخاص للمناطق الانفصالية داخل أوكرانيا الموحدة. لقد حقق هذا النهج القليل من التقدم. لا يزال نزاع دونباس مستمرًا، وتضع روسيا جذورًا أعمق في شبه جزيرة القرم. نظرًا لانشغالها عن الإصلاح بسبب الصراع مع روسيا، فإن أوكرانيا تعاني من الفساد والتقلبات السياسية وضعف الأداء الاقتصادي.

إن الانتخابات الأخيرة في أوكرانيا للرئيس جديد فولوديمير زيلينسكي، الذي يهيمن أنصاره الآن على البرلمان، قد خلقت فرصة لحل شامل للأزمة. اثنتان من المفاضلات ضرورية.. أولاً: لتهدئة المخاوف الروسية، ينبغي على الولايات المتحدة أن تخبر أوكرانيا بأن عضوية الناتو غير مطروحة، مع تعميق التعاون الأمني الثنائي مع كييف. ثانياً: ينبغي أن تعترف كييف بتضمين روسيا لشبه جزيرة القرم في مقابل قبول موسكو لإعادة الدمج الكامل لدونباس في أوكرانيا دون أي وضع خاص. في اتفاق شامل، سيتلقى الأوكرانيون أيضًا تعويضًا عن الممتلكات المفقودة في شبه جزيرة القرم، وسيتم منح أوكرانيا إمكانية الوصول إلى الموارد البحرية والممر المضمون عبر مضيق كيرتش إلى الموانئ على بحر آزوف. ستخفف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تدريجياً من العقوبات المفروضة على روسيا عندما تدخل هذه الترتيبات حيز التنفيذ. في الوقت نفسه، سيقدمون لأوكرانيا حزمة مساعدات كبيرة تهدف إلى تسهيل الإصلاح ايمانًا منهم بأن أوكرانيا القوية المزدهرة هي أفضل رادع ضد العدوان الروسي في المستقبل والأساس الضروري لمزيد من العلاقات الروسية الأوكرانية البناءة.

مثل هذا النهج سيُواجه في البداية بشك كبير في كييف وموسكو وأماكن أخرى في أوروبا. لكن زيلينسكي رهن رئاسته حول حل نزاع دونباس، وسيرحب بوتين بفرصة إعادة توجيه الموارد والانتباه إلى مواجهة الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية المنتشرة في روسيا. يعاني القادة الأوروبيون من التعب في أوكرانيا ويريدون تطبيع العلاقات مع روسيا مع الحفاظ على مبادئ الأمن الأوروبي. لقد حان الوقت للدبلوماسية الجريئة التي تتيح لجميع الأطراف المطالبة بنصر جزئي واستيعاب الحقائق الصعبة على أرض الواقع: الناتو ليس مستعدًا لقبول أوكرانيا كعضو، القرم لن تعود إلى أوكرانيا، وحركة انفصالية في دونباس غير قابلة للحياة دون دعم موسكو الفعال.

وأيضاً استراتيجية روسية أكثر ذكاءً ستحسب بشكل أفضل آثار التدخلات العسكرية للكرملين في الشرق الأوسط. إيران، وليس روسيا، هي التي تشكل التحدي الرئيسي هناك. عندما يتعلق الأمر بإيران، فإن لدى روسيا مصالح متباينة، ولكن ليس بالضرورة متعارضة، لمصالح الولايات المتحدة. مثل الولايات المتحدة، لا ترغب روسيا في أن تحصل إيران على أسلحة نووية، ولهذا السبب دعمت الصفقة النووية مع إيران، خطة العمل الشاملة المشتركة، والتي انسحبت منها إدارة ترامب في عام 2018. مثل الولايات المتحدة، لا تريد روسيا أن تهيمن إيران على الشرق الأوسط. تسعى موسكو إلى إقامة توازن جديد في المنطقة، وإن كان بنسق مختلف عن الشكل الذي تسعى إليه واشنطن. لقد عمل الكرملين على تحسين العلاقات مع القوى الإقليمية الأخرى، مثل مصر وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وتركيا، والتي لا تربط أي منها علاقات ودية مع إيران. أولت روسيا اهتمامًا خاصًا لإسرائيل، مما سمح لها بضرب المواقع الإيرانية وحزب الله في سوريا. إذا اذعنت الولايات المتحدة لمصالح روسيا الأمنية المحدودة في سوريا وقبلت روسيا كلاعب إقليمي، فمن المحتمل أن تقنع الكرملين ببذل المزيد من الجهد للتحقق من السلوك الإيراني العدواني. تتحرك إدارة ترامب بالفعل في هذا الاتجاه، ولكن هناك حاجة إلى بذل جهد أكثر قوة.

يجب على واشنطن أيضًا تحديث نهجها في حرب التسلح. ما نجح على مدى السنوات الخمسين الماضية لم يعد ممكنا. العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، والصين على وجه الخصوص تعمل على تحديث قواتها. تقوم الدول بتطوير أسلحة تقليدية متطورة قادرة على تدمير أهداف كان يمكن تدميرها بالأسحلة النووية فقط، والآن الأسلحة السيبرانية التي قد تعرض أنظمة القيادة والسيطرة النووية للخطر. ونتيجة لذلك، فإن نظام الحد من الأسلحة ينهار. انسحبت إدارة بوش من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية في عام 2002، والتي وصفها الرئيس بأنها بقايا عفا عليها الزمن من الحرب الباردة، وفي عام 2018 انسحبت إدارة ترامب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، التي سخرت منها باعتبارها غير فعالة وقديمة.

ومع ذلك يتعين على الولايات المتحدة إطالة معاهدة ستارت الجديدة، معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية الموقعة في عام 2010 والتي من المقرر أن تنتهي في عام 2021، وهي خطوة تؤيدها روسيا على الرغم من تردد إدارة ترامب. تعزز المعاهدة الشفافية والثقة بين البلدين، الصفات الأساسية اللازم توفرها في زمن العلاقات المتوترة،  لكنها لا تقيد سباق التسلح المتسارع بأسلحة قوية ومتطورة بشكل متزايد. إن الأنظمة الواعدة،  الأسلحة التي تفوق سرعة الصوت (هيبرسونيك) والأسلحة الإلكترونية، على سبيل المثال،  تقع خارج نطاق معاهدة ستارت الجديدة. يحتاج صانعو السياسة إلى تطوير نظام جديد لتحديد الأسلحة يشمل تقنيات جديدة سريعة التطور وتشمل قوى كبرى أخرى. على الرغم من أنه من الضروري ضم الصين إلى العملية في مرحلة ما، يتعين على الولايات المتحدة وروسيا أن تتصدر القيادة، كما فعلتا من قبل، لديهم تجربة فريدة من نوعها في النظر في المتطلبات النظرية والعملية للاستقرار الاستراتيجي وتدابير الحد من الأسلحة. يجب على واشنطن وموسكو تطوير نظام جديد لتحديد الأسلحة ومن ثم تعزيزه بدعم متعدد الأطراف.

فيما يتعلق بالقضايا النووية الاستراتيجية والمسائل الأخرى، لا يمكن للولايات المتحدة أن تمنع صعود الصين، ولكن يمكنها أن تواجه القوة الصينية المتنامية بطرق تتفق مع المصالح الأمريكية. يجب أن تجعل روسيا جزءًا من هذا الجهد بدلاً من دفعها إلى حضن الصين، كما تفعل الولايات المتحدة الآن. من المستحيل بالطبع، قلب روسيا ضد الصين. لدى روسيا كل الأسباب لعلاقات جيدة مع جار تجاوزها بالفعل كقوة كبرى. لكن يمكن للولايات المتحدة أن تشجع لتوازن مختلف للقوة في شمال شرق آسيا بما يخدم أغراض الولايات المتحدة.

للقيام بذلك، يجب على صانعي السياسة في الولايات المتحدة أن يساعدوا في مضاعفة بدائل روسيا من الصين، وبالتالي تحسين موقف الكرملين التفاوضي وتقليل خطر أن اتفاقات التجارة والأمن مع بكين سوف تميل بشدة لصالح الصين، كما هي الآن. مع تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا في مجالات أخرى، يتعين على الولايات المتحدة التركيز على إزالة تلك العقوبات التي تمنع الاستثمارات اليابانية والكورية الجنوبية والولايات المتحدة في الشرق الأقصى لروسيا والتي تمنع المشاريع المشتركة مع الشركات الروسية في آسيا الوسطى. زيادة خيارات روسيا ستمنح الكرملين قوة أكبر في التعامل مع الصين، لصالح الولايات المتحدة.

إن الجهود الأمريكية الرامية إلى التخفيف من حدة المنافسة على القضايا الإقليمية قد تدفع روسيا إلى الحد من تدخلها الانتخابي، لكن المشكلة لن تتلاشى بسهولة. لا يمكن تجنب مستوى معين من التدخل، من روسيا ومن دول أخرى، في عالم اليوم المترابط. نظرًا لأن الديمقراطيات الأوروبية تواجه تحديات مماثلة، يجب على الولايات المتحدة العمل مع حلفائها لتطوير استجابات مشتركة ومعززة لهذه التهديدات السيبرانية. يجب أن يكون هناك بعض الخطوط الحمراء فيما يتعلق بالسلوك الروسي؛ على سبيل المثال، يجب على المسؤولين في الولايات المتحدة اتخاذ موقف قوي ضد القرصنة التي تهدف إلى استخدام المعلومات المسروقة أو البيانات الفاسدة كاسلحة، بما في ذلك قوائم الناخبين وعد الأصوات. من خلال تبادل أفضل للمعلومات الاستخباراتية، وتبادل أفضل الممارسات والعمل المشترك في بعض الأحيان، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها تشديد البنية التحتية الانتخابية، والرد على روسيا من خلال الملاحقات الجنائية والعقوبات المستهدفة، وإطلاق هجمات إلكترونية مضادة عند الحاجة.

تشكل منافذ الدعاية الروسية، مثل القناة التلفزيونية RT، وراديو Sputnik، وحسابات الوسائط الاجتماعية، مشكلة أكثر صعوبة. يجب أن يكون المجتمع الديمقراطي الواثق الناضج والمتطور قادرًا على احتواء هذا التهديد بسهولة دون محاولة إيقاف تشغيل المواقع الإلكترونية وحسابات Twitter المخالفة. ومع ذلك، وسط الحقد الشديد والاستقطاب الحزبي في الولايات المتحدة، بالغت وسائل الإعلام والطبقة السياسية في خطورة التهديد الروسي، وألقت باللوم على روسيا في الخلاف الداخلي وتضييق نطاق الجدال في النقاش النقدي من خلال التلميح إلى أن الآراء التي قد تتماشى مع التفضيلات الروسية الرسمية هي جزء من مخطط الكرملين في حملة التأثير. قد يكون النهج الأكثر بنّاء هو أن تعزز الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى وعيًا أكبر بفنون التلاعب بوسائل الإعلام وتساعد على رفع مهارات القراءة الناقدة لعامة الناس، دون تهدئة النقاش النشط الذي يمثل شريان الحياة للمجتمعات الديمقراطية. لقد كرست بعض الدول الاسكندنافية ودول البلطيق جهداً كبيراً لهذه المهام، لكن الولايات المتحدة تخلفت عن الركب.

بما أن الولايات المتحدة تقوي من أنظمتها وتعلم مواطنيها، ينبغي عليها أيضًا إشراك روسيا في إرساء قواعد الطريق في الفضاء الإلكتروني. حتى لو لم يتم التقيد التام بهذه القواعد من الناحية العملية، فإنها يمكن أن تكون بمثابة قيد على السلوك الأكثر إثارة للقلق، مثل الطريقة التي قيدت بها اتفاقيات جنيف النزاع المسلح.

في كل هذه القضايا، يأخذ المزيج المقترح من التسوية والمقاومة في الاعتبار الحقائق الصعبة للمصالح الروسية والقوة الأمريكية. هذا النهج يتناقض بشكل حاد مع تلك التي تتبعها إدارات الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، والتي أساءت قراءة روسيا ورفضت الاعتراف بالقيود الأمريكية. من نواح كثيرة، تمثل هذه الاستراتيجية عودة إلى تقليد السياسة الخارجية للولايات المتحدة قبل نهاية الحرب الباردة.

كان هذا التقليد تقدميًا، متبعًا سياسة خارجية  أكثر صبرًا وتقدم نوعا من الرضا على المدى القصير و بمكاسب تدريجية. لم تخف الولايات المتحدة من مواكبة موسكو لأنها كانت واثقة من قيمها ومستقبلها، مدركة لقوتها العظيمة ولكنها مدركة لقيودها واحترامها لقوة منافستها. كان هذا الفهم الدقيق يمثل الاستراتيجيات التي اتبعها جميع رؤساء الولايات المتحدة في فترة الحرب الباردة لإتقان التحدي من قبل موسكو. من خلال استعادة فضائل ماضيها، يمكن للولايات المتحدة السيطرة على هذا التحدي مرة أخرى اليوم.

 

*زميل متميز في مجلس العلاقات الخارجية، وشغل منصب مدير ملف روسيا في مجلس الأمن القومي أثناء إدارة جورج دبليو بوش (الابن).

***** عن موقع الغد

 

%d مدونون معجبون بهذه: