فتحى خطاب يكتب : خرق ثلاثي للدستور اللبناني.. والحريري يطلق النار على قدميه ووضع أسوأ من «الصوملة»

0 38

يبدو أن الطبقة السياسية في لبنان تقوم حاليا بتوزيع الآلام على اللبنانيين في أعياد الميلاد!! وهو تعبير ساخر ومؤلم من الدوائر السياسيية في بيروت، يكشف عن الواقع الراهن في لبنان، بعد أن غابت الدولة التي يحكمها الدستور والقانون، يوم أمس، بحسب تعبير المحلل السياسي اللبناني، غسان ريفي، وحل مكانها نظام فوضوي قائم على التمنيات الشخصية التي تحكمت بواحدة من أبرز المواد الدستورية التي تساهم في تشكيل السلطة التنفيذية، وهي الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس جديد للحكومة اللبنانية والتي تأجلت للمرة الثانية الى يوم الخميس المقبل.

 

الحريري يطلق النار على قدميه

تأجيل استشارات الأمس، يرجع إلى مجموعة إتصالات رئاسية تضمنت تمنيات من نبيه بري، وسعد الحريري، على رئيس الجمهورية  ميشال عون، لتأجيلها، فوافق الأخير وأعلن ذلك، في خرق مثلث للدستور، ومن الواضح أن الحريري ومنذ أن قدم  إستقالة حكومته والدستور اللبناني يتعرض لشتى أنواع الخرق، بدءا من تأخير الاستشارات، وإطلاق مشاورات التأليف قبل التكليف، وإخضاع المرشحين لرئاسة الحكومة لجلسات إختبار سياسية، ومصادرة دور النواب في تسمية من يرونه مناسبا لتشكيل الحكومة، مرورا بمحاولات الوزير جبران باسيل مصادرة أدوار رئاسة الجمهورية والنواب والرئيس المكلف، وصولا الى تأجيل الاستشارات للمرة الثانية ليس لأمر لطارئ وإنما بفعل تمنٍ من الحريري  الذي إستشعر خطر الأصوات الهزيلة التي قد يحصل عليها بعد رفض القوات اللبنانية تسميته.

 

خرق ثلاثي للدستور

ويضيف «ريفي»، لقد خرق الحريري الدستور باتصاله برئيس مجلس النواب، نبيه بري، للتوسط لدى الرئيس عون لتأجيل الاستشارات.. وخرق نبيه بري الدستور عندما طلب الأمر من عون، وخرق عون الدستور عندما طلب من بري أن يطلب من الحريري الاتصال به، وخرق الحريري الدستور مجددا عندما طلب من عون التأجيل لكونه لا يملك أي صفة بهذا الخصوص، وخرق عون الدستور للمرة الثانية عندما وافق على طلب الحريري ، ما أظهر أن اللبنانيين يعيشون في ظل سلطة «شراء الخاطر» أو«تبويس اللحى»، وليس في دولة تحترم دستورها وقوانينها.

  • في كل الأحوال، لم يكن سعد الحريري يحتاج الى تأجيل الاستشارات النيابية التي كانت من المفترض أن تجري، وأن يرى الحريري الأصوات التي حصل عليها، فإما أن يقبل التكليف ويبدأ بالتأليف، أو أن يرفضه ويحدد أسباب ذلك، لكنه وضع نفسه في موقف محرج أدى الى إضعافه أكثر فأكثر، وبدأ كمن يطلق النار على قدميه.

 

وضع أسوأ من «الصوملة»

وهكذا .. يتجه لبنان إلى «وضع صعب»، بينما يرى المفكر والباحث  السياسي اللبناني، د.توفيق هندي، أن العديد من اللبنانيين لا يزالون في حالة عدم وعي لما ينتظرهم، فمنهم من يرى أن الكارثة وقعت ولا يرون أن الوضع قد يكون أكثر مأساوية، ومنهم من يعتبر أن المجتمع الدولي لن يدع لبنان يصل إلى حالة الإنهيار الكامل..قد يكون هذا رأي الأوروبيين والعرب لما لهذه الحالة من تداعيات خطيرة على أوضاعهم، غير أنه لا يبدو أن واشنطن  تبالي لأنها بعيدة عن المنطقة ولأن أولوية ترامب هي إعادة إنتخابه وأن تسجيل نقاط في مواجهة إيران قد تفيده مهما كلفت من خسائر جانبية.. ويقول «هندي»، إن عدم تشكل حكومة «معقولة» يمكنها إستجلاب المساعدات الخارجية، يعني ذهاب لبنان إلى وضع أسوأ من «الصوملة»، أي نسخة مكررة من المشهد «المفكك» الفوضوي والضياع المسلح في الصومال!

مهلة 72 ساعة تحدد موقف الحريري

«العقدة التي تواجه سعد الحريرين هو توفر نصاب «الميثاقية»، أي التوافق الوطني بحسب الميثاق، وأمام هذه المعضلة التي تستوجب على الرئيس الحريري إتخاذ خياره لناحية شكل الحكومة تتوقف عملية التكليف، على الطرف المسيحي الوازن، سواء بغطاء من «القوات اللبنانية»، أو بغطاء من «التيار الوطني الحر»، وفي كلا الحالتين يبقى القرار رهنًا بمدى التجاوب معه ..أما إذا لم يوفّق الحريري في مهمة الـ 72 ساعة، ولم يلمس تجاوبًا ميثاقيًا
من كلا الطرفين فأنه سيتجه إلى إبلاغ من يعنيهم الأمر بأن يفتشوا عن غيره، لأنه من غير الوارد أن يقبل بأن تتم تسميته من دون غطاء مسيحي وازن، والذي ستنعكس سلبياته على عملية التأليف.

 

  • وتؤكد مصادر «بيت الوسط» ـ مقر الحكومة ـ أنّ سعد الحريري دعا وما زال يدعو الى وقف تقاذف كرة النار بين أيدي المسؤولين اللبنانيين. فالوضع الاقتصادي والنقدي ومعه الوضع السياسي لم يعد يحتمل بعدما تجاوز كل الخطوط الحمر، ولا بد من اتخاذ الخطوات اللازمة لوضع حدّ لِما هو متوقّع من مصاعب ومطبّات تشكل خطراً جدياً، وليس من الحكمة الاستمرار بإخفائه.

 

الحريري ليس رَجُل المرحلة

ويرى المحلل السياسي اللبناني، طارق ترشيشي، أنه لا يمكن فصل موقف «القوات اللبنانية» المعارض لتسمية سعد الحريري  لرئاسة الحكومة الجديدة، عن الاجواء والمواقف الاقليمية والدولية المحيطة بالاستحقاق الحكومي اللبناني في هذه المرحلة، وفي الوقت نفسه لا يمكن فهم مواقف الحريري نفسه وتصرفاته من دون الالتفات الى تلك الأجواء والمواقف، فهو يدرك جيّداً ما هو فيه، ولذا يحاول إحداث تغيير أو تبديل فيها لمصلحته، ولكن يبدو أنّه لم يوفّق حتى الآن.. ومجرّد إعلان «القوات» أنها لن تؤيد الحريري الذي بات عندها في مرتبة «الحليف مع وقف التنفيذ»، بعدما كان «حليفها الاستراتيج»، حتى ساعة قرارها بعدم تسميته، فذلك يدلّ فعلياً الى انّ بعض العواصم العربية والغربية الفاعلة التي تواليها «القوات»، لا تجد الآن انّ الحريري رجل هذه المرحلة، وذلك في ضوء ما أعّدته من خطط آنية ومرحلية بالنسبة الى مستقبل الاوضاع في لبنان والمنطقة.

عبور بين حقول ألغام

وفي نفس  السياق ـ تقريبا ـ  يعتقد  الباحث والكاتب اللبناني،  أسعد بشارة، أن سعد الحريري يعرف  أنّ المطلوب أمريكياً ودولياً، هو خارج قدرته على تدوير الزوايا. ولهذا، لن يكون أي تكليف بتشكيل الحكومة يوم الخميس المقبل، مجرّد نزهة، بل هو عبور بين حقول ألغام، تبدأ في طهران ولا تنتهي في  واشنطن مرورا بمنطقة الخليج العربي !!

  • ولهذا، فإنّ منسوب التفاؤل في تشكيل الحكومة في وقت قريب تَبخّر مع تأجيل الاستشارات، ومن غير المستبعد أن تبقى حكومة تصريف الاعمال الى وقت ليس بقصير
%d مدونون معجبون بهذه: