يسرى السيد يسأل : من ينقذ جمهورية أصحاب المعاشات؟

0 80
انفطر قلبي وانا استمع ذات يوم للسيدة جيهان السادات وهي تقول ان معاش زوجها الرئيس الراحل انور السادات كان لايقترب من الالف جنيه واضطرت للسفر للخارج للعمل بعد ان ظل زوج ابنتها و لفترة طويلة يتكفل بشكل غير مباشر بالبيت وبعض العاملين به والامر نفسه حدث مع رؤساء مصر السابقين علي السادات مثل الزعيم جمال عبدالناصر والرئيس محمد نجيب الذي منحه السادات معاشا استثنائيا قدره 350 جنيها بعد ان ظل مقيد الحركة لسنوات طويلة والمرارة ذاتها عاشها ابناء الزعيم جمال عبد الناصر في صمت!!
وبعيدا عن رؤساء الجمهوريات ادخل في جمهورية اصحاب المعاشات من عموم الموظفين وفيها نري العجب عندنا … في العالم كله يبدأ الانسان حياته بعد خروجه للمعاش يسافر في رحلات هنا وهناك ويستمتع بحياته التي حرم منها في العمل وتربية الأولاد كل ذلك لأن هناك معاشا شهريا يضمن له الحياة الكريمة.. معاش يكفيه للفسحة والعلاج والمأكل والمشرب واللبس.. الخ من ضرورات الحياة.
* في بلدنا العكس تماما يجد الانسان نفسه في انتظار رصاصة الرحمة بعد خروجه للمعاش فجأة يجد الموظف الذي قضي عمره في اعلي درجات الوظائف الاجتماعية لا يزيد معاشه علي 1400 جنيه سواء كان طبيبا أو مهندسا أو صحفيا أو اعلاميا أو دبلوماسيا أو أستاذا جامعيا.. اقول ذلك عن “كريمة” المجتمع الوظيفي في بلادنا.. أما الدرجات الأقل وظيفيا فتتراوح بين الـ 500 جنيه وبين الـ 1200 جنيه وهو مبلغ لا يكفي لشراء أدوية لأصحاب الامراض المزمنة ولن اتحدث عن مأكل أو مشرب أو ملبس.. الخ في ظل تضخم نال من قيمة الجنيه إلي اكثر من النصف!!
طبعا لن أرمي بالمسئولية علي الحكومة الحاليه واعرف انها قضية شائكة ومتداخلة لكن اعتقد ان الدخول في طريق فك تشابكاتها قد يكون طويلا وصعبا ومؤلما للحكومة لكنه مطلوب حتي لا تظل “بابا وماما” إلي الأبد لأصحاب المعاشات.. في البداية أريد ان نصل لليوم الذي لا يطلب أصحاب المعاشات أي زيادة من الحكومة حين يتولون أمرهم بنفسهم وعلي الحكومة ان تدرك ان أموال المعاشات أموال خاصة مملوكة لأصحابها وعليها ان تكف عن سرقتها وليس استغلالها !!
* في البداية علينا أن نتفحص الارقام لندرك حجم القضية فقد بلغت أموال التأمينات حوالي 612 مليار جنيه منها 55 مليارا وديعة ببنك الاستثمار الوطني و105 مليارات جنيه استثمارات مباشرة إضافة إلي مبلغ 160 مليار جنيه مديونية لدي الخزانة العامة للدولة و291.5 مليار جنيه صكوك بالخزانة المصرية.
واعرف ان الحكومات في العهود السابقة كانت تتعامل مع أموال المعاشات باعتبارها أموال تابعة لها رغم انه في الاصل أموال خاصة لأصحابها دفعوها عبر سنوات خدمتهم التأمينية ووصل الامر الي قيام د.بطرس غالي وزير المالية في عهد مبارك إلي حيلة جهنمية لضم بعض أموال المعاشات إلي وزارة المالية حين نقل في عام 2006 جزءا من الدين عبارة عن 198 مليارا كدين من بنك الاستثمار القومي للمالية فانتقلت المديونية من البنك إلي خزانة الدولة بقيمة 198 مليارا بداية من عام 2006 وبعائد استثمار 8% استغلت لصرف المعاشات من جهة لكن في نفس الوقت تم منع إرسال فوائد الهيئة إلي بنك الاستثمار وقرر إرسالها للمالية فقط. ونجا جزء لدي بنك الاستثمار تقريبا كان 43 مليار جنيه حتي وصل الآن إلي 71 مليارا بالفوائد المتراكمة ولمن لا يعرف ان بنك الاستثمار القومي يتبع وزارة المالية وتملكه الدولة وأعباؤه علي الخزانة العامة.. يعني تصرف بطرس غالي في أموال المعاشات باعتبارها أموالا في الموازنة العامة للدولة لان الحكومة كانت “مزنوقة” فتفتق ذهن بطرس غالي علي استغلال أموال المعاشات لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد ففي الوقت الذي ارتفعت فيه فوائد الاقراض من البنوك الي اكثر من 20% أحيانا مازالت الفوائد التي تدفعها الحكومة أقل من 10% حتي الآن!!
المهم ان هذه القضية التي تخص نحو 9 ملايين مواطن الآن كما تشير بعض الارقام وتخص مستقبل الملايين الذين مازالوا في الخدمة حتي الآن أو من ينضمون كل يوم الي الخدمة التأمينية ولن اقول متي يكون آخر أجر هو نفسه هو أول معاش يتقاضاه المواطن بعيدا عن المسميات المتعدده من أجر أساسي وأجر متغير وأجر ثابت وشامل.. الخ من مسميات متعددة!!
* اعتقد ان رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة وعلينا ان نبدأ الآن وليس غدا:
– أولا: لمن لا يعرف ان حساب المعاشات والـتأمينات يخضع لنظام اكتواري علمي محدد لا يقبل أي زيادات تصل الي الطفرات في الاجور بمعني ان الكل سواسية من الخفير إلي الوزير الكل يدفع اشتراكا تأمينيا ليصل إلي معاش محدد مع الأخذ في الاعتبارات الزيادات السنوية المحددة في المرتب ليخصم منها التأمينات يعني لايمكن ان يكون أجر موظف ألف جنيه مثلا ثم فجأة يزداد إلي 5 آلاف جنيه هذا يؤدي لخلل في النظام الاكتواري فالمفترض ان تكون الزيادات بنسبة محددة للجميع ولا فارق بين موظف وآخر فالكل هنا سواسية في نظام اكتواري لا يتعامل مع الاسماء وأبناء الحسب والنسب لكن مع الأرقام فقط لذلك لابد من التعامل أولا بحسم وبعدالة عمياء مع جميع المشتركين ومن يرد زيادة معاش هذا أو ذاك أو فئة بعينها فعليه تدبير ذلك بعيدا عن أموال التأمينات والمعاشات !
– ثانيا: الزام الحكومة بسداد أقساط سنوية من ديونها مع التساهل في نسبة الفوائد حتي يستطيع اصحاب المعاشات الحصول علي أموالهم ولو بالخسارة انطلاقا من المثل الشعبي الشهير الخسارة القريبة ولا المكسب البعيد يعني نتنازل شويه مع التزام الحكومة بسداد ديونها!!
– ثالثا: الدخول بأموال اصحاب المعاشات في مشروعات استثمارية حقيقية بعيدا عن المضاربة في البورصة ولتكن باقامة صناعة حقيقية أو مشروعات انتاجية يخصص جزء من أرباحها لزيادة المعاشات كي تتوقف للابد مطالبة الحكومة سنويا بزيادة المعاشات يعني يا حكومة لاتقرصيني ولا تديني عسل!!
– رابعا: إدارة أموال المعاشات بمنطق استثماري بعيدا عن منطق الموظفين أو “التكية أو العزبة” واسناد هذه المشروعات لخبراء متميزين في الاستثمار والادارة بعيدا عن الفاشلين اياهم!!
– خامسا: يمكن للحكومة أن تسدد ديونها لاصحاب المعاشات في صورة أراض صناعية أو مشروعات استثمارية انتاجية أو مصانع او فنادق معروضة للبيع فعلا . وتكون بذلك قد ضربت أكثر من عصفور بحجر.. في البداية تكون قد بدأت في سداد ديونها لاصحاب المعاشات حتي تتجنب غضبهم وشكواهم للمولي عز وجل ومن جهة ثانية لا تذهب أصول مصر الانتاجية أو الصناعية لخارج مصر وفي نفس الوقت ستوفر فرص عمل جديدة وبأموال الآباء والأجداد ومن ناحية أخيرة يجني الآباء والأجداد الأرباح بتشغيل أولادهم واحفادهم وزيادة معاشاتهم وعدم اراقة ماء الوجه علي الحكومة لزيادتها سنويا.
– سادسا: وضع حد أدني للأجور في القطاع الخاص ليتم الـتأمين علي العاملين به ويتم التأمين طبقا للأجر النهائي الذي يحصل عليه الموظف ومن يكتشف مخالفته لذلك يتم محاكمة صاحب المنشأة جنائيا باعتباره قاتلا لمستقبل هذا المواطن وعائلته!!
– سابعا: الادارة الخاصة لأموال المعاشات تكون بمعزل عن موظفي الحكومة اياهم فالكوميديا السوداء التي يعيشها اصحاب المعاشات لاتوجد في أي مكان علي وجه الارض حيث يتلقون كل صنوف التعذيب من الذين يعملون عندهم حيث تبدأ الاهانات والقسوة من أول دقيقة لخروج الموظف للمعاش وهو يستكمل أوراقه للحصول علي أول معاش وتتوالي القسوة والاهانات شهريا في طوابير لا إنسانية تحت المطر في الشتاء أو الشمس في عز نقرة الصيف!!
– ثامنا: لا يمكن أن تفاوض الحكومة نفسها في هذه القضية بمعني آخر لابد من تشكيل مجموعة من اصحاب المعاشات من اصحاب الخبرات المتميزة للدخول في مفاوضات سداد الديون فلا يعقل ان تكون ديون الحكومة لاصحاب المعاشات نحو 484 مليار جنيه ولم يتم حسم طرق السداد حتي الآن والمهم هنا ان رئيس هيئة التأمينات والمعاشات مثلا يجلس ليتفاوض باسم اصحاب المعاشات “الدائن” وهو تحت رئاسة وزير في الحكومة “المدين” بالذمة هل هناك حرج أو كوميديا سوداء أكثر من ذلك وتعالوا معي نتخيل مشهدا تمثيليا غير واقعي بأن “تنرفز وغضب وانفعل” رئيس هيئة التأمينات والمعاشات علي وزير المالية لعدم سداد الحكومة جزءا من ديونها بل ومماطلتها في ذلك هل تتوقعون نتيجة هذه المواجهة؟ طبعا خطاب شكر وانهاء الخدمة في هذا المكان علي الاقل لذلك لابد أن يتفاوض أصحاب المصلحة ممن لا توجد عليهم أي ضغوط ومن جهة ثانية يدركون حجم الكارثة التي ورثتها الحكومة الحالية عن الحكومات السابقة!!
– تاسعا: لابد من استغلال أموال المعاشات الموجودة الآن في أصول شركات الاتصالات أو اقامة محطات كهرباء وهي مشروعات مضمونة الربح من جهة وبدلا من تحول أرباحها الي آخرين في القطاع الخاص يمكن أن تتحول لأصول اصحاب المعاشات.
– عاشرا: لماذا لا تسدد الحكومة جزءا من ديونها لاصحاب المعاشات بتخصيص وإقامة مصانع للحديد والصلب أو مشروعات “السوفت وير” والصناعات التكنولوجية المربحة في محور قناة السويس والمناطق الاستثمارية ذات الطبيعة الخاصة حيث الاعفاء من الضرائب والتسهيلات المقدمة للأجانب.
– حادي عشر: هل يمكن ان يتعامل المسئولون عن هذا الملف بمنطق انهم سيخرجون للمعاش غدا وأن لديهم أقارب في العائلة يشكون من شظف المعاش بعد أن كانوا بالامس من اهل القمة قي السلم الوطيفي.
%d مدونون معجبون بهذه: