د. مصطفى الحفناوى يحكى قصة القناة وعلاقته بالزعيم جمال عبد الناصر : كان يؤمن بـتأميم القناة قبل الثورة .. والاستعمار كان يخطط للبقاء للابد بحجة ان القناة ” دولية “

0 113

كنا في أواخر أغسطس أو أوائل سبتمبر ١٩٥٢م، دق جرس الهاتف بمكتبي، وجرى الحديث الآتي:
– هنا القيادة العامة، إلى أي وقت تستمر في مكتبك؟
أنا: حتى الساعة الثامنة والنصف.
الضابط المتكلم (ولم يذكر اسمه): سنزورك في مكتبك الليلة.
وبعد فترة قصيرة عاد لمكالمتي ليقول عندنا مؤتمر الليلة، ونحن مشغولون، فهل تسمح بالحضور للقيادة العامة لنتحدث معك؟.. ولم أكن أعرف معنى كلمة مؤتمر بلغة العسكريين، وأنها تعني اجتماعا.. وذهبت إلى مقر القيادة العامة بمنشية البكري، فقابلتي ضابط برتبة صاغ واسمه إبراهيم الطحاوي، وقدمني لضابط شاب فارع القامة برتبة بكباشي وقال وهو يقدمني: هذا هو الأخ جمال عبد الناصر الذي يتقدمنا في صفوف ضباط الثورة. وكان جمال عبد الناصر – رحمه الله – يشغل وظيفة اسمها مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة، وكان في عينيه بريق ينم عن حدة ذكاء، وقوة إرادة وقوة شخصية، وكان الناس يقولون همسا إنه القائد الحقيقي للثورة، ولكنه متنكر خلف منضدة مكتبه المتواضعة، وخلف ستار اسمه اللواء محمد نجيب.
وتواعدت مع الأخ إبراهيم الطحاوي على لقاءات يومية، وتوثقت صلتنا بسرعة، وتعرفت في القـيادة العامة بمجموعة أخرى من قادة الضباط الأحرار أذكر منهم المرحومين: عبد الحكيم عامر، وصلاح سالم، والأستاذ كمال الدين حسين. وتكلمت طويلا مع المرحوم جمال عبد الناصر الذي طلب مني أن أفسر له موضوع قناة السويس الذي أنا مشغول به ليلا ونهارا. وشرحت له في إيجاز تاريخ القضية ومشكلات قناة السويس المعاصرة بالتفصيل، وكان شديد الإصغاء لكل كلمة قلتها، وقال عبارة واحدة دلتني على صفاء ذهنه، ودقته في وضع خططه. حيث قال لي – رحمه الله – وهو جالس بحجرته في القيادة العامة بمنشية البكري، وبعد قيام الثورة ببضعة أسابيع، العبارة التي أذكرها وتدوي في أذني حتى الآن: اسمع يا دكتور.. علينا أن نركز جهودنا فى إجـلاء الاحتلال البريطاني عن قاعدته في قناة السويس، وإني أعدك بتأميم شركة قناة السويس بعد الجلاء مباشرة. ولكن إذا تعرضنا لموضوع الشركة قبل الجلاء سوف تتعقد المسائل ولن نستطيع أن نفعل شيثا..!! والذي راعني في السنوات التالية، هو أن جمال عبد الناصر حافظ على خطته هذه، وحدث جلاء الإنجليز عن القاعدة، ورفع عبد الناصر عليها علم مصر بعد جلاء آخر جندى بريطانى في يونيو سنة ١٩٥٦، وأمم شركة قناة السويس في يوليو سنة ١٩٥٦.

حياته

د. مصطفى الحفناوي )  1911- 1980
هو قانوني دولى وصحفي مصري. كتب الحفناوي وقام بالإعداد القانوني لق ا رر تأميم قناة السويس الذي
. أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956
وُلد د مصطفى الحفناوي في محافظة الشرقية سنة 1911 . والتحق بكلية الحقوق عام 1932 . وكان
متشبعاً منذ صغره بسيرة وكفاح الزعيم مصطفى كامل وانتمى بعض الوقت إلى شباب الحزب الوطني وما
أن وقعت حكومة مصر معاهدة 1936 حتى انبرى يهاجمها وأصدر كتاباً في تفنيدها مما عرضه
للاعتقال بعض الوقت وانشغل بالعمل السياسي والكتابة للصحف، لذا تخرج بعد سبع سنوات في الكلية
وعمل بالصحافة وبالمحاماة، وكانت القناة قد أصبحت هماً وطنياً لدى قطاعات كبيرة في مصر.
ذلك قرر الحفناوي أن يواصل د ا رساته العليا بكلية الحقوق وان تكون قناة السويس ووضعها القانوني
موضوع اً لد ا رسته، ولكنه اصطدم بعقبة لأن كل وثائق القناة كانت في مقر الشركة بباريس، أي أن القناة
على أرض مصر والعمل داخل مصر، لكن إدارة الشركة وكل الأو ا رق والوثائق المتعلقة بها تنقل الى
باريس والأوامر العليا المتعلقة بتشغيل القناة تصدر من باريس ولندن.
ولم يكن غريباً أن الرسائل العلمية عن القناة والتي أعدها مصريون كانت في فرنسا، مثل رسالة د. حسين
حسني التي أجيزت من جامعة مونبلييه عن تاريخ انشاء القناة عام 1933 . ولم يكن بمقدور الحفناوي
اقتصادياً أن يسافر إلى باريس دخول أرشيف الشركة فى باريس للبحث فلجأ الى وزير خارجية مصر في
حكومة الوفد الأخيرة د. محمد صلاح الدين الذي أرسله إلى باريس ليكون مستشا ا رً صحفياً بالسفارة
المصرية هناك، وكلفه بمهمة محددة هي عرض قضية استقلال مصر ومكنه ذلك من أن يدخل مقر
الشركة العالمية لقناة السويس ويطلع على وثائقها جيداً، واكتشف ان الشركة في عقد تأسيسها عام 1856
طبقاً لفرمان والي مصر محمد سعيد باشا إلى ديليسبس هي شركة مساهمة مصرية خالصة. وقد أخفت
الشركة هذه الوثائق تماماً. وفي يونيو 1951 انتهى من إعداد رسالته ونوقشت في جامعة باريس، وانتهى
في هذه الرسالة إلى أن وظيفة القناة عالمية، تمر بها السفن من كافة أنحاء العالم، وطبقاً لاتفاقية
القسطنطينية في عام 1888 فإن القناة يجب ان تكون محايدة ويرتبط بهذه العالمية أن القناة مصرية،
على أرض مصرية، وحفرت بأيد مصرية وتحملت مصر وحدها كافة تكاليف الحفر، والوظيفة لا يترتب
عليها تغيير صفة الملكية ولا أن تمس قوانين الدولة التي تقع فيها المنشأة الدولية وادارة القناة يجب أن
تكون مصرية، وقد أحدثت الرسالة رد فعل قوي في باريس وفي القاهرة.
مناقشة رسالة الدكتو ا ره
لحظات وقال: “والآن اسمع مني ما لا يرضيك. كيف Gilbert Gidel توقف البروفيسور جيلبرت جيدل
استبحت لنفسك أن تنعت الفرنسي العظيم فرديناند ديلسپس بأوصاف لا تليق، وما ينبغي أن تدنس بها
رسالتك ال ا رئعة هذه … إنني أطالبك بحذف تلك العبا ا رت.”
وأجاب الحفناوى: إني متمسك بها؛ وانها ليست من صياغتي، وانما وردت في أسباب الحكم بالسجن
خمس سنوات ضد فرديناند ديلسبس في قضية قناة بنما، وقد صدر هذا الحكم من محكمة جنايات السين
في باريس، فى آخر أيام ديلسبس؛ وبعد مأساة قناة السويس، وطعن في الحكم بالنقض، ورفض الطعن
باسثناء وقف تنفيذ العقوبة البدنية ضد ديلسبس، لأنه كان طاعنا في السن، وتجاوز عمره الثمانين
عاما…
قال الأستاذ جيدل: “بي ضعف لهذا الفرنسي العظيم الذي لو أنصفته فرنسا لأقامت له تمثالا في كل
ميناء. وبسبب ضعفي هذا أصر على رجائي إياك أن تحذف تلك النعوت” …
الحفناوى: “هل يسمح سيادة الرئيس لمواطن مصري أن يكون به ضعف لوطنه المجني عليه؟”
وعندئذ دوى تصفيق حار من المصرين الذين كانوا بالمدرج، وشاركهم غير المصريين، فت ا رجع الأستاذ
الكبير، وقال بص ا رحة العالم الشريف: “أنا فرنسي! وأنت مصري، ومن يدري ماذا كنت لأقول لو أنني
مصري؟”… ننتقل إلى مسألة أخرى …
وكانت المسألة هي مصير شركة قناة السويس، بعد إذ بين الحفناوى بالرسالة بطلان عقد الالت ا زم
وانعدامه، كما بين الفضائح التي تورطت فيها الشركة ومخالفاتها وج ا رئمها التي لا تحصى، مستندا إلى
ملفات الشركة التي ذُكرت أرقامها في هوامش الرسالة. ومع ذلك لم يطق “جيدل”، الذي وصل القمة في
علمه، أن يق أ ر دعوة الطالب بتصفية الشركة، واتخاذ إج ا رءات فورية لذلك، في المدة الباقية حتى يحين يوم
١٦ من نوفمبر سنة ١٩٦٨ ، واعتبار هذه المدة مرحلة انتقال إلى أخر ما ذكره في رسالته بهذا
الخصوص. وأعلن جيدل أنه وزملائه لا يقبلون الحلول التي عرضها في هذا المسألة، ومطلوب منه أن
يقترح حلا آخر في الحال، وأن يحاول التوفيق بين مصالح مصر التي يدافع عنها وبين بقاء الشركة
واستم ا ررها، فرد الحفنا وى على الفور إنه ليس عنده حل آخر، ثم قال جيدل: “إن قريحة العالم الشاب
الذي كتب هذه الرسالة، لا يعجز عن اقت ا رح حلا آخر يكون معتدلا وتقبله الهيئة”، وشفع ذلك بتهديد في
لغة مهذبة قائلا: “إنك باقت ا رحك الحالي ستعرض وطنك لمتاعب جسام؛ ذلك أن الدول صاحبة المصالح
لن تترككم تسيرون في الطريق الذي تدعو إليه” ، فأعلن للهيئة الموقرة إص ا رره، قائلا: “يبدو لي أنكم
أخطأتم فهمي، وتصورتم أني مجرد طالب يبحث هنا عن درجة علمية، درجة دكتور في القانون، وأبادر
فأعلن أني متنازل عن درجة الدكتو ا ره في القانون، فما أنا بحاجة إليها، إنني في مصر محام لدى محكمة
التقض، وهنا في باريس مستشار سفارة، ومعنى ذلك أني وصلت في سلم عملي إلى آخر الم ا رحل، فلا
حاجة بي للقب دكتور في القانون، أنا هنا محام يبسط للعالم كله من منبر عالمي حر، منبر في جامعة
باريس، قضية بلاده العادلة، ويعرض الحلول التي ي ا رها، فإذا استعصى هذا المنبر فإني سأطوي الملف،
وأترك باريس، وأذهب إلى بلد آخر فيه منابر حرة لأستعملها.”
وهنا دوى صوت جيدل وهو ينادي قائلا: “إن جامعة پاريس كانت دائما وأبدا منبر الأح ا رر الذين
يعرضون منه قضايا الحرية، ونحن نعتز بهذا، ونرحب بك اليوم، كما رحبنا بغيرك، وسنرحب دائما
بطلاب الحرية والاستقلال”. وبعد المناقشة التى استمرت خمس ساعات ونصف، وبعد المداولة التى
استمرت خمسة دقائق، أعلن جيلبرت جيدل باسم جامعة السوربون بباريس بمنح درجة الدكتو ا رة للطالب
مصطفى الحفناوى بتقدير جيد جدا مع تهنئة هيئة التحكيم.
بعد عودته للقاهرة
في القاهرة كانت القناة تمثل جرحاً غائ ا رً، وفي مفاوضات معاهدة عام 36 حاول مصطفى النحاس فتح
ملف القناة واستعادتها، لكن الانجليز رفضوا، وازداد القلق المصري بعد الوثائق التي كشفها الحفناوي
وتثبت تخطيط الشركة لعدم تسليم القناة للمصريين بعد انتهاء الامتياز في عام 1968 بدعوى ان القناة
دولية ولا يجب أن تترك للمصريين وأن العالم الحر هو المستفيد منها، وكانت الصحف الفرنسية
والبريطانية وبعض الكتاب قد أثاروا بقلق مستقبل القناة، منذ أن وقعت مصر اتفاقية إلغاء الامتيا ا زت
الأجنبية في عام 1937 وفي فب ا رير 1952 بدأ الحفناوي نشر رسالته بالعربية، وصدر الجزء الأول منها
بمباركة الملك فاروق شخصياً ومساندة الديوان الملكي، خاصة وأن د. حسين حسني كان السكرتير
الخاص للملك.
وفي أغسطس عام 1952 ، أي بعد أقل من شهر على خلع الملك فاروق دعا البكباشى جمال عبدالناصر
د. الحفناوي الى مكتبه ودار بينهما نقاش طويل حول القناة، وفي نوفمبر من نفس العام دعا عبدالناصر
الحفناوي الى نادي ضباط القوات المسلحة بحي الزمالك لالقاء محاضرة حول القناة، حضرها عدد من
ضباط الحركة المباركة التي سيصبح اسمها فيما بعد ثورة يوليو وتحدث الحفناوي عما توصل اليه وطالب
بتشكيل و ا زرة خاصة بالقناة تعمل على استعادتها من الشركة العالمية ثم تشكل مكتب خاص بالقناة في
مجلس الشيوخ، ويتبع رئاسة مجلس الوز ا رء مباشرة.
وكان د. الحفناوي أبرز العاملين به، وكان المكتب يدرس كل ما يتعلق بالقناة، وفي نوفمبر عام 54
صدر ق ا رر جمهوري بإعادة تشكيل مكتب القناة برئاسة د. حامد سلطان وعضوية محمد الغتيت
ومصطفى الحفناوي وكان المكتب يتبع رئاسة الجمهورية ومهمته د ا رسة أوضاع القناة واحتمال تأميمها ثم
كلف عبدالناصر ضابط المخاب ا رت المسؤول عن منطقة القناة بجمع المعلومات عن شركة القناة وما يدور
فيها، ودخلت مصر مفاوضات مع الشركة العالمية لزيادة دخل مصر من القناة ولزيادة عدد المصريين
الذين يعملون مرشدين ورفضت الشركة بإص ا رر، وكان دخل القناة 35 مليون جنيه سنوياً نصيب مصر
منها 3 ملايين وكان بالقناة 250 مرشداً بينهم 40 مصرياً فقط، وكان كل المسؤولين والمد ا رء بالقناة من
الفرنسيين. وهكذا اختمرت فكرة التأميم في ذهن عبدالناصر، لكنه كان ينتظر التوقيت، وفي 24 يوليو
56 استقبل عبدالناصر د. الحفناوي وصارحه بأنه قرر تأميم القناة وطلب الحفناوي تأجيل الق ا رر عدة
شهور لحين تهيئة ال أ ري العام لتلك الخطوة، وعهد عبدالناصر الى مكتب القناة الدكتور الحفناوى بإعداد
ق ا رر التأميم، ولأن أستاذ القانون ورئيس المكتب د. حلمي بهجت بدوي كان متغيباً في الخارج فقد تولى
الأعضاء وضعه ومن أبرزهم الحفناوي نفسه ومحمد علي الغتيت والمستشار بدوي حمودة ممثلاً لمجلس
الدولة والمستشار حسن نور الدين بو ا زرة الداخلية. فى جلسة خاصة بمنزل عبدالناصر بمنشية البكرى
استم رت بينهما على انف ا رد حتى فجر اليوم التالى.
وطلب ناصر من الحفناوي ألا يتصل بأحد مطلقاً واحضر له مجموعة من الأشخاص في مجلس قيادة
الثورة كي يشرح لهم قصة القناة بالكامل وكان من بينهم عبدالحكيم عامر، وفي اليوم التالي استدعاه
عبدالناصر الى مكتبه بمجلس القيادة وطلب منه ان يكتب م ا رجعة الخطاب الذي سيلقيه مساء 26 يوليو،
على أن يتضمن الصياغة النهائية لق ا رر التأميم. وكان عبدالناصر يتفاءل بذلك اليوم ويلقي فيه خطاباً
بالاسكندرية، باعتبار انه اليوم الذي غادر فيه الملك الأسكندرية، وطلب منه ايضاً ان يقوم بالصياغة
النهائية لق ا رر التأميم.
وحين تشكل مجلس إدارة الهيئة عند اتمام عملية التأميم كان الحفناوي عضواً به ومستشا ا رً قانونياً للهيئة
المصرية وتولى كافة القضايا التي رفعت على مصر بعد التأميم في أوروبا، وكان قانونياً ومحامياً بارعاً،
وارتبط اسمه بالقناة، وفي عام 1958 أصدرت هيئة القناة طبعة أنيقة ملخصة من موسوعته عن القناة
التى كان قد أصدرها قبل عام 1954 فى أربعة في خمسة مجلدات، ومن يومها لم تطبع ثانية حتى هذه
اللحظة، ورغم أن له مجموعة أخرى من المؤلفات ولم يتوقف عن الكتابة، آخرهم موسوعته الدولية عن
“قانون البحار فى زمن السلم” التى صدرت سنة 1962 . ورغم تاريخه مع الحزب الوطني السياسى فإنه
يذكر بكتابه عن القناة، ونسى الجميع كل إنجا ا زته بما فيها دوره في تأميم قناة السويس وأنه أول من نادى
بهذه الفكرة.

 

مؤلفاته

الجزء الرابع.

من مؤلفاته:

المصادر

  1. ^ من مضبطة مناقشة رسالة دكتوراة الطالب مصطفى الحفناوى (39 سنة) أمام لجنة جامعة السوربون بباريس سنة 1951، برئاسة القانونى العالمى گلبير گودل. تقدمة: علي الحفناوي
%d مدونون معجبون بهذه: