أحمد الجمال يكتب : ماوراء اختفاء النكته !!

0 71

منذ سنين لا أعرف عددها بالتحديد، كان المتكلمون في الندوات والاجتماعات وثرثرات المجالس في الحانات والنوادي، يشيرون إلى أن غياب النكتة وضمور القفشة في الحياة اليومية المصرية، دليل خطر ونذير خلل، وربما مقدمات انفجار، وكانوا يقولون إن المصري لا يجود بالنكتة والقفشة وهو مأزوم في لقمة عيشه وتفاصيل حياته، ولا وهو مترف متخم لدرجة القرف من تعود الملذات وتكرارها.. وأن النكتة بنت الحراك الاجتماعي، الممتد في شرائح الطبقة الوسطى، وربط بعضهم بين وجود ما قد تصح تسميته “مفارخ” النكتة، التي يتم فيها تفريخ النكت وبين غيابها، وفي مقدمة تلك المفارخ جلسات الكيف بتدخين الحشيش، وتعاطي غيره من الكيوف، وسهرات الأنس والطرب والفرفشة، التي كانت معتادة بين شرائح من التجار والحرفيين وأصحاب الأموال، بل وفي بعض التجمعات، التي تنتج نكتًا خاصة بها كأروقة التعليم في الأزهر، وكالموالد المنتشرة مكانًا في كل ربوع مصر، وزمانًا في كل شهور السنة.. ووصل الأمر في مراحل تاريخية معينة أن تكون النكتة هي السلاح الثقافي الاجتماعي في المواجهات بين الناس وبين من يحكمونهم، وفي المواجهة بين بعض الجهات وبعضها الآخر، بل وبين أهالي مناطق وبين أهالي مناطق أخرى.
ثم وصل الأمر إلى خلق أجهزة رسمية تتابع النكت وتجمعها وتصنفها وتجري من وراء من أطلقها، واتخاذها مؤشرًا سياسيًا يُعبر عن احتقانات اقتصادية اجتماعية وفئوية، أو يعبر عن الرضا والتوافق، ومن ذلك يحضرني ما قرأته في وثيقة تضم تفاصيل اللقاء بين الزعيم جمال عبد الناصر وبين الرئيس معمر القذافي ومعه بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة في أغسطس 1970 وفيها حوار أعتقد أنه بالغ الأهمية، ويبدو أنه لتخفيف جو المناقشات، قال الرئيس جمال عبد الناصر، إنه يتابع النكت دومًا، ومنها نكتة فيها أن كلبًا مصريًا هرب إلى ليبيا وتم ضبطه، وفي التحقيق هناك سأله الليبيون لماذا جئت إلى هنا؟ فرد: لكي أقدر أهبهب!.. وضحك الرئيس وضحك الحضور، وواضح أن مغزى النكتة شديد الدلالة في مسألة حرية الرأي!
استمرت مفارخ النكت في إكثارها، ومن بين السمات العبقرية للشعب المصري، أنه في النكتة ذات المنحى السياسي تأتي الصياغة والحبكة على مقاس الوضع القائم، وتحمل إشارة واضحة عميقة لسمات من يحكم.. فالنكت أيام الرئيس جمال عبد الناصر تتصل بالحريات والقوة والصرامة والخوف والأزمات السياسية في علاقات مصر بدول أخرى.. وبعد النكسة أخذت النكت منحى مؤلمًا، لدرجة أن الرئيس ناشد الشعب أن يخفف من قسوة وقع النكت على القوات المسلحة، بل إن النكت استمرت تضم في طياتها إشارة للرئيس عبد الناصر حتى بعد موته، عندما كانت تتجه النكتة لانتقاد بعض مسلكيات ومواقف الرئيس السادات، وبما في ذلك العلاقة بين الرجلين، التي حاول السادات أن يصورها على أنها كانت ندية وجريئة من جانبه.. ثم كانت النكت في عصر السادات تتصل بأناقته وطريقته في الكلام ونمط حياته، وما أشيع عن تعاطيه بعض المكيفات أو المشروبات.. وجاء عصر مبارك لينصرف التنكيت إلى تكوينه الشخصي بدنيًا وعقليًا، وإلى نمط حكمه ولازلت أذكر النكتة التي فيها أن مواطنًا مصريًا ذهب للقصر الرئاسي وطلب مقابلة الرئيس، وبإلحاح عدة مرات، وزعم أن لديه هدية فريدة، يريد أن يقدمها للرئيس مبارك بنفسه.. والمهم أنهم أدخلوه للرئيس الذي فتح علبة الهدية فوجدها سلحفاة فسأل الرجل: ما التفرد في هذه الهدية؟ ورد صاحبنا: إنها تعيش أربعمائة سنة.. وإذا بالرئيس يرد بسرعة “خلاص يا أخي أدينا قاعدين.. وهنشوف”!
ثم بدأت النكت تضمر ليس فقط في المجال السياسي، وإنما أيضًا في المجال الاجتماعي، لأن هذا الجانب كان ساحة خصبة لمئات النكت المتداولة والمتوالدة عن شخصيات ومواقف ومسلكيات، وعندئذ كان السؤال هو لماذا ضمرت النكتة حتى كادت أن تختفي؟، وفجأة انفجرت الثورة في يناير، وحل محل النكتة شعارات وعبارات تتصل كلها بالتغيير وحتمية المحاسبة!، ويطرأ سؤال متجدد، هو هل حلت وسائل ووسائط التواصل الاجتماعي ذات الانتشار والتأثير الفادحين محل النكتة والقفشة، كسبيل للتنفيس ولإبداء الرأي وللانتقام من الخصوم وغيره؟!
وإذا كانت تلك الوسائل قد أخذت هذا الدور فإن النقيصة الكبرى هي غياب البهجة، التي كانت تقترن بإلقاء النكتة وبمضمونها، ولدرجة أنه كان يوجد محترفون في إلقاء النكتة، والإضافة إليها أثناء الإلقاء، وأنه ليس كل شخص يستطيع ممارسة هذا اللون من ألوان الحكي.
نعم غابت النكتة، ونادرًا ما نسمع واحدة منها الآن، ومعها غابت البهجة والضحكة والألفة التي كانت تصحب المجتمعين أثناء سماعهم لنكتة جديدة.. ولدرجة أنه كان السؤال الأول عند أي إلقاء هو: هل فيه نكتة جديدة؟ فإذا كانت مكررة قيل: قديمة، وإذا كانت باردة قيل: بايخة!
تُرى هل من سبيل لفن بديل عن النكتة يدخل بعضًا من البهجة على خلق الله، ويجعلهم يضحكون من أعماقهم، كما كان أسلافهم؟!

%d مدونون معجبون بهذه: