أحمد الجمال يكتب الميلاد المتجدد

0 11




نعم.. نجحوا وبقوة في أن يجعلوا من مصطلحات ومضامين ومواقف- طالما طرحت وأصلت ومورست وكوفح لأجلها من أجيال بعد أجيال في مصر وكثير من الأوطان- رطانات منبوذة، تعمد البعض أن يعلن توبته منها، وأن يجتهد في مسحها من سجل حياته، وإذا حدث وعايره البعض بأنه كان.. وكان فإنه يقدم فروض الطاعة والولاء ويبالغ فيها، حتى لو تخطى كل الحدود والخطوط، التي كانت من قبل حمراء، يعتبر تخطيها خيانة عظمى. وتعمد آخرون أن يتعاملوا معها إذا ما ضبطوا وقد غيروا جلدهم ونسفوا انتماءهم، بأنها مرحلة انقضت، وأن التاريخ- بما فيه حياة الأشخاص- مراحل، تشهد متغيرات وتحولات، وأن الكائن الحي يجب أن يتأقلم ويتكيف ويرفض التيبس والجمود إلى آخره.
إنها مصطلحات ومضامين ومواقف وممارسات من قبيل الثوابت الوطنية والقومية والأبعاد الاجتماعية، والالتزام الفكري والثقافي والتحرر الوطني والاجتماعي، ورفض الاستغلال والتبعية، والكفاح الوطني للاستقلال والكرامة الوطنية، وتذويب الفوارق بين الطبقات سعيًا للعدل الاجتماعي، وغيرها من المضامين التي كانت غايات إنسانية ووطنية عظمى يفخر رافعها والساعي إليها بها، بل وصل البعض إلى دفع أثمان فادحة من حرياتهم وأقواتهم وأرزاقهم ومكانتهم، وهم يكافحون من أجل إقرارها!
لقد نجحوا، لأن الحكاية لم تبدأ بالثورات البرتقالية ولا بالربيع إياه والفوضى الخلاقة، أي خلال عقد أو عقدين فائتين، ولكنها- كما أعتقد وعبر قراءة ذاتية، ربما يكون مبالغًا فيها للتاريخ- حلقات متصلة بدأت في التاريخ الحديث- على الأقل- منذ الطلعات الاستعمارية المبكرة، وكلما أمعن المستعمرون في قهر الشعوب نضجت أفكار ومضامين الوطنية والتحرر والحرية والمقاومة والاستقلال، ثم لما انقضت مرحلة الاستعمار القديم وتحقق التحرر وبناء الدول الوطنية، كان المستعمرون قد تركوا بصماتهم الفكرية والسياسية، ووجدوا في المجتمعات التي خرجوا منها من يستكمل المهمة من أبنائها، وعرفنا في جيلنا من عقد العزم وبذل الجهد وجنّد عقله وطاقته وعلمه وثقافته لتحطيم ما صوره على أنه أصنام وأوثان وخرافات وترهات وأمور مستهلكة بالية، وفي مرحلة أخرى ما صوره على أنه سبب التخلف والهزائم والتردي وإلى آخره.. هكذا سمعنا وشاهدنا وقرأنا للعديدين الذين باتت أسماؤهم ومهماتهم ومصادر تمويلهم، وأهدافهم معلومة للكافة، وتراهم دومًا يحاولون البقاء والاستمرار مهما واجههم من صعوبات وتلقوا من إهانات.. لا يتجاوزون أبدًا الصوت الهادئ والابتسامة المرسومة الدائمة، والانسحاب عند أي منازلة تستلزم سخونة أو نخوة.
إننا نتحدث الآن عن أن الربيع إياه والفوضى إياها وحروب الجيل رقم كذا تستهدف بالأساس تقويض الدولة الوطنية، ولا أدري ألم يكن إصرار الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والبلجيكي وغيره على البقاء وإملاء سياساته وتدخله في حياة الشعوب واستنزاف مواردها وإعدام قرارها السياسي وحرمانها من استقلال ترابها الوطني وبناء جيوشها الوطنية تقويضًا للدولة الوطنية؟
وألم يكن منهج فرق تسد، وإذكاء النعرات الدينية والطائفية والمذهبية، وتخليق جماعات كالإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، وتمويل الحركات السلفية لتوسيع نشاطها وتكريس أطروحاتها، تقويضًا للدولة الوطنية، وهدمًا لتماسك المجتمعات واغتيالًا لشخصيتها الحضارية والثقافية التي بنتها وراكمت مقوماتها ومضامينها وغاياتها في مراحل تاريخية متوالية ومتراكمة قبل دخول الاستعمار، قديمه وحديثه؟!!!
وأليس مسح كل هذه الذاكرة التاريخية وتكريس أن البداية هي ما جرى بعد 2010 هدمًا لصميم أحد مقومات وجود الدولة الوطنية، ألا وهو مقوم الخبرة التاريخية المتراكمة، لأن هدمه يؤدي إلى ضرب وتقويض قدرة الشعب- أي شعب- على استخلاص الدروس التاريخية واستيعابها وتلافي سلبياتها وتعظيم إيجابياتها.
ثم إن العجب العجاب هو أننا بينما توارى بعضنا إقرارًا بالهزيمة.. وعالج بعضنا الظواهر بغير أن يفصح عن أصل منهجه، وتراه يتمنى ألا ينكشف أمره، وواكب البعض الثالث الموجة، وركبها البعض الرابع، نجد أن الطرف الآخر، الذي ورث الجينات الاستعمارية، كان وبقي جيلا من بعد جيل، ومنذ الذين أسموا أنفسهم “أصحاب المصلحة الحقيقية” في عصر الاستعمار البريطاني إلى الذين اعتمدوا وكلاء للشركات الأجنبية الكبرى، وتراهم إذا مسهم أحد أو ظنوا أنهم سيضارون من أجهزة الدولة الوطنية لوّحوا بالاستنجاد بالشركة لتتدخل وتمارس نفوذها لحمايتهم.. نجده وقد استمر في أفكاره ومواقفه وممارساته، بل تمادى وتعاظمت سطوته، وصار هو “البرنجي” في التليفزيونات والاحتفالات والموائد والصحف.. وغيره، بل وصار لا يتردد في التهكم والسخرية من ثوابتنا على كافة أصعدتها، وإذا واتته الفرصة فإنه ينكل بمن بقي قابضًا على جمر انتمائه!
لقد آن الأوان- ومنذ زمن ليس قصيرًا- أن نحمي دولتنا الوطنية، باستعادة زمام المبادأة، ونطرح ونؤكد ونؤصل ثوابتنا الوطنية على الأصعدة الفكرية والثقافية والسياسية والوجدانية كافة، وأن نؤازر قيادتها السياسية التي خاضت وتخوض معركة تثبيت وحماية وتفوق تلك الدولة الوطنية.. وألا نقبل بأن نصير منقرضين كما أرادوا ويريدون.

%d مدونون معجبون بهذه: