أحمد عبدالمعطى حجازى يكتب:الحرية الحمراء

0 48

حين أتأمل بيت شوقى فى قصيدته «نكبة دمشق» التى قالها فى الثورة السورية التى اشتعلت فى عشرينيات القرن الماضى ضد المحتلين الفرنسيين:

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مضرجة تدق

حين أتأمل هذا البيت الفاتن لأرى مواطن الفتنة والإثارة فيه وأعرف كيف انتزع اعجابنا ولايزال أجد السر فى هذا الانفعال الصادق الذى سيطر على الشاعر وأوقفه موقف الطارق طالب الحرية الذى ظل يدق بابها حتى أدمى يده وانفتح الباب له.

الحرية فى هذا البيت لم تعد مجرد مطلب سياسى ولم تعد قيمة مجردة، وانما هى عروش مزدانة متوهجة تربعت فى قلعتها الحصينة فى انتظار فارسها القادم المشوق المتلهف.

بين الحرية الحمراء وطالبها هذا اللون الذى هو لون الدم والجمر والحياة والخصوبة، ونحن نرى الحرفين الحاء والراء مشتركين وأساسيين فى الكلمتين، فى الصفة والموصوف، الحرية الحمراء. والحمرة إذن ليست لونا سطحيا خارجيا، وانما هى نابعة منبثقة من عمق الكلمة. فالحرية بطبيعتها حمراء، لأنها مطلب يتصارع فيه الأحرار والطغاة. ولون الحرية يرشح للون اليد التى تطلبها وتطرق بابها حتى تدمي. وهذا التوافق تعبير صادق عن الرابطة الحية الوثيقة المعقودة بين الحرية والإنسان التى تمثلها الشاعر وانفعل بها وعبر عنها فى هذا البيت البديع الذى يبدو أن شوقى فرح باقتناصه فأخذ يذكره ويذكرنا به كلما وجد الفرصة سانحة، من ذلك قصيدته «الحرية الحمراء» التى قالها فى احتفالات المصريين بيوم 13 نوفمبر، وهو اليوم الذى بدأت منه الثورة المصرية المجيدة، ثورة 1919 التى نحتفل بعيدها المئوى هذا العام. وذلك حين ذهب سعد زغلول وعلى شعراوى وعبدالعزيز فهمى إلى المندوب السامى البريطانى يطلبون الترخيص لهم بالسفر إلى إنجلترا لمطالبة الحكومة الإنجليزية بالجلاء عن مصر. إذ كانت الحرب العالمية الأولى قد انتهت واتفق الحلفاء المنتصرون على أن يجتمعوا فى باريس ليرسموا سياستهم فى المستقبل ويعلنوا بلسان الرئيس الأمريكى نيلسون عن حق الشعوب فى تقرير مصيرها. وقد وجدها المصريون فرصة يطالبون فيها باستقلالهم فتألف هذا الوفد الذى قابل المندوب السامى البريطانى وينجت يوم 13 نوفمبر وطلب الترخيص له بالسفر إلى لندن. وتوالت الأحداث التى أدت إلى انفجار الثورة التى فرضت على الإنجليز أن يعلنوا فى تصريح فبراير سنة 1922 إلغاء الحماية والاعتراف بمصر مملكة مستقلة ذات سيادة. وهكذا أصبح يوم 13 نوفمبر عيدا وطنيا يحتفل به المصريون كل عام وينظم فيه الشعراء قصائدهم ومنها قصيدة شوقى «الحرية الحمراء»:

فى مهرجان الحق أو يوم الدم

مهج من الشهداء لم تتكلم

يبدو على هاتور نور دمائها

كدم الحسين على هلال محرم

يوم الجهاد بها كصدر نهاره

متمايل الأعطاف مبتسم الفم

انه فى قصيدته هذه يمجد شهداء الثورة ويتغنى ببطولاتهم ويعبر عن حزنه لأنه لم يكن حاضرا فى تلك الأيام التى وقف فيها المصريون وقفة رجل واحد يطلبون الحرية وسقط فيها الشهداء وضحوا بأرواحهم وسالت دماؤهم، لأن شوقى فى تلك الأيام التى اشتعلت فيها ثورة 1919 كان لايزال منفيا فى إسبانيا. ولو أنه كان حاضرا فى مصر وعاش أيام الثورة لنظم فيها ما لم ينظم:

يوم البطولة، لو شهدت نهاره

لنظمت للأجيال ما لم ينظم

لولا عوادى النفى أو عقباته

والنفى حال من عذاب جهنم

لكن الوقت لم يضع، والذكرى تستدعى أرواح الشهداء التى ترفرف على مصر ويشع نورها فيضيئها كلها فى هذا الشهر، شهر نوفمبر الذى يوافق هاتور الشهر الثالث فى التقويم القبطى المصرى العريق الذى يستخدمه ملايين الفلاحين المصريين فى توقيت نشاطهم الزراعي، فهو من هذه الناحية يعطينا صورة لمصر كلها وخاصة ريفها الأخضر الممتد الذى هو وطن الخصوبة ومصدر الحياة فى البلاد. ومن هنا سمى هذا الشهر هاتور، لأن هاتور هى الالهة المصرية القديمة حتحور إلهة السماء والحب والجمال والخصوبة والفرح والرقص والموسيقي.

والاسم حتحور مركب من كلمتين: حات أى بيت، وحور اسم الإله حورس ابن أوزوريس الذى انتقم لأبيه أوزوريس من قاتله الشرير ست. وكانت البقرة المقدسة قد رعته فى البرارى فأصبحت بيته. ولهذا كان المصريون يصورون حتحور فى هيئة بقرة. والفلاحون المصريون يعتبرون شهر هاتور آخر وقت صالح للزراعة فى السنة ويقولون «إن فاتك زرع هاتور استنى لما السنة تدور!»

هل كان شوقى حين تحدث فى قصيدته عن هاتور يرمز لهذه المعانى التى يرمز لها هاتور، معانى الخصوبة، والجهاد طلبا للحرية والتضحية فى سبيلها، ومصارعة الشر والتغلب عليه؟ أم أنه لم يقصد إلا تسمية الشهر الذى بدأت منه الثورة باسم مصرى ريفي؟

فى ظنى أنه كان يعرف الأسطورة ويعرف ما ترمز له، وإلا فما الذى جمع بين نوفمبر وهاتور والمحرم؟ وما الذى جمع فى هاتور بين دماء المصريين الذين استشهدوا فى ثورة 1919 ودماء أوزوريس ودماء الحسين؟ هؤلاء الثلاثة واجهوا الطغاة المستبدين وضحوا بأرواحهم من أجل الحق ومن أجل الحرية. ونحن نقرأ فى القصيدة أن مهج الشهداء تطل من السماء فى ذكرى استشهادهم، ونعرف أن هاتور هى إلهة السماء فكأن الشهداء قد صعدوا إليها وأقاموا مساكنهم فيها. ونحن نقرأ شعر شوقى فنجده يكتب القصائد المطولة فى تاريخ مصر ونراه يتحدث فى هذه القصائد عن آمون، وإيزيس، وأوزوريس ونشعر بما يتردد فيها من نغمات أسطورية. فإذا صح أن شوقى استخدم الأسطورة فى قصيدته فهى إضافة جديدة للشعر العربي، وربما كان متأثرا فيها بالشعراء الأوروبيين الذين استخدموا الأساطير اليونانية فى التعبير عن أفكارهم وعواطفهم.

أريد أن أقول إن شعر شوقى فى ثورة 1919 ليس وصفا أو تقريرا أو خطابة، ولكنه انفعال صادق وإبداع حر. لأن الثورة بالنسبة لشوقى لم تكن مجرد موضوع يقاربه، وإنما كانت وجدانا حيا يعبر عن نفسه، وكانت ثقافة تلقاها ووجد التاريخ شاهدا عليها.

%d مدونون معجبون بهذه: