عبدالعزيز التويجري يكتب : اللغة العربية في العصر الرقمي

0 89

 

تطورت اللغات في ظل التحول الرقمي الواسع الذي أسهم في إبراز قويّها وضعيفها، فاتسع نطاق انتشارها وامتدّت أصداؤها إلى أبعد الآفاق، حتى أصبحت، بدرجات متفاوتة، مسايرةً للتطور، مندمجةً في العصر، وقابلةً للتكيّف مع المتغيّرات.

ومن هذه اللغات التي وصلت إلى هذا المستوى، اللغة العربية التي لم تعرف عصراً من الازدهار وذيوع الصيت وسعة الانتشار وعموم التداول مثل هذا العصر، فهي اليوم تحتل المرتبة الرابعة بين اللغات العالمية الحيّة، وهي إحدى اللغات الست المعتمدة رسمياً في منظمة الأمم المتحدة، وفي المنظمات والهيئات الدولية التي تعمل في إطارها.

إن اللغة العربية، بهذا الاعتبار، لغة عالمية بامتياز، فالطلبُ والإقبال عليها يتزايدان، واستعمالها يستمر على نطاق واسع، فلم تعد لغة العرب فحسب إلى جانب كونها لغة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لأنها لغة القرآن الكريم بها تقام العبادات، بل أصبحت لغةً متداولةً في المحافل الدولية، وفي كبريات الجامعات العالمية، وفي مراكز البحوث والدراسات، وفي وسائل الإعلام الدولية، خصوصاً الإذاعات والفضائيات الكبرى التي تبث باللغة العربية من عواصم غربية، والتي تلتزم قواعد اللغة التزاماً صارماً ملحوظاً، بما لا يقارن بالوضع في غالبية وسائل الإعلام العربية، وهو الأمر الذي أدّى إلى انتشار اللغة العربية على نحو غير مسبوق، وجعلها أقرب إلى مسايرة العصر وعدم التخلّف عنه.

ولئن كان لهذا التطور، الذي يمكن أن نطلق عليه (النقلة الرقمية)، من منافعَ جمة، وفوائدَ كثيرة، ومزايا عدة، فإن أغراضه السلبية وآثاره غير المحمودة، لا يمكن أن تُـنكر بأي حال، وهو ما يتجلى بالوضوح الكامل، في مزاحمة العامّيات للفصحى في العالم العربي، على رغم هذا الانتشار الواسع من خلال المحتوى العربي على شبكة المعلومات العالمية، التي تضمّ مكتبات كاملة من التراث العربي الإسلامي، ومئات الآلاف من المؤلفات العربية الحديثة في مختلف حقول المعرفة، ومواقع التواصل الاجتماعي عبر الواتساب وتويتر وفيسبوك ويوتيوب وانستغرام، وعلى رغم المركز الدولي الذي أصبح للعربية.

والآثار الإيجابية للتواصل الاجتماعي في التطور اللغوي، وإن كانت أقل من الآثار السلبية، فإنها ملموسة بشكل واضح، ودالّة دلالةً وافيةً على أن العربية كسبت من الثورة الرقمية ولا تزال، من حيث الكم لا من حيث الكيف، حتى وإن بقي التطور الذي عرفته اللغة العربية (تطوراً محدوداً)، لأنه غير مكتمل الشروط ولا مستوفٍ للعناصر، ولا يستجيب لمتطلبات التطوير اللغوي بالمفهوم العلمي الدقيق الذي يخدم اللغة ويجدّدها وينهض بها من النواحي كافة، لأن نصيب الربح هنا يظل أكثر من نسبة الخسارة.

إن اللغة ترتقي في مدارج النضج والكمال إذا ما سارت في اتجاهين متوازيين؛ الذيوع والانتشار، والتجديد والابتكار. فإذا انتشرت اللغة من دون أن تتجدد، مبنًى ومعنًى، أصولاً وقواعدَ، أبنيةً وأوعيةً، اصطلاحاً وأخيلةً، افتقدت الضمانات التي تفتح أمامها السبل نحو النضج والتفوّق. فهذا التوازن الدقيق بين مسارَيْ التطور، هو الذي يقي اللغة من الجمود ويقوّيها ويكتب لها الخلود، ويحقق (النقلة النوعية) للغة، التي هي نقيض ما عبرنا عنه بـ(النقلة الرقمية)، التي لا تعكس طبيعة التطور الذي عرفته اللغة، ولا تكشف حقيقة التقدم نحو المستويات الأحسن والأرقى والأجمل الذي تسير في ركابه، لأنّ اللغة كائن حي تسري عليه سنن الحياة التي تَتَعَارَضُ مع الطفرة والإفراط والتفريط والعشوائية والانحراف عن جادة الاعتدال والميل عن التوازن والتجافي عن التعادل، وهي شروط التطور اللغوي الطبيعي الذي ينفذ إلى العمق فيكون تأثيره على اللغة قوياً، ومتغلغلاً، ومستمراً.

واللغة العربية إذا كانت خلال هذه المرحلة، تعرف طفرةً صاعدةً في عصر الثورة الرقمية، أو ما يُصطلح عليه بالعصر الرقمي، فإنها تحتاج إلى قدر من (الانضباط اللغوي)، للتحكّم في مساراتها حتى لا ينفلت عيارُها وينفرط عقدُها. وهي المهمّة الرئيسة للأمناء على اللغة العربية من حُماتها، والذائدين عنها، والغيورين عليها، والعاملين من أجل ارتقائها، والحفاظ على سلامتها، ومناعتها، وصلابة بنيانها، للوقوف في وجه تيارات الغزو والهدم والتخريب، وصدّ موجات الإفساد والتشويه والتمييع التي تستهدفها، والتي تأتي غالباً من التواصل الاجتماعي غير المتحكم في اتجاهاته الملتوية والمتشعبة، والذي لا تُـرَاعَى فيه القواعدُ والأصول والخصوصيات التي تتميّز بها اللغة العربية. فاللغة، أي لغة، تنهض بنهوض أهلها، وتُخمد جذوتُها بانطفاء شعلة الأمل والعزيمة والهمة والإصرار على التقدم لديهم، فكلما اقترب أصحاب اللغة من سبل النهضة وصمموا العزم على بناء قواعدها، اقتربت هي من ينابيع التطوير والتحديث والتجديد، فإذا كان التواصل الاجتماعي باللغة العربية، على شبكة المعلومات العالمية، منضبطاً ومتوازناً وحريصاً على استخدام لغة سليمة ومرنة وقادرة على افهام الناس، تطورت اللغة ونمت وازدهرت، وكان الأثر الإيجابي للتواصل الاجتماعي في التطوير اللغوي، فاعلاً ونافذاً وعميقاً، أما إذا كان هذا التواصل فوضوياً وعشوائياً ولا ينضبط بقواعد اللغة من قريب أو بعيد، وهذا هو الحاصل، فسيكون الأثر سلبياً غاية السلبية، وإن كان بدرجات متفاوتة.

وإذا كان الواقع يشهد أن اللغة العربية تنتشر انتشاراً واسعاً في العالم الرقمي، فإن هذا الواقع يثبت أيضاً، أن حالة اللغة العربية اليوم ليست أحسن مما كانت عليه من قبل، من ناحية الحفاظ على سلامتها، ليس من الناطقين بها المتداولين لها فحسب، بل حتى من بعض ذوي العلم والأدب والثقافة والمعارف العامة الذين يكتبون بها أعمالهم الفكرية والعلمية والإبداعية، ومن فئة من المدرّسين لها في مختلف المراحل التعليمية، بما في ذلك التعليم الجامعي، الذين لا يحترمون قواعدها، ولا يحافظون على صحتها وسلامتها.

إنَّ حضور اللغة العربية في شبكة المعلومات العالمية، بهذه الكثافة والامتداد، لا ينعكس بالضرورة، على المستويات الحالية لهذه اللغة، فهو لا يؤدي بصورة تلقائية، إلى إغناء العربية وتطورها والنهوض بها، فهذا حضورٌ شكلي، إن صحَّ التعبير، وليس حضوراً موضوعياً، يعبر عن المضمون ويتسرّب إلى العمق؛ لأن التأثير الإيجابي على اللغة، أيّاً كانت، يأتي من الحركة الدؤوب التي يقـوم بها أهلها من أجل تجديدها وتحديثها ومواكبتها في صيرورتها، لتمكينها من التكيّـف مع المتغيّـرات، وللوفاء بمتطلبات التطور اللغوي القائم على الأسس القوية، والمستند إلى العناصر الأساس الذي تجعله إغناءً للغة، وإنماءً لرصيدها. فهذا هو المقياس الصحيح لتقييم الوضع اللغوي، وللتمييز بين الأثر الإيجابي والأثر السلبي للتواصل الاجتماعي، في تطور اللغة.

والنهوض باللغة العربية خارج دوائر التواصل الاجتماعي، أسبق في الأهمية من أي حركة أخرى ترمي إلى تحديث اللغة وتجديدها من خلال تلك الدوائر، فاللغة تنمو وتتطور وتزدهر في المدارس والمعاهد والجامعات، وفي وسائل الإعلام المختلفة، وفي المجامع اللغوية، وفي حلقات الدرس الديني بالمساجد، وفي مراكز البحوث والدراسات المتخصصة في هذا الحقل المعرفي. وتنتقل اللغة من هذه المواقع جميعاً إلى شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) وإلى حسابات التواصل الاجتماعي، وقد اكتسبت شروط الصحة والسلامة والمناعة، وامتلكت مقومات النقاء والصفاء والبهاء، لتكون الوسيلة الناجعة والأداة السليمة والقناة الصحيحة للتواصل الاجتماعي على تعدّد منابره، وبذلك يكون الأثر الإيجابي للتواصل الاجتماعي في التطور اللغوي حقيقةً ملموسةً وواقعاً حيّاً ناطقاً بالمستوى الراقي الذي وصلت إليه اللغة العربية، سواء في الفضاء الافتراضي أم في حياة العرب والمسلمين وجميع الناطقين بها من مختلف أنحاء العالم.

إن هذا هو المنهاج العلمي الذي أثبت نجاعتَه للإصلاح اللغوي الذي إذا ما قام على أسس قوية واعتمد أساليبَ عمليةً مجدية، كان مقدمةً للتطور اللغوي الذي يقوّي اللغة ويدعمها ويرفع من قدرها ويجعلها لغة حيّةً متجدّدة، من منطلق أن الإصلاح يبدأ من الواقع الطبيعي والحقيقي وليس من الواقع الخيالي والافتراضي، فإذا صلحت اللغة لدى غالبية الناطقين بها الذين يستخدمونها في الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي صلحت في المواقع جميعاً. ولذلك، فإن الأثر الإيجابي للتواصل الاجتماعي في التطور اللغوي يبدأ من الذات ويعود إليها، ويكون ذا فعالية وله مردودية عملية كبيرة.

ولـيست اللغة العربية عصيةً على التعلم والفهم والتذوق والاستيعاب والإحاطة بها، كما يهرف من لا يعرف هذه اللغة، ولا هي بلغة تراثية تدخل المتاحف للاحتفاظ بها باعتبارها أثراً من التاريخ، كما قال واحد من أبنائها، ولكنها لغة الحياة ولغة المستقبل.

إن المحافظة على اللغة العربية هي من وجوه كثيرة، المحافظة على الدين الحنيف، وعلى الهوية الثقافية والحضارية. فليست اللغة العربية لغة تخاطبٍ فحسب، فهي لغة القرآن الكريم، وليس تعلّمها عملية آلية مجردة من المعاني الروحية العميقة. فاللغة العربية قِوَامُ الشخصية العربية الإسلامية. ولذلك كان تعلّم القرآن الكريم وقراءته وتجويده من أقوم السبل لإجادة النطق السليم باللسان العربي، وعلى هذا الأساس نقول أن انتشار تلاوة القرآن الكريم وترتيله وتجويده الآخذ في الازدياد، عبر وسائل الإعلام وشبكة المعلومات العالمية وحسابات التواصل الاجتماعي، هو إحدى أقوى الوسائل لانتشار اللغة العربية على أوسع نطاق والمحافظة عليها وحمايتها.

إنَّ التدفق اللغوي الفيّاض في هذا العصر ظاهرة عالمية، ولذلك فإن اللغة الصحيحة السليمة التي تمتلك مقوّمات القوة لا بد أن تفرض نفسها، وإن صادفتها العراقيل واعترضت العوائق سبيلها. وعلى هذا الأساس، يمكن أن نتنبأ بمستقبل زاهر للغة العربية على شبكة المعلومات العالمية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حين يصل التطور اللغوي إلى الدرجة العليا، فتطغى الفصحى الجديدة التي تساير العصر وتزول الشوائب والعوارض عنها، التي هي من رواسب عصور التخلف والتراجع الحضاري، وتنتشر اللغة العربية في مختلف الآفاق ويترسّخ الأثر الإيجابي للتواصل الاجتماعي في التطور اللغوي، حين يتراجع الأثر السلبي تدريجياً ويصبح شبه منعدم، ويخلو المجال الرحب للغة الفصحى فتكون اللغة العربية غداً هي سيدة الموقف في جميع الأحوال.

* أكاديمي سعودي.

%d مدونون معجبون بهذه: