محمد أبو الحديد يكتب : الفرق بين القرار الإداري والرؤية السياسية.. تنظيم بطولة أفريقيا.. نموذجاً

0 7

لا أستطيع ـ كمتابع للشأن السياسي ـ أن أترك مناسبة فوز مصر بتنظيم بطولة كأس الأمم الأفريقية لعام 2019 في نسختها رقم 32 علي أرضها دون تعليق. خاصة والفوز كاسح. وبنتيجة تصويت لم يشهدها الاتحاد الأفريقي لكرة القدم ـ كاف ـ علي مدي تاريخه.

أما لماذا التعليق. فلأن مجرد تقدم مصر بطلب تنظيم هذه البطولة علي أرضها. يجسد ـ في نظري ـ الفارق الهائل بين القرار الإداري والقرار السياسي.. بين النظرة المحدودة التي لا تري أبعد من الأمر الواقع القائم علي الأرض. وبين النظرة الشاملة الطموحة. التي تري ما هو أبعد كثيراً من الواقع. وتستطيع. بالإرادة السياسية. تغيير هذا الواقع ليصبح في مستوي تحقيق الطموح.

لقد كان المقرر ـ كما هو معروف ــ أن البطولة ستقام في دولة الكاميرون الشقيقة.. ولظروف خاصة بهذه الدولة لم تستطع الوفاء بالاشتراطات اللازمة لإقامة البطولة وفقاً لما حدده الاتحاد الأفريقي ـ كاف ـ فتم سحب البطولة منها وإعادة عرض تنظيمها من جديد علي من يريد التقدم بطلب لذلك. من بين بقية الدول الأفريقية أعضاء الكاف.

وسارعت دولة جنوب أفريقيا للتقدم بطلب تنظيم البطولة. ومعه شهادة بنجاحها في تنظيمها مرتين من قبل عام 1996 وعام 2013. وفوق ذلك ـ وهذا هو الأهم. شهادة نجاح أكبر لتنظيمها بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2010. لأول مرة علي أرض القارة الأفريقية. بعد أن انتزعت بطاقة التنظيم من مصر في واقعة “صفر المونديال” الشهيرة.

كانت الأنظار تتجه إلي مصر. لكن. مع تقدم جنوب أفريقيا. قال البعض عندنا: بركة يا جامع.. وظهرت حجج كثيرة.. كلها تدور في إطار النظرة الإدارية المحدودة..

* الوقت ضيق.. فموعد انطلاق البطولة هو شهر يونيو 2019 أي بعد ستة شهور.. وهذه فترة لا تكفي لإعداد المسرح المصري. الرياضي والعام لاستضافتها. خاصة وأنها ـ هذه المرة ـ تعد البطولة الأكبر نظراً لأنها تقام. لأول مرة. بمشاركة 24 منتخباً أفريقياً وليس 16 فقط كما كانت في السابق.

* جنوب أفريقيا هي الأكثر تأهلاً. لأنها نظمت خلال العقد الحالي بطولتين: عالمية عام 2010 وهي كأس العالم. وقارية عام 2013 وهي كأس الأمم الأفريقية. بينما آخر بطولة أفريقية استضافتها مصر كانت عام 2006 أي منذ 13 سنة.

* مصر مضغوطة رياضياً هذا الموسم بمشاركات أنديتها في البطولات الأفريقية والعربية. وهو ما أدي إلي ازدحام بطولتها المحلية الرئيسية ـ الدوري العام ـ بالمؤجلات التي تكاد تعصف بالدوري نفسه مما جعل أصواتاً ترتفع داعية إلي إلغائه أو متنبئة بذلك.. فكيف سنضيف تنظم بطولة قارية كبري أيضاً؟!

* كثير من ملاعبنا الرئيسية في القاهرة والمحافظات تحتاج إلي تأهيل خاص يتناسب مع استضافة بطولة بهذا الحجم ستكون محط أنظار أفريقيا والعالم.. وذلك متعذر. إما للانشغال الدائم لهذه الملاعب بالمباريات بما لا يدع فرصة زمنية كافية لتنفيذ المطلوب. أو لحاجة هذا التأهيل إلي تمويل غير متوافر.

* نجاح أي بطولة علي هذا المستوي يقاس ـ في أحد أهم معاييره ـ بحجم التواجد الجماهيري في فعالياتها. ونحن قضينا سنوات نلعب مبارياتنا دون جمهور.. وحين بدأنا أولي خطواتنا لعودة الجماهير تدريجياً إلي الملاعب. نواجه مشاكل الشغب التي تكاد تفسد متعة اللعبة.. فكيف سنحقق وجوداً جماهيرياً كبيراً يليق بنا. ونضمن في نفس الوقت السيطرة الكاملة علي أمن الملاعب.

* شهر يونيو هو ـ عادة ـ شهر امتحانات الشهادات العامة. خاصة الثانوية والدبلومات الفنية حيث الشباب الذي هو قوام جمهور الكرة الأساسي. وهذا سيخصم من الحضور الجماهيري. ومن المتابعة الحية لفعاليات البطولة.

هذا بعض ما قيل وتردد من مبررات عدم الرغبة في التقدم بطلب تنظيم البطولة. وتركها لجنوب أفريقيا لتفوز بالتنظيم بالتزكية بلا منافسين.

ولقد سمعت وقرأت هذه المبررات علي ألسنة قيادات الأجهزة المعنية باللعبة وبالرياضة عموماً سواء قيادات اتحاد الكرة المصري. أو قيادات وزارة الشباب والرياضة نفسها. في أحاديث تلفزيونية وفي حوارات صحفية. وهي كلها ـ في إطار النظرة الإدارية الروتينية ـ حقيقية. والطريف أن أحد هذه الحوارات التي سيقت فيه كل هذه المبررات كان قبل أيام معدودة من تدخل القرار السياسي ليقلب الواقع رأساً علي عقب.

وأظن أن ذلك حدث. متزامناً مع انعقاد “منتدي أفريقيا 2018” الذي نظمته باسم مصر وزارة الاستثمار وعقد بشرم الشيخ في مثل هذه الأيام من الشهر الماضي ـ ديسمبر 2018. برعاية ومشاركة الرئيس السيسي وعدد من قادة أفريقيا ومنظمات التمويل ووكالات الاستثمار القارية والعالمية.

كان المنتدي ناجحاً لأبعد الحدود. وكانت أجواء استعداد مصر لتسلم رئاسة الاتحاد الأفريقي في دورته لعام 2019 مبشرة. وكانت الرؤية السياسية تقول: * كيف نترك مثل هذه الفرصة الذهبية للجمع في عام واحد بين رئاستنا للقارة الأفريقية وتنظيم البطولة الأفريقية الكبري علي أرضنا. وكلتا الفرصتين تخدم الأخري وتعززها. بحكم أن الرياضة إحدي أكثر الوسائل فعالية للتقريب بين الشعوب وتحقيق التفاعل الإيجابي الخلاق لأبنائها؟!

وما أن صدر التوجيه الرئاسي بالتقدم بطلب تنظيم البطولة. حتي انقلب الأمر الواقع رأساً علي عقب. وتحولت كل أجهزة الاستسلام للأمر الواقع واستسهال إضاعة الفرص بالبيروقراطية وعدم الرغبة في التحرك. إلي خلايا نحل.

* ملف التقدم لتنظيم البطولة. والذي يحتاج إعداده لشهور. تم إنهاؤه في أيام. رغم أنه يحتوي علي مدي جاهزية كل العناصر اللازمة للتنظيم ولإنجاح البطولة. سواء ملاعب. أو فنادق. أو وسائل نقل واتصال. أو تأمين. أو حضور جماهيري. مشفوعاً ذلك كله بضمانات حكومية ومعززاً بالأرقام والصور التي تثبت صحته.

* نفس الذين رددوا مبررات الامتناع عن طلب تنظيم البطولة. هم الذين قاموا ـ فور إظهار الإرادة السياسية للدولة ـ بالاتصالات اللازمة للحشد لتأمين القاعدة التصويتية في الاتحاد الأفريقي للكرة ـ كاف ـ اللازمة لإنجاح الملف المصري. وهم الذين وعدوا بعمل كل ما يلزم لإنجاح البطولة.

وكانت النتيجة في التصويت مذهلة.. اكتساح مصري بـ 16 صوتاً بينما لم تحصل جنوب أفريقيا إلا علي صوتها وحده. وكأنها نتيجة واقعة صفر المونديال ..2010 ولكن معكوسة.

لكن هذه مجرد طلقة البداية. وأمامنا عمل وجهد كبيران من اليوم وحتي إعلان نجاح البطولة وتتويج الفائز بها الذي نرجو أن يكون مصر.

المغزي في النهاية ينسحب علي كل المشروعات العملاقة والخطوات الناجحة التي أنجزتها وقطعتها مصر علي المستوي المحلي والإقليمي والعالمي.

لو تركنا مصيرنا للأجهزة البيروقراطية وحدها ولقرارها. ما تحركنا خطوة واحدة للأمام. ولا أنجزنا مشروعاً مميزاً يضيف إلي رصيدنا.

وفي نفس الوقت. لو لم تكن لدينا قيادة سياسية جسورة وقادرة علي كسر قيود الواقع لتحقيق الطموح ما حدث ذلك.

%d مدونون معجبون بهذه: