تامر مشالى يكتب : رقصة أولى فى الثمانين.

0 49

 
تطوى صفحات العمر..وتنقضى من بين أيدينا دون ان نشعر ولا ندرك ذلك جليا..الا ساعة فقد أحد يحتل مرتبة..ويسكن مكانة ..ويمثل نموذجا حيا طيلة عمرنا..بالأمس القريب جدا..انقضى نحب العجوزة..او هكذا أطلقت عليها..فأصبح لقبها المفضل بيننا..عن المائة عام الا عامين..قريبة لى جدا..وقريبة أكثر منى أيضا..وهى الجارة الأمامية لواجهتى بيتى وغرفتى من الناحية البحرية..وان كان هذا على بعد عدة أمتار تبلغ ال20 مترأ أوتزيد..غير أنها جدتى بعد حسبة عائلية طويلة وعميقة بعض الشئ..أذكر لها تفاصيل حياتية بينى وبينها تمت..انقضت بحكم توالى الايام..ودوامات الهاء الحياة..
وقت طفولتى ..وقد ودعته ما يزيد عن 40 عاما..كنت أأخذ نفسى رغم صغر السن والوعى..لاذهب اليها ..لا لشئ واضح معى ..غير أن كنت بالامس البعيد جدا كنت فى زيارة ليلة عندها..بحكم الود والزيارات العائلية الدافئة القائمة فى مثل تلك الايام التى ولت وراحت الى حالها بعيدا..وصرنا الأن نبكى ونترحم على ضياعها وسقوطها دون استمتاع اكثر..حفظت الطريق..ورسمت العنوان القريب جدا من مشهد زيارة ليلة الزيارة..كانت العجوزة لا تكل ولا تمل ولا تنسى صيغة السؤال الدائم والوحيد وربما الفضلى جدا لها : انتوا فطرتوا ايه..اتغديتوا ايه النهارده؟..بعفويتى الطفولية البريئة..أجيبها تفصيلا بجميع انواع ما كان على المائدة..ذات ليلة ثانية لزيارتها كان حفلا لعيد ميلاد زواجها..كانت فى ال50 تقريبا..وزجها البالغ حينها ال70 او يزيد كثيرا..جو غير مقنع لى تماما..وهو الرجل الكهل..الذى لا يبرح مكانه الا للتحية بعدها يلزم مقعده حتى نهاية الحديث والزيارة..متابعا لا متحدثا ولا مشاركا بكلمة واحدة..الا ان حالة الاحتفال حاضرة ومتاحة..لم تكن اضاءات الريف قد انتشرت..كان الجو هادئا ومناسبا لضوء الشموع فى ليلة ميلاد زواجها..حيث كانت تغمر المكان بضوئها الخافت ..وسحرها المثالى..هابى برثى داى..سنة حلوة يا نور..هكذا أخذت تردد لحالها..وأنا اردد واتمتم خلفها دون وعى ولا حيلة الا مشاهدة هذه اللحظة..تنطفئ الشموع..وتقطع التورتة الغنية بالفانيليا والشيكولاته..ولا تسقط عن رأسى ليلة الميلاد هذه.
رغم تقدم سن العجوزة الواضح ..كانت واعية لحالها..ومن حولها جيدا جدا..كانت أنيقة تضع المكياج الواضح فى سفرها ومناسباتها..ترتدى الاسود كاملا فى ظروفه وأوقاته..والالوان المتنوعة فى بيتها..كانت تحضر لى حبات الشيكولاته ربما من اعوام قديمة بها سوس وأغلفة خلت من محتوياتها بعد ان فسدت ..وبعض حبات من طوفى نخر فيها سوس وسكنها نمل حتى أفرغت مكوناتها السكرية..كانت تحتفظ بهذه الاشياء ولا تأكلها فقط تقدما الى اى ضيف..كنت أأخذ واتظأهر بأكلها..وأقذفها بيدى فور خروجى من عندها..قلت لها مرة أننى أريد شجرة للورد الببلدى التى ترعاه فى حديقتها الصغيرة..جاءت على أضعف نبتة منها واعطتها لى لأزرعها..وبالفعل زرعتها..وأبت أن تخرج زهورها..لم أصبر عليها طويلا فخلعتها والقيت بها بعيدا..كانت تملك جهاز راديو من الطرز القديمة جدا والعتيقة أكثر والتى كانت تعمل بالبطاريات الضخمة..كانت تضعه أعلى رف فى صالة بيتها..وكان لا يعمل فتحول مع تتابع الموضات الى تحفة فنية ..جسده خشبى كصندوق..وواجته بلاستيكية خلفها مؤشر محطات الاذاعة..كنت مفتونا به واريده منها لاقتنيه عندى..كقطعة ديكور خاصة لدى ..لكنها كل مرة كانت ترفض ذلك..متعللة بانه من ذكرياتها الجميلة مع زمنها الفائت..قلت لها مازحا أننى سأخذها من (عمتى) ابنتها الوحيدة بعد وفاتها..ولسوء حظى الشديد معها أن تموت ابنتها على حياة عينها وفؤادها..وينقضى حلم اقتناء هذه التحفة المميزة..بعد أن أغلق البيت بعد ليلة عزائها.
فاجأتنى العجوزة ليلة عرسى وزفافىبتلوه راقص ومتنوع منها..فعلى أنغام موسيقى شعبية..وصخب قوى من الاجهزة الصوتية الحديثة المنتشرة فى قاعة الفرح..لم تستطع أن تتمالك فرحتها بى ..او كمحاولة صلح لى بعد ذكريتها المؤلمة معى ..وتمنح نفسها ما يقرب من 20 دقيقة من الرقص لخاص بها..وعلى قدر ما تبقى لها من صحة وعافية تقاوم بهما حياتها..ذات ال85 عاما..تأخذ بيدى وترقص معى بفرحة طاغية..وسعادة بادية على رشاقتها البادية ..وتأخذ بيد ثان ..ويد أخر..حتى تشابكت مع 14 ايد..تبادلهم رقصا برقص..ولما فرغت نهاية من ايقاعها الراقص..جاءت الى جوارى عند كرسى الزفاف: شوف معزتك عندى قد ايه..أول مرة فى حياى أعملها وأرقص فيها كده..فدى كانت فرصة تعرف فيها حبى ليك..ورقصى كمان.!!

%d مدونون معجبون بهذه: