حسام إبراهيم  يكتب مصر في ليلة القدر !!

0 35

تبدو مصر كلها في العشر الأواخر من رمضان كتلة من النور تعبر عن ضياء فرحة قلوب المصريين وهم يترقبون ليلة القدر التي تتجلى في ابداعات ثقافية متعددة..هنا في  كل شبر من ارض الكنانة التي تفتح ذراعيها للجميع تتجلى كل انوار الايمان في  العشر الآواخر من رمضان وهنا يتجلى معنى “رمضان المصري” في ايقونة صنعها التاريخ وحوارات الأزمنة بعفوية ودون تصنع او تكلف وتتصافح ابداعات متعددة لتمنح المزيد من الحضور والزخم للمجازات الذهنية والأدوار الرمزية والرسالة الحضارية لوطن وشعب شيد اول دولة في التاريخ الانساني .
و”ليلة القدر” حاضرة دوما في ابداعات مصرية وعربية متعددة وبعضها جاء اصلا بلغات اجنبية مثل رواية كتبتها اديبة مصرية بالفرنسية هي قوت القلوب الدمرداشية لتصدر بعنوان “ليلة القدر” عام 1954 عن دار غاليمار للنشر بباريس وتنقل للغرب جماليات وعبق الأجواء الروحانية الرمضانية المصرية..واذا كانت قوت القلوب الدرداشية التي ولدت عام 1892 وقضت في عام 1968 هي كاتبة مصرية ابدعت اعمالها الروائية باللغة الفرنسية فواقع الحال ان “ليلة القدر” مصدر الهام  لمبدعين عرب حققوا حضورا عالميا مثل الكاتب والأديب المغربي الطاهر جلون الذي ولد في مدينة فاس عام 1944 فيما فازت روايته “ليلة القدر” بأهم جائزة أدبية فرنسية في عام 1987 وهي جائزة جونكور.
وفي روايته “بغلة العرش” التي صدرت طبعتها الأولى عام 1995 اعتمد الكاتب والأديب المصري الراحل خيري شلبي على حبكة روائية حافلة بطقوس شعبية في الريف تقترن بليلة القدر بينما تتوغل تلك الطقوس في “المناطق المستترة للإنسان” او “مناطق اللاشعور” بقوتها الغلابة التي تفتح افاقا جديدة للابداع..وإذ اقترب خيري شلبي الذي قضى في التاسع من سبتمبر عام 2011 من افاق “الواقعية السحرية” في الأدب حسب ماذهب اليه العديد من النقاد فان الهامات ليلة القدر في الثقافة المصرية والعربية ليست بعيدة عن مفاهيم “الواقعية الروحية” حيث يقوم الانسان برحلة في داخله لفهم الذات و رحلة خارجية ليدرك الآخر.
ومفاهيم الواقعية الروحية شدت اهتمام مثقفين وباحثين مصريين مثل الدكتورة هند حامد عز الدين التي اعدت أطروحة للدكتوراه في كلية الألسن بجامعة عين شمس عن هذا الموضوع وإمكانية اللقاء بين مسار الرحلة الداخلية ومسار الرحلة الخارجية للإنسان المعاصر عبر دراستها المعمقة والمتعمقة في شاعرين كبيرين هما والاس ستيفنز الذي ولد عام 1879 وقضي عام 1955 ولي يونج وهو شاعر معاصر ولد عام 1957.
 الشاعران كما توضح الدكتورة هند حامد عز الدين يشعران باستياء شديد حيال العالم الخارجي وبذلا جهدا مضنيا في ايجاد السبيل لاستيعابه وكان لكل منهما رحلته الطويلة لفهم هذا العالم الخارجي والابحار في طيات الكون والبحث عن الكينونة تحليقا في ثنايا النفس..اختلف الطريقان في التفاصيل لكن الشاعرين الكبيرين قصدا الوجهة ذاتها كما يتجلى في اشعار ستيفنز ودواوينه :”الأرغن” و”افكار ذات ترتيب” و”قطع من العالم” و”الانتقال الى الصيف” وكما يتبدى في اشعار لي يونج ودواوينه :”وردة” و”المدينة حيث احبك” و”سفر الليالي” و”وراء عيني”.
وهذه الأطروحة لهند حامد عز الدين بمقدمتها وفصولها الأربعة وخاتمتها تقدم اضاءة بالغة الأهمية لفهم العلاقة بين الذات والعالم الخارجي او بين الداخل والخارج ومن ثم فهم معنى الوجود كقضية جوهرية لعديد من الفلاسفة والمفكرين عبر الأجيال والعصور..ومثل هذه الأطروحة المصرية تشكل اسهاما ثقافيا مصريا ضمن اجتهادات متعددة في وقت تعاني فيه “الحداثة الغربية ومابعدها” من ازمة لأنها تنطوي على تناقض فهي من جهة الأقوال وعلى مستوى الخطاب تعلن رغبتها في تقدم البشرية على قاعدة السلام والأمن والحرية للجميع غير انها من جهة الأفعال وعلى مستوى الممارسات تتسبب في حروب وفتن واستفحال للفقر والقهر بين الضعفاء في عالم يفترض انه عالم واحد فيما يعاني واقعيا من خلل فادح في موازينه وتوازناته بين شمال وجنوب وبين اغنياء وفقراء.
وهذا المفهوم للواقعية الروحية ينطوي على حل لفهم الذات والعالم وتحقيق الصلح المنشود بينهما ورؤية الدكتورة هند حامد عز الدين كمثقفة مصرية وباحثة اكاديمية تتجاوز النزعة العقلية الخالصة التي لم تقدم حلا لأزمة الانسانية بل تسببت احيانا في حروب ومجاعات وكوارث شتى والحقيقة انها تطرح رؤية انسانية تنظر الى الوجود نظرة شمولية وتحفر بعمق وصولا لمعنى شمولي للوجود.
فالتغيير يحدث في العقل والوجدان قبل ان يحدث في الواقع وقد تكون الانسانية في تلك الألفية الثالثة بالفعل بحاجة ماسة وملحة “للواقعية الروحية” التي تكفل مصالحة الانسان لذاته بقدر ماترسي الأسس للتعايش البشري وتأسيس علاقات افضل بين البشر فيما تتجلى هذه المفاهيم ببساطة وعمق في “رمضان المصري” الحافل بألوان التراحم والتصالح مع الذات والآخرين.
ولئن ابدعت الكاتبة السورية تمارا الرفاعي في الكتابة عن الليالي الرمضانية المصرية بالحب والوجد والذكريات البهيجة فليلة القدر هي “درة التاج في ليالي رمضان المصري” فان هذه الليالي المباركة  حاضرة دوما في ابداعات المصريين مثل ديوان الشاعر الراحل فؤاد حداد :”من نور الخيال  وصنع الأجيال في تاريخ القاهرة” وهو الديوان الذي شكل مصدر الهام لعرض مسرحي حالي يقدم مجانا على خشبة المسرح القومي بالقاهرة وقد اعده للعرض امين حداد واخرجه احمد إسماعيل بالقاء كوكبة من الفنانين يتقدمهم اشرف عبد الغفور.
والخيوط الممتدة من الأضواء الملونة في ميادين وساحات مصر وعلى امتداد محافظاتها ونيلها الخالد احتفالا بالعشر الآواخر من الشهر الفضيل انما تترجم حقيقة راسخة عبر التاريخ الثقافي للانسانية بصيغ وصور متعددة  وان اتفقت في الجوهر والمعنى على ان المصريين شعب مؤمن ينتصر للحياة ويهدي الانسانية دوما الوانا من عذوبة الابداع.
ولاريب ان احتفالات  العشر الآواخر من رمضان وترقب ليلة القدر انما تعبر ببساطة وبلاغة معا عن ثقافة المصريين المنتصرة لكل القيم النبيلة في الحياة الإنسانية في عديد التعبيرات والاشارات والايماءات مابين مفردات اللغة وتبادل التحية وسلوكيات السماحة والتسامح وطقوس الترفيه وفضاءات الحميمية والفطرة الطيبة ولكأن الانسانية كلها انخرطت واندمجت في أيام رمضانية مصرية .
وفيما يرتفع الدعاء لمصر من قلوب المصريين يتحول المكان الذي تحول في مخيالهم الجمعي الى شارة عز فوق خرائط المجد بينما يصنع كل شخص من الحشود الغفيرة التي تدفقت للشوارع والساحات “صورته الخاصة من متن وقائع تتحول لذكريات تصنع سيرة عشق للمكان”..ولئن توالت كتب في الثقافة الغربية  حول احتفاليات الانسان الغربي فألوان قوس قزح التي تعانق المشهد المصري  بأنوار الايمان في العشر الأواخر من رمضان تعيد للأذهان قصة الضوء في اصل الحياة ولعلها أيضا تثير تآملات في العلاقة بين مفاهيم مثل النور والتنوير والأنوار والأضواء.
ومابين الأنوار والتنوير والأضواء والضياء يحول المصريون حلمهم ببناء مصر المستقبل لواقع على الأرض الطيبة.. انها مصر المؤمنة والمضيئة بشعاع حب من ضياء قلوب المصريين وهم يترقبون ليلة القدر في العشر الآواخر من رمضان وتحمل ارض الكنانة دعوات القلوب المخلصة في أيام ماأجملها من أيام .

%d مدونون معجبون بهذه: