مصر المحروسة . نت تنشر كتاب فتحي خطاب قبل صدوره :المشــــهد الأخــير في المـؤامـرة الكـبرى ..القدس الأقصى ..أحكام التاريخ .. وشواهد الجغرافيا

0 32
إهداء
إلى روح مواطن مغربي يدعى«شمس» قاتل دفاعا عن فلسطين العربية ــ الأرض والتاريخ والمقدسات ــ  واستشهد على عتبة دار المواطن الفلسطيني «يوسف كعوش»  بقرية «ميرون» التابعة لقضاء صفد الفلسطينية في صيف  1948  :
الطريق مازال ممتدا أمامنا ، تتفتح عليه نوافذ المستقبل، تقول خرائط التاريخ والنصوص المقدسة : إنه لنا .
مدخل
مع نهاية القرن التاسع عشر، كانت الأحلام تقترب من عرض جنون، أو جنوح غرائز، أو وسواس وهم، في مقولة «تيودور هيرتزل»، أحد أبرز مؤسسي الحركة الصهيونية : «إذا حصلنا يوما على القدس، وكنت لا أزال حيا وقادرا على القيام بأي شئ ، فسوف أزيل كل شئ ليس مقدسا لدى اليهود فيها، وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها قرون» .. وكانت هذه التصورات ترسم لنفسها ما يناسب هواها، إستنادا إلى الأحلام، وسلطانها الغلاب، وإلى الأساطير التي تلامس حدود القداسة !! ولكن وجه الغرابة، أن الأحلام تحولت إلى حقائق، مع إحتلال القدس، وممارسات تهويد ما تبقى منها .
 والحقائق تمارس مطالبها بقوة دفع جديدة، تركز هذه المرة على المسجد الأقصى، وقد إهتزت قواعده وتصدعت فوق شبكة أنفاق أرضية.
ومقولة هرتزل في العام 1892 كانت تجسيدا للرغبة الملحة، والتي أضيفت إليها دوافع الأساطير، التي تعتمد عليها بعض الجماعات اليهودية،صاحبة الاعتقاد  بوجود هيكل سليمان أسفل المسجد الأقصى، وتتبنى فكرة إعادة بناء الهيكل الجديد على أنقاض الأقصى، تحقيقا للإستقراءات الوهمية وللأساطير التي إبتدعوها ، بأن المسيح المخلّص لن يأتي لتمكين اليهود من السيطرة على العالم إلا بعد إقامة الهيكل المزعوم .. ولم يجرؤ أحد على توضيح الحقيقة : من هو المسيح الذي يقصدونه ؟ هل هو مسيح اليهود الذي ينتظرونه لإقامة الدولة اليهودية العظمى ومن أجله كذّبوا المسيح عيسى ابن مريم ـ عليهما السلام ـ وتآمروا وحرضوا ضده ؟ أم هو السيد المسيح الذي آمن به المسيحيون وواجه الآلام وجحود الإنكار من اليهود ؟! والواضح أن فكر تلك الجماعات قد إنطلق في الأساس عن الفلسفة الصهيونية وليس عن المعتقدات الدينية اليهودية أو خرافاتها وأساطيرها .. وقد بدأ الصهاينة الأوائل محاولات المساس بالمسجد الأقصى في شهر أغسطس  1929 أثناء الإنتداب البريطاني في فلسطين، وتصدى لهم العرب بحزم .. ولم تتوقف المحاولات بعد ذلك .
و «هيكل سليمان» في المسألة اليهودية ، يكتب النهاية،ويرسم المشهد الأخير في المؤامرة الكبرى، من قصة التهويد والتدمير، والتي بدأت  مشاهدها مع الإنتداب البريطاني على فلسطين، بقرار من مؤتمر «فرساي» 1919 وتولي السير «هربرت صمويل»منصب الحاكمالعام لفلسطين، وهو نفسه الوزير اليهودي الصهيوني صاحب المذكرة الشهيرة إلى مجلس الوزراء البريطاني التي أوصت بأن الفرصة مناسبة في أعقاب الحرب العالمية الأولى للبدء مباشرة بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وصولا إلى نكبة 1948، وما سبقها من قرار التقسيم في العام 1947 !!
وقصة التهويد والتدمير بدأت فصولها في أحضان العقيدة والأساطير، والتي تستند إليها أحلام ( 120) جماعة يهودية تشارك في مخطط التدمير المنظم للمسجد الأقصى.. وتسري في ضمائرهم أوهام الاعتقاد بأن «الفكرة» تلامس حدود«القداسة»، والتي تفرض أحكامها وضع التصورات النهائية لتصميم الهيكل الجديد !! وفي صيف 1990 تم إعداد مخطط هندسي أعده المهندس «مائير بن دوف» بناء على تكليف من «تيدي كوليك » رئيس بلدية القدس وقتئذ، وهو تصميم لهيكل سليمان الثالث لإقامته على أنقاض المسجد الأقصى، وقامت سلطات الإحتلال بتوزيع ملصقات الهيكل على نطاق واسع، بهدف تهيئة الرأي العام العالمي لتقبل»كارثة«تدمير الصرح الإسلامي المقدس، وتضمنت الملصقات تنويها بأن المسجد الأقصى بناه (الأمويون) في القرنين السابع والثامن الميلادي فوق الأثرالديني للهيكل!!
والخطوات التدريجية تتصاعد..شهر بعد شهر .. وعام بعد عام ..على التوالي .. لبناء الهيكل المزعوم .. وفي خريف 2007 قامت منظمة «معهد الهيكل» بنصب شمعدان ذهبي أطلقت عليه اسم «شمعدان الهيكل» قبالة باب المغاربة بالقرب من الجهة الغربية للمسجد الأقصى المبارك.. الشمعدان كان قد وضعسابقا في أحد شوارع البلدة القديمة في القدس،ثم أجرت المنظمة الصهيونية إضافات عليه بتكلفة 100 ألف دولار، وقامت بنصبه على موقع ظاهر وعال يقابل المسجد الأقصى  من الغرب.. تمت صناعة الشمعدان من الذهب الخالص بوزن 45 كيلو جراما من عيار 24 قيراطا وبتكلفة 3 ملايين دولار ( بأسعار العام 2007).. وتعترف جماعة «معهد الهيكل»بوضع «شمعدان الهيكل» بالقرب من المسجد الأقصى في خطوة عملية أخرى على طريق بناء الهيكل الثالث، وإنهم تعمدوا نصب هذا الشمعدان في موقع يحجب رؤية المسجد الأقصى وقبة الصخرة، إستعدادا لنقله إلى داخل الهيكل بعد بنائه !!
والخطوات التدريجية تتواصل، وأخشى أن نصل يوما إلى الحدث الأعظم في تاريخ العالمين العربي والإسلامي.. إلى الخطوة الأخيرة التي ينهار معها رمزا إسلاميا مقدسا، أصبح منذ سنوات قائما على شبكة من الأنفاق الأرضية.. وفي حال إنهياره ــ والأمر ليس مستبعدا ــ  فإن المشهد الأخير في المؤامرة الكبرى، قد يكون من المآسي الدامية، يتابعها المتفرجون بعواطفهم الحزينة، وربما بدموعهم، ولكنه سوف يظل جاثما بالغضب والأحزان فوق صدر وقلب الأمة الإسلامية، التي ستواجه إستجوابا تاريخيا في لحظات من أخطر وأسوأ تاريخها.
تمهيد
قد يكون من الخطأ تصور التاريخ على أنه مؤامرة، ولكن ليس من الخطأ ـ فيما أتصورـ القول إن للمؤامرة دور في تحريك أحداث التاريخ، وصناعة الوقائع، وتغيير المسار، وإدارة صراعات القوى والمصالح.. وكانت المؤامرة أوضح ـ وربما أوقح ـ في مجريات الأحداث بإتجاه فتح أبواب فلسطين أمام هجرة اليهود، وكانت القدس هي عنوان الدعاوى التبشيرية في كل خطوة، وهي المقصد والهدف الأكبر الذي يلامس حدود القداسة في حلم الصهيونية، وكان البحث عن اللحظة المناسبة، أن يدخل الحلم إلى عالم الحقائق السياسية، ومنذ  البدايات الأولى للحركة الصهيونية، حيث دأب منظورها على ترسيخ ما يسمونه الهدف الأعظم في أذهان يهود العالم، وهو إحتلال القدس لتصبح عاصمة لدولتهم المنتظرة « إسرائيل» .. وأن من يملك القدس يملك فلسطين.
وقد كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتكثيف الإستيطان في القدس بالذات، واحدة من أهم ركائز الدعوة لتحقيق هذا الهدف (ولم تكن هناك قاعدة يهودية كافية تستطيع أن تتحمل عبء هجرة يهودية مؤثرة) .. ويكفي أن نذكر أن عدد اليهود في فلسطين عام 1488 لم يتجاوز سبعين أسرة يهودية، وفي عام 1521  أصبح عددها ألف وخمسمائة أسرة، وفي عام 1798 تلقى الإمبراطور نابليون بونابرت تقريرا من مجموعة ضباط إستكشاف  سبقت جيشه إلى فلسطين في بداية الحملة الفرنسية على مصر، ويقول التقرير المرفوع إلى نابليون،إن عدد اليهود في فلسطين 1800 منهم 135 في مدينة القدس !! وفي عام 1841 بلغ عدد اليهود في فلسطين 3200 نسمة، ورغم ذلك كان الحلم الأكبر لايزال فاعلا داخل وجدان حاخام القدس، وهو يرسل«حجابا» واقيا من الشر إلى الملكة «فيكتوريا»  1849 في أعقاب مؤتمر يهودي صغير عقد في لندن برعاية أسرة «روتشيلد»، يطلب من الحكومة الإنجليزية أن تسهل لليهود إستعمار فلسطين على نمط ما يحدث في مناطق أخرى من حركة الإستيطان الأوروبي في أفريقيا وإستراليا وكندا !!
ومع بداية الإحتلال البريطاني لمصر عام 1882 إرتفع عدد اليهود في فلسطين من ثمانية آلاف إلى أربعة وعشرين ألفا، بعد قيام الرأسمالي اليهودي البريطاني «أدموند روتشيلد» تنظيم أول هجرة جماعية يهودية إلى فلسطين، تدعمها في نفس الوقت، حملة تبرعات ومساهمات طائلة، لشراء أراض في فلسطين من خلال مؤسسة للإستثمار في الأراضي الزراعية في المشرق .. وفي ظرف عشر سنوات تم إنشاء 20 مستعمرة فوق مساحات تجاوزت 22718 فدانا ( نحو 95415 دونم ) أكبرها مستعمرة «روش بينا» على مساحة 3800 فدان (15960 دونم ) ومستعمرة «عية» على مساحة 2750 فدان ( 11550 دونم)، ومستعمرة  «زيشرون جاكوب» على مساحة 1850 فدان ( 7770 دونم ) ، وأصغرها مستعمرة «بن شيمن» على مساحة 210 فدان ( 882 دونم ) !! وبلغ عدد اليهود في فلسطين عام 1917 حين صدر وعد بلفور، نحو 30 ألفا .. وبعد أن تولت بريطانيا سلطة الدولة المنتدبة في فلسطين، تحول دخول اليهود إلى فلسطين من هجرة إلى طوفان، حتى أصبح عددهم 100 ألف عام 1948، وكانت عملية تهويد القدس  ـ أيضا ـ تسير على نفس مسار التصاعد.
وإتخذت إسرائيل (دولة الاحتلال) إجراءات عملية لتهويد القدس، بعد إحتلال القسم الغربي من المدينة عام 1948 بالمخالفة لقرارات الأمم المتحدة المتعددة، بل وعمدت إلى فرض الأمر الواقع ، باحتلالها حي القطمون العربي ذي الموقع الإستراتيجي الهام في القدس قبل أسبوعين من إعلان قيام إسرائيل، ثم إستغلت فترة الهدنة الأولى عام 1948 وتقدمت لإحتلال بعض المواقع المهمة كاللد والرملة، كما شقت لها طريقا بين تل أبيب والقدس، وبذلك إستطاعت أن تفرض تقسيما فعليا لمدينة القدس، سرعان ما تجسد في خطوط  إتفاق وقف إطلاق النار بين الأردن وإسرائيل عام 1948 ومنذ ذلك التاريخ ، وإسرائيل تواصل مخططات الضم والتهويد،وبالسيطرة الإستراتيجية والديموغرافية بالوسائل التالية :
1ـ الاستيلاء على أكبر مساحة من الأرض المحيطة بالقدس، عن طريق مصادرة الأراضي، والإستيطان، وتدمير الأحياء العربية ، كما حدث بالنسبة لحي المغاربة المواجه لحائط البراق، والذي تم تدميره عقب حرب 1967.
2ـ عزل التجمع السكاني العربي في القدس عن التجمعات العربية في الضفة الغربية .
3ـ تطويق القدس بأحزمة إستيطانية متصلة،على شكل تجمعات سكنية تحقق إقامة عزل سكاني يهودي بين القدس وخارجها من جهة، وتحقق سيطرة إستراتيجية على التجمعات العربية داخل القدس من جهة أخرى .
4 ـ بناء الضواحي الإستيطانية لخدمة الغرضين المدني والعسكري .. ولتدعيم هذه السياسة إتخذت سلطات الإحتلال إجراءات متنوعة في مختلف المجالات نذكر منها :
  • إعلان إسرائيل فور احتلالها لفلسطين، إعتبار القدس الغربية عاصمة لها عام 1949 ثم وافق الكنيست على القرار عام 1950.
  • بعد إحتلال القدس الشرقية خلال حرب يونيو 1967 أقرت الحكومة الإسرائيلية في نفس الشهر سريان القانون الإسرائيلي الخاص بالإدارة والنظام لسنة 1948 على القدس والمناطق المحيطة بها، ليصبح أكثر من مائة ألف من سكان القدس من الفلسطينيين خاضعين للقانون.
  • أصدر جيش الآحتلال الإسرائيلي قرارا في 29 يونيو 1967 بحل مجلس أمانة القدس «بلدية القدس» وهو المجلس المنتخب من سكان القدس، وطرد رئيس بلديتها من عمله، والحاق موظفي وعمال أمانة القدس بالبلدية الإسرائيلية.
  • أصدر الكنيست الإسرائيلي عام 1980 في عهد حكومة «مناحيم بيغن» قانون القدس، ونص على ما يلي : «القدس كاملة وموحدة عاصمة لإسرائيل، وهي مقر رئيس الدولة والكنيست والحكومة والمحكمة العليا، مع منحها إمتيازات خاصة بالنسبة لمشروعات الدولة».
وتسلسل الوقائع كان أكثر ترابطا.. وقد شكلت هذه القوانين الغطاء الذي تحركت تحته مختلف المشاريع والمخططات !!
فامتلاك اليهود للقدس وإتخاذها عاصمة لإسرائيل، هو سعى لإمتلاك تاريخ المدينة  نفسها، وبرؤية أن من غير القدس ستكون إسرائيل بلا تاريخ ولا تراث..كانت الأحلام والمطامع، أن يرتبط التاريخ بالجغرافية.. وحيث توفر القدس لليهود ما يحتاجون من رسم جغرافي معلوم على الكرة الأرضية، بقدر ما توفر لهم تاريخا عريقا، فهي جغرافيا في قلب فلسطين ومركزها، وهي رابطة العقد لكل الطرق الممتدة في كل إتجاه على طول الأرض الفلسطينية وعرضها.. ومن ثم هي وحدها الكفيلة جغرافيا بتحقيق حلم الصهيونية، الساعية بثبات وعناد لإقامة إسرائيل الكبرى.. وكذلك لن تستقر القدس يهودية صهيونية إسرائيلية، إلا إذا تم تهويدها وطرد الفلسطينيين ـ سكانها ـ بالقوة، وبالعدوان على كل القوانين والأعراف والشرعية الدولية والقيم الإنسانية !! وهكذا تم التخلي عن مصطلح «القدس الكبرى» كما رصد البدايات الباحث الأمريكي المختص بشؤن الشرق الأوسط «جيفرى أرنسون»، وإعتماد مصطلح «القدس العظمى» ليشمل منطقة القدس ومحيطها أيضا، بعد أن أصبحت 79 % من الأراضى في المنطقة المسماة القدس العظمى بأيدى الإسرائيليين ـ وفقا لدراسة جيفرى أرنسون 1995 ـ وفي هذا الإطار أصبحت معظم شبكات البنية التحتية من المياه والكهرباء والمجاري والهاتف والطرق، تربط بين القدس ومحيطها، وكانت أخطر الدراسات على الخرائط تؤكد أن المخططات المستقبلية لإستيطان القدس، تفوق في خطرها وسرعتها، جميع مخططات إسرائيل الإستيطانية السابقة، وأصبح واضحا الآن أن الزمن يمر لمصلحة إسرائيل، وأن مشروع إسرائيل الكبرى، يركز على إيتلاع البقية المتبقية من أرض منطقة القدس، مضافا إليها المزيد من أراضى الضفة الغربية المحتلة !!
وأعتقد أن من خطايا «ثقافة السلام» التي تم الترويج لها وفقا لأحكام إتفاقات ومعاهدات، بدأت في العام 1979 وتمددت في بداية التسعينيات من القرن العشرين، أننا سحبنا عن إسرائيل ـ وربما بقصد النوايا الطيبة الحسنة !! ـ عقيدة تكوينها وطبيعتها كدولة دينية صرفه، تقوم على تجميع اليهود في جيتو سياسي واحد، وأن أساسها التعصب الديني..وأن اليهودية بالمفهوم السياسي الإسرائيلي ليست ديانة فقط ولكنها قومية لأمة يهودية..وكان بالضرورة مع رؤيتنا هذه أو رغبتنا في تجريد إسرائيل من العقيدة الدينية وأساطيرها، أن شطبنا من دائرة الوعي الحقائق الأولية البحتة في قيام ووجود إسرائيل ـ حسب توصيف عالمنا الجليل الراحل الدكتور جمال حمدان ـ بأن إسرائيل كدولة هي ظاهرة إستعمارية صرفه..وأن إسرائيل إستعمار طائفي بحت، والدولة دولة دينية صرفه..وأن إسرائيل إستعمار عنصري مطلق..وإستعمار توسعي أساسا..وإستعمار سكني في الدرجة الأولى.. وهي تجسيم للإستعمار المتعدد الأغراض، فهي تمثل إستعمارا مثلث الأبعاد، فعدا الجانب السكني، فإنها تمثل أيضا إستعمارا إستراتيجيا، وإستعمارا إقتصاديا، فوجودها غير الشرعي رهن من البداية إلى النهاية بالقوة العسكرية وبكونها ترسانة وقاعدة وثكنة مسلحة، وأن أمن إسرائيل هو مشكلتها المحورية !
ثم جاءت الظروف المستجدة والمتغيرة، بعد أن مشت مصر والدول العربية على طريق الإتصالات والمفاوضات مع إسرائيل، وأسقطنا من حساباتنا حقائق وثوابت، بل وزالت دواعي التحسب لتلك الثوابت في الفكر الصهيوني، وأوهمنا أنفسنا أننا نتعامل مع إسرائيل أخرى جديدة تبرأت من الحركة الصهيونية وأساطيرها وأحلامها.. ولكن مجموعات الحقائق والقيم والثوابت لم تكن قد تغيرت !! وهكذا كانت نزعات الوهم قادرة على ترحيل الحقائق إلى هامش الوعي، وهكذا كان التبسيط المخل للصراع العربي الإسرائيلي؟! وصحيح ـ ما يقال ـ بأن الذين لا يقرأون التاريخ، أو الذين لا يعرفون ما حدث قبل أن يولدوا، والذين يتساهلون بالرضا والقبول مع تزييف الحقائق أو السطو على سطور التاريخ، محكوم عليهم أن يظلوا أطفالا طول عمرهم، والأطفال لا يصنعون التاريخ، ولا يضيفون شيئا إلى مسار أحداثه، ولا يشاركون في صياغة مستقبلهم، وتظل خطيئتهم قائمة بأنهم لا يدركون مقاصد ما حدث بفعل الماضي، وربما لايفهمون ما يحدث بفعل الحاضر الراهن.. وبمقدار اليأس في مقولة الفيلسوف العظيم أفلاطون حين تنبه إلى مخاطر المستقبل : «أنتم أيها اليونانيون ستبقون دائما أطفالا».
ومن هنا تتداعى الأخطاء !!
مقدمة
أهمية التجارب في حياة الأمم، أن تعرف عند كل موضع من مواضع تاريخها، كيف وصلت إليه؟ ولماذا؟ وأن تعرف من أين هي قادمة، وإلى أين هي قاصدة ؟ وكيف وصلت بها الأحداث والحوادث إلى هذه الحال؟! ولكن .. مما يثير العجب أن أمتنا العربية لا تطرح هذه التساؤلات، ولا تريد أن تعرف كيف وصلت بها الأحوال إلى هذا المنعطف الذي سارت وتسير عليه الوقائع والأحداث !! وأتصور أن إعادة قراءة تسلسل النقاط التالية،قد يكون لازما للتوضيح، وبقدر ما هو ضروري للتذكر: 
1ـ القضية الفلسطينية بعدنكبة عام 1948 وحتى عام 1967 كانت القضية الأم..عنوان قصيدة عربية من نوع المعلقات، التي تربط بين أبياتها وحدة تناسق، حول الهدف، لتحرير أرض عربية مغتصبة.. وخلقت «القضية ..القصيدة » مناخا عاما يوحي بإنتظار«صلاح الدين».
 2  ـ ما بعد عام 1967 وحتى عام 1973 أصبحت القضية وأخواتها «الضفة الغربية ، وقطاع غزة ،وسيناء المصرية ،والجولان السورية » ، وحدة واحدة تدور حولها قرارات وتوصيات وشعارات عربية على وزن اللاءات الثلاثة في مواجهة العدو الأوحد ..وما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها ، ومع صعود نجم منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها وهدفها المحدد.
 3 ـ ما بعد عام 1973 أصبح الوجه الفلسطيني للقضية الفلسطينية هو الأكثر وضوحا.. وبقرار مؤتمر القمة العربي السابع في الرباط ، تم إعتماد منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، وإن كانت القضية لا تزال داخل الشارع العربي هي القضية المحورية..ثم هبت عواصف تلك المرحلة لتحجيم التطلعات العربية، وإنتقلت اللاءات العربية إلى الجانب الإسرائيلي.. وأصبحت الصورة داخل إطار ما أخذ بالقوة يسترد بمباحثات السلام، وتحددت حقوقنا داخل الأراضي العربية المحتلة بتاريخ ما بعد معركة 1967  فقط؟!
    4 ـ وفي حقبة الثمانينيات أصبحت القضية تعيش داخل الأراضي العربية المحتلة بمولد ثورة الإرادة الفلسطينية التي أطلقنا عليها توصيف «إنتفاضة».. وخارج حدود جغرافية الإنتفاضة، كانت مجمل الرهانات تؤكد «أنه لا توجد قوة على الأرض تستطيع أن توقف الإنتفاضة الفلسطينية ما لم يحصل الفلسطينيون على حقوقهم» حسب توقعات ويليام وولد غريف، وزير الدولة البريطاني للشئون الخارجية وقتئذ.
5 ـ وما بعد زلزال الخليج 1990 تغيرت وجوه رموز النضال الفلسطيني، وتحركت «وجوه إقتصادية وتجارية» من طائفة رجال الأعمال، تدير وبسرية مطلقة الخطوة الفلسطينية الأولى بالإتفاق على إعلان المبادئ مع الحكومة الإسرائيلية، ثم جاءت نصوص أوسلو تؤكد على قصور في إدارة عملية التفاوض بين رجال المال والأعمال الفلسطينيين، وبين سياسيين وجنرالات يمثلون دهاء الفكر الإسرائيلي !! وما بعد أوسلو أطلقنا العنان لأحلام وتخيلات السلام القادم، وقال البعض أن الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس أصبحت على مرمى البصر، وبعد أن فزنا برموز السيادة: من نشيد وطني، ومطار، ورئيس سلطة، وحتى طابع البريد، وطرح مناقصة لإختيار تصميم جواز السفر الفلسطيني!! وكانت الحقيقة على الأرض تقول شيئا آخر، وكشفت أرقام نشرة (Palestine Report) الصادرة في القدس، أن السلطات الإسرائيلية قد صادرت منذ إتفاق أوسلو في سبتمبر 1993 نحو 26382 فدانا ( أكثر من 105 ألاف دونم) من الأراضى الفلسطينية تحت ذريعة «مناطق عسكرية مغلقة»، و4295 فدانا (نحو 17180 دونم ) لتوسيع المستوطنات، و2984 فدانا (نحو 11936 دونم) لشق شوارع للمستوطنات، و2950 فدانا كمحميات طبيعية!! ثم جاء آريل شارون رئيسا للحكومة الإسرائيلية، وفي أول زيارة له إلى واشنطن ، قال للرئيس الأمريكي بوش الأبن ـ في صيف 2001 ـ  « دعني أتعامل مع هؤلاء العرب فأنا أعرفهم جيدا ، وأقصى ما يصدر عنهم جملة ردود فعل غاضبة ومؤقتة، والجبهات العربية كلها لن تفعل شيئا، وهي تعاني أزمة تصديق ،ولذلك فإن الفرصة متاحة لكل منا أن يفعل ما يشاء، وهي فرصة لن تتكرر!!» .. وكان ذلك بفعل تأثير واقع الحال العربي، ومع أول سابقة في التاريخ العربي الحديث بأن تتم محاصرة زعيم عربي (ياسر عرفات) داخل مقر إقامته، في رام الله، بالضفة الغربية، والحصار هنا، كلمة بمعنى الإعتقال، وحتى إستشهد الرجل، ولا تزال الجريمة داخل أسوار الغموض!!
6 ـ وفي يناير  2006 وصلت حماس إلى قمة السلطة بإنتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة، وقالوا لها ــ أقصد العرب ــ لا يجب إنكار ما هو قائم، وأن عليكم فتح الأبواب،ولو تقدمت إسرائيل خطوة أو أكثر، تقدموا أنتم خطوات وبإثبات النوايا الطيبة .. وقالت حماس أن المثل الفرنسي الشائع يقول أن لفظ «لو» يستطيع أن يجعل برج إيفل ينفذ من ثقب إبرة !! وأن حركة فتح قدمت تنازلات لا حصر لها ولم تحصل على شيء، لأن التصور الإسرائيلي ثابت وقائم على عدم  قبول دولة فلسطينية مستقلة على أي بقعة من أرض فلسطين، وأقصى ما يمكن الوصول إليه سياسيا في الضفة الغربية وغزة هو نوع من الإدارة الذاتية، وليس هناك ما يمنع الضم الكامل إلى إسرائيل غير الرغبة في الإحتفاظ بالنقاء اليهودي لدولة إسرائيل.. ثم تداعت أحداث الإقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني ، وإنشطار المواقف والجغرافية المحتلة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بين السلطة الفلسطينية في (رام الله )، وبين سلطة حركة حماس في (قطاع غزة) .. ثم طرحت تساؤلات تدفع أمامها بالشكوك حول موقف ودور حركة حماس داخل المشهد الفلسطيني؟!
وبإيجاز  ـ وأرجو ألا يكون تبسيطا مخلا للحقائق ـ فإن تلك السنوات ومنذ بداية الخطوات المتعثرة على طريق المفاوضات بحثا عن إمكانية إحلال السلام القائم نسبيا على العدل المتاح، إزدحمت بحركة الإتصالات وتراجعاتها، والمساعي وفشلها، وعقد اللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف، تستهلك الوقت دون نتيجة، وطرح المبادرات وتجميدها، ثم تجرى محاولات ضخ الدماء في بعض بنودها.. وليس أمامنا إلا المفاوضات، ومزيد من المفاوضات، فإذا لم تنجح محاولة، رحنا بعدها نحاول ثانية وثالثة، وهكذا إلى الأبد، وطالما إعترفنا بأن خيار الحرب مستبعد من الإستراتيجية العربية !! وفي المقابل كان هناك تصور إستراتيجي آخر، تتواصل عملية ترتيبه على مراحل تتفاعل مع متغيرات الظروف، ويرتبط بتطلعات تفتحت شهيتها لتهويد القدس على أنقاض الأقصى الشريف، وطالما أن الأمة العربية منقسمة بالفكر والفعل على نفسها، وفي حالة أسوأ من حالة الغياب، وكل طرف عربي يهتم بنفسه !!
ويبدو أن الأزمنة الحرجة والخطرة غائبة عن بال الأمة.. وأخشى أن نكون مقبلين على المشهد الأخير في المؤامرة الكبرى، وإذا كان الأثريون العرب قد حذروا من أن إنهيار المسجد الأقصى أصبح وشيكا بفعل شبكة الأنفاق الأرضية أسفل المسجد.. فإنني لا أتصور أننا غير قادرين على فهم ما يجري من خطوات تقود إلى النهايات المقدرة لها : تهويد (كامل) القدس.. وإنهيار المسجد الأقصى !! ولكن «الأزمة الحقيقية» :  إذا  فهمنا، فإننا لانصدق ما يجري، وإذا صدقنا نخاف مما صدقناه ونهرب منه، وكأنه نوازل القدر، يتحسب الناس وقوعها ولا يملكون ردها !!
%d مدونون معجبون بهذه: