الكاتب التونسى عبد الحميد الرياحي يكتب عزوف المواطن.. رسالة إلى كل السياسيين

0 19

جرت الأحد الماضي، الانتخابات البلدية في أجواء فاترة وباردة لم تحركها إلا بعض أحداث العنف والفوضى التي شهدتها بعض المراكز في بعض المناطق. هذه الانتخابات التي كان يراهن عليها لتكون عرسا للديمقراطية المباشرة ومناسبة يمارس فيها المواطن حقّه في الانتخاب وتصعيد من يراه ملائما للمجالس البلدية الجديدة لم ترتق نسب المشاركة فيها إلى المعدلات المعقولة والمقبولة.. ولم تؤشر إلى اهتمام المواطن وانخراطه في الشأن العام وفي مسألة جوهرية ومحدّدة لتفاصيل حياته اليومية مثل المجالس البلدية.. وهذه رسالة مضمونة الوصول إلى الطبقة السياسية عموما سبق أن توجه بها الأمنيون والعسكريون قبل أسبوع.
رسالة تقول إن المواطن في واد والسياسيين في واد آخر وهي رسالة لا بد من التوقف عندها ومحاولة فك شفرتها. لماذا توقفت نسب المشاركة عند ذلك المستوى المتدني؟ ولماذا لاذ التونسيون بالعزوف وكأن الشأن البلدي ومن ورائه الشأن العام لا يعنيهم؟
في الواقع لا أحد يملك أجوبة كاملة ومقنعة عن تفاصيل الرسالة التي وجهها التونسيون والتونسيات إلى الطبقة السياسية من خلال سلوكهم الانتخابي.. ومن خلال عزوفهم عن المشاركة في محطة بهذه الأهمية في سياق ترسيخ مسار ديمقراطي مازال يخطو خطواتهالأولى ويبحث عن محطات شبيهة ليزداد تجذرا على أرض الواقع.. لكن هذا السلوك الانتخابي يشي بالعديد من المعطيات والمفاتيح المساعدة على إيجاد تفسير لهذا العزوف. لعل أول هذه المعطيات يتمثل في حالة القطيعة بين المواطن والطبقة السياسية التي بقيت في برجها العاجي ولم تنجح ببرامجها وبرؤاها وبخطبائها في استقطاب المواطن. هذه الطبقة ركّزت على الأضواء وعلى المنابر ولم تنزل إلى الميدان لتلتحم بشؤون الناس وبشجونهم وبآمالهم وانتظاراتهم بحيث تحولهم إلى مخزون انتخابي يمكن استنهاضه في مثل هذه المحطات.
بالنتيجة أثبتت هذه المحطة الانتخابية حقيقة القطيعة بين السياسيين والمواطنين. وكشفت ان المواطن الغارق في الفقر والتهميش والمكتوي بنيران الأسعار، والمتخبط في الاحباط واليأس والتشاؤم، والمتخوف من المستقبل والذي فقد الثقة في امكانية تحسن أوضاعه على أيدي هذه الطبقة السياسية قد تحيّن الفرصة لمعاقبتها ليجد في هذه المحطة الانتخابية التي جرى حولها لغط كثير مناسبة ملائمة ليستعيد فيها زمام أموره ويعبّر عن موقفه من خلال امتناعه عن التصويت.. وليعزف على أسماع السياسيين جميعا معزوفة العزوف ويعلن لهم أنهم لا يمثلون تقريبا إلا أنفسهم ولا ينطقون إلا باسم مصالحهم الحزبية وألوانهم السياسية التي تبقى بعيدة كل البعد عن انتظارات الناس وحاجتهم للأمن وللاستقرار ولمقومات العيش الكريم بعيدا عن بهلوانيات السياسيين وتكالبهم على ركوب أحلامه وطموحاته. لقد أمعن السياسيون في تهميش دور المواطن وفي تجاهله وتجاهل أحلامه الصغيرة وهم اليوم يتلقون صفعة مدوية ورسالة من خلال احجام المواطن عن التصويت.
 وهي رسالة مفتوحة على سيناريوهات ومعطيات خطيرة ما لم ينزل الجميع من عليائهم ويلامسوا بحق نبض المواطن ويتعرفوا على حقيقة آلامه وأوجاعه. تلك هي أهم مضامين رسالة العزوف، فهل تجد من يدرسها ويجد لها الأجوبة الشافية قبل فوات الأوان.
+++++++++++++++++
رئيس تحرير صحيفة الشروق التونسية

%d مدونون معجبون بهذه: