حسام إبراهيم يكتب: مصر "باليوناني" !!

0 59

 
الثقافة رؤية  في الحياة و فعاليات أسبوع الجاليات اليونانية والقبرصية ” احياء الجذور” التي تشهدها الأسكندرية حاليا تجسد أهمية ومعنى الثقافة كرافد ومدد للتعاون بينمصر واليونان وقبرص والتفاعل الحضاري البناء بين الشعوب.
 الرئيس عبد الفتاح السيسي افتتح فعاليات أسبوع احياء الجذور مع الرئيس اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس والرئيس القبرصي نيكوس اناستاسيادس في مبادرة غير مسبوقة وتعبر عن ادراك اصيل لأهمية العلاقات التاريخية والروابط الثقافية والحضارية بين المصريين واليونانيين والقبارصة وهاهو ينوه بالهجرات اليونانية والقبرصية الحديثة الى مصر اعتبارا من نهايات القرن الثامن عشر والتي أسهمت في اثراء تعددية المجتمع المصري حيث شارك اليونانيون والقبارصة الى جانب إخوانهم المصريين في احداث نهضة تجارية وثقافية وفنية وعملوا في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية.
  والثقافة اليونانية التي تشكل مكونا اصيلا في قبرص حاضرة ايضا بقوة في الثغر السكندري الذي يجسد اروع نماذج التفاعل الثقافي والحوار الحضاري بين شعبين صديقين على ضفتي البحر المتوسط فيما كان الاغريق قد تلقوا الحكمة المصرية القديمة عبر هذا البحر العظيم الذي وصفه سفير قبرص لدى مصر خاريس موريتسيس بأنه “البحر الذي تحدث به أشياء عظيمة”.
والثغر السكندري المصري على البحر المتوسط مازال يلهم المبدعين في الغرب ويزين عناوين الكتب  ومن بينها مجموعة شعرية اختار مؤلفها البريطاني ان يستلهم مددا من روح عاشق يوناني لتلك المدينة المصرية ذات الطابع العالمي وهو الشاعر اليوناني الراحل قسطنطين كفافي..والأسكندرية في الثقافة البحر متوسطية هي “المدينة الرمز والمجاز ومعصرة الحب الكبيرة التى عاشت وتعايشت فيها كل الأجناس والأعراق والملل والنحل” ومهد شعراء خطوا اسماءهم فى تاريخ الشعر العالمى مثل قسطنطين كفافي.
وكفافي الذي ولد عام 1863 وقضي في عام 1933هو بحق احد البنائين العظام لصورة الاسكندرية في المخيال الثقافي العالمي وهو المثقف الكبير الذي يعبر بدقة عن مدى التواشج بين الأسكندرية واثينا..ومن ثم  فان القاص والشاعر البريطاني لويس دي بيرنيريه- الذي يوحي اسمه كما لو كان من اصل فرنسي-قد اختار لكتابه الذي صدر بالانجليزية عنوان:”مخيال الاسكندرية..قصائد لذكرى كفافي”.
ولويس دي بيرنيريه حريص دوما على ان يعرف نفسه بأنه “شاعر قبل وبعد كونه قاصا” موضحا ان الشعر كان منبع الهامه الروائي ومحركه في مسيرة الحكي وتعد مجموعته الشعرية اول ديوان ينشره وقد نذره لتكريم قسطنطين كفافي ذلك الشاعر اليوناني الذي  عاش في الاسكندرية واقترن بها اغلب سنوات العمر واحتواه ثراها ..وفي صحيفة الأوبزرفر البريطانية قالت الناقدة كاتي كيلاواي ان لويس دي بيرنيريه يبدو مفتونا بالشاعر الذي كان مفتونا بدوره بالاسكندرية ليخرج القاريء في نهاية المطاف راضيا مرضيا وتلك سمة الابداع الحق فكثير ممن ندبوا انفسهم للكتابة يكتبون لكن ماالذي يبقى مما كتبوه في قلب القاريء وعقله؟!.
والحب حاضر في قلب قصة الابداع كما هو ظاهر في اهداء لويس دي بيرنيريه لمجموعته الشعرية للشاعر الراحل قسطنطين كفافي والحب حاضر ايضا في مجموعة “مخيال الاسكندرية” ..وفي الاسكندرية التقى كفافي بمثقفين وادباء كبار قدر لهم ان يتركوا بصمات عميقة في الأدب على مستوى العالم ومن بينهم اي.ام.فورستر صاحب الرواية الشهيرة “الطريق الى الهند” فيما يعيد اسم كفافي للأذهان أسماء أخرى لشعراء يونانين كبار من أصحاب التأثير الإبداعي في الذائقة الشعرية للمصريين والعرب والعالم ككل ومن بينهم الشاعر يانيس ريتسوس.
وتحت عنوان :”بطلى”-قال الشاعر دافيد هارسنت فى صحيفة الجارديان البريطانية ان القول بأن يانيس ريتسوس كان خصب القريحة وغزير الانتاج قد يكون مجرد تسطيح لحقيقة هذا الشاعر بقدر مايبخسه قيمته ..واوضح هارسنت الذى قام بترجمة بعض اعمال هذا الشاعر اليونانى الكبير للانجليزية ان حياة يانيس ريتسوس التى انتجت مايربو على الخمسة الاف ورقة جديرة بنظرة اكثر عمقا منوها بأن الشاعر الراحل نشر فى اعوام 1972 و1974 و1975  سبع مجموعات شعرية فيما شهدت اعوام تالية المزيد من العطاء المدهش لهذا المبدع الفذ.
وفيما يبدو  الشاعر الانجليزى دافيد هارسنت متيما بابداعات هذا الشاعر اليونانى الكبير فان ليانيس ريتسوس ايضا قصته مع شعراء ومثقفين مصريين وعربوقام الشاعر الكبير السورى الأصل  على احمد سعيد “ادونيس” بترجمة بعض قصائد يانيس ريتسوس للعربية وكذلك الشاعر العراقى سعدى يوسف الذى صدر له ديوان مترجم لريتسوس بعنوان :”ايماءات”..ولئن قال عنه سلفه الأديب اليونانى العظيم كوستيز بالماس :”اننا نتنحى جانبا لتمر انت ايها الشاعر” فقد تناول الناقد فخري صالح فى كتاب صدر فى بيروت بعنوان “شعرية التفاصيل” تأثير ريتسوس فى الشعر العربى المعاصر معتبرا ان “هذا التأثير قد اصبح كبيرا الى الحد الذى يمكن ان نتحدث فيه بيقين تام عن ولادة نسل لريتسوس فى الشعر العربى المعاصر”.
ويوما ما وصف الشاعر الفرنسى الخالد لويس اراجون هذا الشاعر اليونانى بأنه “اعظم شاعر فى عصرنا” وهو عصر حفل بشعراء فى قامة عزرا باوند وناظم حكمت وبول ايلوار فيما اهدى ريتسوس كتابه “القديس الأسمر” الى المناضل الافريقى وشهيد الحرية فى الكونغو بياتريس لومومبا كما التقى عام 1962 فى براغ بالشاعر التركى الكبير ناظم حكمت الذي كان من مقاومي الاستبدادو قام الملحن اليونانى الشهير ميكيس ثيودراكيس بتلحين قصيدته “عرفت النور” فى عام 1961.
ويانيس ريتسوس صاحب كتاب “سهر” الذي ولد عام 1909 فى بلدة مونيفماسيا الصغيرة بمقاطعة البيلوبونيز جنوبى اليونان وقضى عام 1990 فى العاصمة اثينا وصفه الشاعر الفرنسى الكبير لويس اراجون بأنه “انتفاضة جديدة فى شعر الحداثة”..وبين الشعراء والمترجمين فى الغرب والمترجمين فى الشرق-يبقى يانيس ريتسوس متوهجا فى ذاكرة الثقافة البحر متوسطية باعتباره المثقف الكبير ونموذج الشاعر الذى يؤمن بقدرة الشعر على تغيير العالم.
والثغر السكندري المصري الذي يشهد الآن فعاليات “أسبوع احياء الجذور” يشكل دوما علامة ثقافية وحضارية على الذوق المصري الرفيع والانفتاح الراقي على العالم الخارجي والتفاعل البناء بين الشعوب على ضفتي البحر المتوسط فيما كان الاغريق قد تلقوا الحكمة المصرية القديمة عبر هذا البحر العظيم ..وكثيرا ماتستعيد طروحات ثقافية وابداعات  صور الأسكندرية القديمة واحيائها العريقة مثل “محرم بك والجمرك ومينا البصل والحضرة واللبان” معيدة للأذهان تراكمها الحضاري وعمقها الثقافي مابين حقب وعصور هيلينية ورومانية وقبطية واسلامية ناهيك عن عن الطابع الكوني “الكوزموبوليتاني” للثغر المصري الجميل.
وفي كتاب “كتب وناس” للأديب الراحل خيري شلبي اشارات دالة في سياق ثقافة المكان وتناوله لحي “الأزاريطة” وهو من اشهر احياء كورنيش الأسكندرية ويكاد خيري شلبي يتوحد عشقا لهذا الحي فيما يتحدث أيضا عن  “المقاهي البلدية في الشارع الرئيسي الموازي لشارع الترام” ومحلات البقالة بطرازها اليوناني حيث يبدو “المحل كالصيدلية من فرط النظافة والاتساق” على حد وصفه.
والأسكندرية تقد تختلف صورتها بين الأدباء الذين ذابوا عشقا في هواها ومن هنا “فاسكندرية محمد جبريل” تختلف عن “اسكندرية ادوار الخراط” الذي هام في “ترابها الزعفران” ناهيك عن بريطاني مثل لورنس داريل…
ومن الطريف هذا الرأي لكاتب يوناني ولد في الأسكندرية بشأن البريطانى لورانس داريل صاحب “رباعية الأسكندرية” والذى يوصف “بعوليس العصر الحديث” وهو العمل الروائى الكبير الذى ظهر اول مرة بالانجليزية والفرنسية فى نهاية الخمسينيات وبدايات الستينيات من القرن العشرين كما ترجم للعربية ..فهارى تزالاس الكاتب اليونانى الذى ولد فى الاسكندرية وعاش بها حتى العشرين من عمره ذهب الى انه لم يشعر بأى حماسة عندما قرأ رباعية لورانس داريل متسائلا ان كان سبب ذلك انه “اسكندرانى اصيل” وكأنه يتهم داريل بتبنى رؤية استشراقية للمدينة يصعب ان يستسيغها مثله كابن اصيل للمدينة.
ومن اشهر ترجمات رباعية الأسكندرية للعربية تلك الترجمة التى انجزها الكاتب والمترجم المصرى فخرى لبيب فيما يرى الناقد سام جورديسون بصحيفة الجارديان انه يصعب العثور فى خمسينيات القرن العشرين على عمل روائى يناقش بكل هذه الرحابة قضية الحب وعلاقاتها المتشابكة بالسياسة والخيانة واحوال القلب وتقلباته مثلما فعل الروائي الراحل لورانس داريل فى رباعيته..  وولد لورانس جورج داريل عام 1912 وتوفى عام 1990 ومع ان ابداعاته تعددت كروائى وشاعر وكاتب لأدب الرحلات فان شهرته ذاعت بفضل رباعية الأسكندرية على وجه التحديد.
وفى احدى قصصه عن الأسكندرية-يتحدث الكاتب اليوناني هارى تزالاس عن تجربة عاشها فى المدينة “عندما ذهب مع ابن بواب العمارة للاستماع الى خطبة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فى ميدان المنشية والتى اعلن فيها تأميم قناة السويس” وهى قصة تعبر عن رؤية للمدينة مغايرة تماما لرؤية لورانس داريل عن “مدينة الذاكرة المحببة”..والذاكرة الوطنية المصرية لن تنسى الدور الإيجابي للمرشدين الملاحيين اليونانيين والقبارصة عقب تأميم قناة السويس عام 1956 في سياق التآلف الشعبي النادر بين المصريين واليونانيين والقبارصة ودعم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لكفاح الأسقف مكاريوس من اجل وحدة واستقلال قبرص فيما تبقى الأسكندرية الجسر العظيم الذي عبرت عليه ثقافة العالم القديم كمزيج رائع من الثقافتين اليونانية والمصرية القديمة.
ومن الطبيعي ان تكون هذه الروابط الوثيقة بين الثقافتين المصرية واليونانية حافزا لتعزيز العلاقات في كل المجالات ومن بينها التعاون الاقتصادي المشترك وان تشهد التبادلات التجارية تطورا ملحوظا وتتوالى المبادرات الإيجابية على هذا الصعيد كما يتجلى في “منتدى الأعمال المصري-اليوناني-القبرصي” الذي افتتحه المهندس طارق قابيل وزير التجارة والصناعة بالأسكندرية بالتزامن مع فعاليات أسبوع احياء الجذور. 
واذا كان الفنان المصري الكبير عمر خيرت قد اعاد الروح للموسيقى التصويرية في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية المصرية فانه يقر بالفضل لرواد في هذا المجال الابداعي مثل اندريا رايدر الذي قضي منذ اكثر من 47 عاما واسهمت ابداعاته الموسيقية في افلام من اهم واشهر كلاسيكيات السينما المصرية في تشكيل وجدان اجيال تلو اجيال من المصريين والعرب عموما.
ولئن كان اندريا رايدر قد ولد في اليونان يوم العاشر من اغسطس عام 1908 فانه اغلب سنوات عمره في مصر وحصل على جنسيتها فيما حظى بتكريم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي منحه وسام الاستحقاق في الفنون.
واندريا رايدر الذي اختير كأفضل مؤلف موسيقي في الاحتفال بالذكرى المئوية الأولى للسينما المصرية وضع الموسيقى التصويرية  ل 55 فيلما روائيا مصريا من بينها “دعاء الكروان” و “المراهقات” و “الباب المفتوح” و”غروب وشروق” و كما انه المؤلف الموسيقي للأغنية الدينية الشهيرة :”هايم في حب الله” التي انشدها المطرب الشيخ محمد الطناني.
وفيما تبقى العلاقة بين المصريين والقبارصة واليونانيين علاقة دالة على معنى التفاعل الثقافي والحضاري البناء عبر الزمان والمكان تصف الدكتورة عبير قاسم أستاذة الآثار اليونانية والرومانية بكلية الآداب في جامعة دمنهور المكان الذي يقف فيه تمثال الأسكندرعند بداية الشارع المؤدي لطريق الحرية بمدينة الأسكندرية  “بالمكان العبقري” في المدينة التي ارسى الأسكندر الأكبر دعائمها الأولى عام 332 قبل الميلاد.
وهذا التمثال المصنوع من البرونز للأسكندر الأكبر ممتطيا جواده هدية قدمتها اليونان للأسكندرية عام 2000 وقد تبرع بثمن هذا العمل الفني الرلتصبح اطلالة مصر على شاطيء المتوسط ونقطة التقاء الحضارات وحاضنة الثقافات والتراثائع بعض اليونانيين الذين كانوا يعيشون في الأسكندرية تعبيرا عن حبهم للمدينة التي احتضنتهم سنوات طويلة.
انها الأسكندرية “المدينة العريقة  ونقطة التقاء الحضارات وحاضنة الثقافات والتراث التي تحتل مكانة خاصة في قلوب المصريين وأبناء منطقة البحر المتوسط” كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي وهو يفتتح فعاليات أسبوع احياء الجذور مؤكدا على انها مازالت تمثل تجسيدا لقيم التسامح والتعايش المشترك والتواصل الإنساني..فمرحبا باخوة واصدقاء اعزاء في أسبوع احياء الجذور بالأسكندرية موطن الأحلام وموكب الأفراح ومشع الضياء وقناديل الأماني ودرب الرجاء على طريق المستقبل المشرق .
 

%d مدونون معجبون بهذه: