فتحي خطاب يكتب رواية «عبثية» .. «عرب الصحراء» يصفقون للعدوان الثلاثي على سوريا !؟!

0 19

العدوان الثلاثي الغاشم على سوريا، فجر يوم الجمعة،  أعاد للذاكرة العربية العدوان الثلاثي الغاشم على مصر، 2 أكتوبر 1956 .. وحين  قصفت طائرات العدوان الثلاثي محطات الإرسال الإذاعي المصري في ( أبي زعبل)، فتوقفت الإذاعة المصرية عن الإرسال، قبل أن يلقي الرئيس جمال عبد الناصر خطبته من فوق منبر الجامع الأزهر، مما حرم الشعب السوري من متابعة أحداث المعركة ، وفي لحظة اقتحم المذيع السوري ،الهادي البكار، أحد استوديوهات الإذاعة السورية، دون استئذان أحد من كبار المسؤولين ولا وزير الإعلام، لأنه يقوم بدوره المفروض عليه تجاه مصر،  ويطلق لصوته العنان صارخاً من شدة اللوعة  «هنا القاهرة من دمشق.. هنا مصر من سورية.. لبيك لبيك يا مصر».. وهكذا تحوّلت الإذاعة السورية إلى إذاعة مصرية خلال أيام العدوان الثلاثي .. بالطبع لم تجرؤ أي دولة عربية أخرى، على تحدي بريطانيا العظمى وفرنسا، وتعلن صوت مصر من أذاعاتها .. لم ولن يحدث هذا إلا في سوريا.
وما حدث أثناء العدوان الثلاثي على مصر قبل نصف قرن ، ويزيد قليلا، أعاد  للذاكرة المصرية،  نشيد الفرعون‏(‏ اخناتون‏)‏ للاله‏(‏ آتون‏) .. ويقول قبل نحو  3370  عاما بالتمام والكمال : ‏ في بلاد سوريا،‏ وفي أرض مصر‏،‏ تضع أيها الاله آتون‏، كل شيء في مكانه‏..‏  وبارادتك أيها الاله آتون‏،‏ خلقت الارض والانسان والحيوان وجميع المخلوقات، وخلقت أرض سوريا، كما خلقت أرض مصر‏..‏ فانعم علي سوريا بمثل ما أنعمت علي مصر» .. وكان الفرعون اخناتون« امنحوتب الرابع» أول من نادى بالتوحيد في العالم ، يملك حنينا خاصا لسوريا، فقد كانت والدته « شامية فينيقة سورية» .. وأعتقد أن فرعون مصر  كان يستذكر، حقيقة أن وحده سياسيه دستوريه كامله، في زمن ما قبل التاريخ،  كانت تضم البلاد الفرعونيه المصريه والبلاد الفينيقيه الشاميه السورية ..
وعلى مسيرة التاريخ المصري ، تواصلت حلقات  «الربط» بين ضلعي الزاوية  في المنطقة (مصر جنوبا ، وسوريا شمالا) وتجددت روابط الوحدة منذ نحو 4000 عام قبل الميلاد، وصولا إلى العهد الفاطمي، وعهد صلاح الدين الأيوبي‏،  وهو ما أدركه أيضا ممليك مصر العظام ، قطز وبيبرس ، وصولا إلى مؤسس مصر الحديثة ، محمد علي باشا .. ثم جمال عبد الناصر..وكانت الرؤية باتجاه أحكام التاريخ والجغرافية  بين مصر (الإقليم الجنوبي)،   وسوريا ( الإقليم الشمالي) .. سوريا التي واجهت عدوانا ثلاثيا «وقحا » لم تباركه صراحة وعلانية،وفي بيانات رسمية، سوى: إسرائيل، ومجلس التعاون الخليجي وتركيا ..الرسالة واضحة والحقيقة عارية لا تسترها حتى ورقة توت.. لم يستح «عرب الصحراء» من عروبتهم!!                                                                                           
قبل العدوان الثلاثي على سوريا بنحو 48 ساعة فقط،  وحين سألت الصحفي البريطاني، جيمس وولتر، وهو من المقربين من دائرة صنع القرار في لندن: هل ينفذ الرئيس الأمريكي «ترامب» تهديداته بقصف سوريا ، في عملية موسعة بمشاركة الحلفاء بريطانيا وفرنسا؟!كانت اجابته «صدمة» وإن كانت «متوقعة» : القرار ليس بنفس السهولة، فهناك تقديرات حسابات لدينا، ولكن يجب أن تعلم أننا نواجه ضغوطا من دول خليجية، ثلاث دول تحديدا، (ذكرهم بالاسم ولكننا نتحفظ على الأسماء لدواعي عديدة) وعقد مسؤولون منهم لقاءات في العواصم الثلاث ، واشنطن وباريس ولندن ، للتحفيز على تنفيذ قرار ضرب سوريا، لإسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
 واتفقا على القول ـ  بحسب معلومات الصحفي البريطاني المطلع ـ «إن بشار لو خرج منتصرا كما هو واضح من المؤشرات على الأرض، فإننا لا نستطيع مواجهته، ومواجهة طلباته،على الأقل أن يفرض علينا عنوة تحمل تكاليف إعادة إعمار سوريا..ولو خرج منتصرا فإن المعادلات سوف تختل في المنطقة، ويعيد ترتيب الأوراق هو ومن معه وبالتحديد إيران وحزب الله.. «خلصونا من الأسد ونحن نتحمل كافة التكاليف».. كان الحاحهم مبالغا فيه لدرجة رغبتهم في معرفة توقيت الضربة العسكرية الموجهة لسوريا!! وعلمت أن احدهم، وهو الأمير ( …) قال : «إن الأسلحة الكيماوية فرصة لا تعوض، لا تتركوها تفلت من أإياديكم، كما «أنقذتمونا»  As you saved usمن شرور صدام حسين بسبب أسلحة الدمار الشامل»!!
انتهت كلمات الصحفي البريطاني، جيمس وولتر.
وهذه قصة نعرف بدايتها ، ولكن لا نعرف نهايتها .. أو لا نعرف لها نهاية ، رغم أننا نعلم  أن أحداث القصة تواصلت ، وتسلسلت فصولها، منذ أكثر من أربعة عقود ونصف تقريبا .. فهي من الروايات العبثية ، حيث اللامعقول فيها تجاوز كثيرا اللامقبول ، وفيها أيضا من المجهول أكثر من المعلوم .. وقد تكون تفاصيل القصة أقرب إلى المآسي الأغريقية، التي  قيل عنها  أنها أقدارا نهائية لا ترد !! حيث يسبح العرب مع التيار المتربص بمصير ومستقبل  منطقة الإقليم العربي.. وعموما لا يسبح مع التيار سوى «السمك الميت» !!
هي قصة تجنح إلى السريالية أوالغرائبية، حين نجد (حفل زار)  داخل حقل ألغام .. وبرغم كل المحاذير، وعلامات التنبيه «أحذر .. منطقة ألغام خطرة»، ولا أحد يلتفت، أو يهتم، أو حتى يقف  ليرى ويتحسب للمخاطر ، وكأنها خارج مرمى البصر.. ويقال إن ما حدث ويحدث، ربما كان بتأثير واقع الحال، وربما ساعدت عليه عوامل إضافية !!
والغريب ــ حقا ــ  أن أحداث  هذه القصة أو الرواية، لم تتغير منذ سنوات طويلة، وبالتحديد منذ العالم 1974 ، ولم يتغير المسرح بالطبع، ولم يتغير الديكور، ولم يتغير الموضوع ولا النص، وفي معظم الأحيان ولا الممثلين ، داخل ساحة شائكة محفوفة في كل جوانبها بنوع من ذلك «العبث الدموي» وفوضى سياسية غير محكومة وغير منضبطة، وفراغ سلطة مخيف، وفراغ قوة خطير.. والنتيجة «المرتقبة» : أزمة عاجلة تحوم حول العالم العربي، وهذه الأزمة نجد عواصفها تتجمع الآن، وإن كان موعد هبوبها لن يتأخر كثيرا !!
ولا أحد ينكر ــ ولا يحق له أن ينكر ــ  أن الساحة العربية مستباحة، وأن العالم الغربي يتدخل، ومن لا يتدخل بشكل سافر، فإنه يتربص  بنا ، ونجد أصحاب الساحة ــ وبكل أسف ــ  لا يمدون البصر إلى ما وراء الصورة  ليعرفوا أنه صراع على مستقبل أمة بأسرها، بل إنخرطت دول كان يطلق عليها الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر ( نخلتين وخيمة) ويطلق عليها حاليا (محطات بنزين على شاطىء الخليج)  وتورطت إلى تلك الدرجة من الرقص مع الذئاب المتربصة، فوق منطقة أصبحت أشبه بحقل ألغام ، ومن اليمن جنوبا، إلى سوريا شمالا ، ومن العراق في الشرق ، إلى ليبيا في الغرب !
ويبقى «حفل الزار» العربي، فوق الساحة السورية، صورة عربية  «مجنونة» ، رغم أنني على يقين بأن «هؤلاء العرب» وكلاء حرب ودمار لإلحاق مصير سوريا بالعراق .. وهم منساقون، أو مكلفون  بإقامة «حفل الزار» وتحمل تكاليفه .. أما قضية فلسطين ، فسوف تصفى ويلقى بها على الرصيف المجاور لحائط المسجد الأقصى !!
وكان واضحا ومؤلما ، الإلتزام العربي بتعليمات أمريكية ــ غربية ،  لا ترد ،  وكان تنفيذ الأوامر والتعليمات، «فجا» في العراق .. و «وقحا» في سوريا .. و«موجعا» في ليبيا .. وأشد مكرا وخبثا في اليمن .. وكانت دول عربية خليجية ــ بعينها ــ تتصور أن هناك عهودا بينها وبين الأصدقاء في الغرب ، حين كانت إيران ــ مثلا ــ تضرب بغداد في العام 1981 بصواريخ وصلتها من دولة عربية .. وكانت أمريكا تضرب بغداد في العام 2003 بصواريخ من قواعد في دول عربية ..  والصورة تكررت في ليبيا، بشكل أو بآخر، حين منحت جامعة الدول العربية ، وبتأثير وضغط دول خليجية،  الرخصة لقوات «الناتو» بالتدخل  في الثورة على نظام القذافي، ثم  تقسيم الغنائم !!
وهكذا .. سباق مفتوح بالتتابع بين الدول العربية، يغذي أعمدة النيران المتصاعدة  في سوريا، وليبيا، ومرورا باليمن، ومن بين الدول العربية أيضا ، من يغذي  فلول الإرهابيين في سيناء ، ومنهم من يدفع باستحكام الفتن المذهبية بين سنة وشيعة، بل ويشعل النار فيها،  وكأن ستارا من الغباء ينزل على الأمة العربية، وقد بدت وسط قفص حديدي، وكأنها ترقص على البارود .. وهناك من يرى أننا في حالة عدم اتزان، ولذلك أقمنا حفلات زار وسط النار، وفي هذه الحفلات  الكل يصرخ، والكل يدور ويلف في مكانه، والكل يترنح،  والكل يدق على الدفوف ، وتتصاعد من كل مكان رائحة شواء لحم عربي !!
وفي وسط هذه الأحوال كلها ، وكلها واصلة إلى الذروة،  فإن العرب الذين يرقصون مع «الذئاب الكبرى» رقصة التدمير والقتل ، داخل الساحة العربية، لم يتعلموا لا في الماضي، ولا في الحاضر، أنه ليست هناك عهود  للدول الكبرى، كلهم سوف يتنكر لأي عهد عند أول منحنى على الطريق إذا دعته مصالحه، وقد يكون التنكر للعهود فجا جلفا ، فليس لديهم وقت لأي «تزويق» يغطي المستضعفين !! 
وبقي أمامنا تساؤل يثير التأمل : أليس غريبا أن النظام العربي المتمثل في الجامعة العربية، قام على ثلاث دول رئيسية، هي: العراق ومصر وسوريا، ولقد جرى تدمير  العراق، أما سوريا فهي مستنقع دم، ولم يبق إلا مصر في هذه الأحوال الاقتصادية التي نراها، وإذا استطاعت أن تجد طريقا للخروج فهناك أمل.
مصر مطالبة الآن ، بأن تلملم نفسها ، وتجمع أطرافها، وأن تستجمع قواها ، وتصدر فتوى بعدم شرعية «حفل الزار» العربي .. يجب على مصر أن تفعل شيئا في العام  2018 ، عام المصير، وإلا فإني أخشى أن يعم الطوفان، وتنفجر الألغام في «حفل الزار» ومن يجاوره على امتداد الخريطة العربية ، طولا وعرضا !!
 
 
 
 
 
 

%d مدونون معجبون بهذه: