سفير د. نعمان جلال يكتب ل مصر المحروسة .نت : تأملات دبلوماسي من واقع الخبرة العملية1

حكاية وزير الخارجية الذى رفض تعيين دبلوماسى فى منصب مهم لانه يصلى ولا يعرف فى الحق لومة لائم قائلا : ازوجه ابنتى لكن لا يصلح ان يكون سفيرا

0 11

 
يعيش الدبلوماسي حياة اقرب الي الترحال او القبائل البدوية  حيث يتنقل بين دول العالم وقاراته ويختلط بالمجتمع الذي يعيش فيه او ينعزل عنه والحالة الاولي تكسبة معرفة وحكمة وعلما وتجعله ينقل لوطنه وقيادته وشعبه حصيلة خبرات وتجارب الدول الاخريأما إذا انعزل الدبلوماسي عن المجتمع الموفد إليه وعاش مع زملائه من المصرييين أو العرب أو الافارقة  فقط فان خبرته لن تكون وافية ومعرفته تكون قاصرة وعلمه وفائدة المجتمع الذي أوفده والقيادة التي أعطته أوراق الاعتماد والشعب الذي ينفق عليه  يكون انفاقه هباء. ويتحول الدبلوماسي إلي مجرد موظف أو عامل يسافر للخارج ليكتسب رزقا يساعده في الانفاق علي أسرته .ولكن هذا ليس دبلوماسي مطلقا لان أول مباديء العمل الدبلومسي أن يتقن أمرين الاول  المجتمع الذي ارسله وتقاليده وثقافته وحضارته و الثاني المجتمع الذي يعتمد لديه ويوفد إليه حضارة وثقافة وتقاليدا ويتحول الدبلوماسي إلي شخص هامشي يعيش في الغربة أو العزلة والبعض يقول إنه زهد من هذه الحياة المملة .وحقيقة الامر أن حياة الدبلوماسي الحقيقة هي غير مملة لان اعبائه كثيرة واهتماماته متنوعة ونشاطه الاجتماعي مكثف إذا ذهب لحفلات العيد القومي أو أقام هو حفلات اجتماعية واحي ذكري العيد الوطني لبلاده. دون تردد مهما كلفه الامر من أعباء
ولذلك قال خبراء الدبلوماسية في القرن الثامن عشر إن الدبلوماسي إما أن يكون غنيا أو يتزوج سيدة غنية حتي يتسني له الانفاق علي الاعباء الدبلوماسية . كما قال عنه بعض الخبراء في الدبلوماسية إن الدبلوماسي إنسان يبعث للخارج ليكذب باسم دولته وكلتا الحالتين  غير دقيقة فالدبلوماسي إذا كذب فقد مصداقيته في الدولة المعتمد لديها أو في الدولة التي أرسلته ويستحق العقاب في كلتا الحالتين.
من هنا فانه في كتابي  عن الاستراتيجية والدبلوماسية والبروتوكول المنشور في المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروتأاكدت علي أهمية النشاط الاجتماعي والثقافي للدبلوماسي ولا يمكنه أن يقوم أي من النشاطين إلا إذا كان مثقفا ومتفتحا وكريما والدبلوماسي غير الكريم لا يساوي شيئا ولا يستحق أن يرسل .
وأنا  فيأول تجربة دبلوماسية لي في الخارج كملحق شاب ناشيء في الاردن كان السفير عثمان نوري رحمه الله يعلمنا ثلاثة أمور :
أولها الانضباط الدقيق في الموعيد
وثانيها الحصول علي المعلومات ذات الصلة بالعمل باسرع وقت وبمبادرة  أو مبادرات وهذا لا يمكن إلا أن يكون الدبلوماسي كريما واجتماعيا
وثالثهاأن مهمة الدبلوماسي الشاب أن يكون مساعدا للسفير ومتحركا في الحفلات الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية حتي يتعرف علي أكبر قدر من الناس ويقيم حوارات معهم ويشرح سياسة بلاده ومواقفها وفي نفس الوقت يتعرف علي ما لديهم من معلومات وخبرات .
وأذكرأن احد الدبلوماسيين أنذاك وكان من درجة متوسطة وفي عمر متوسط كتب تقريرا للسفير وقال فيه أنه تحدث أكثر من مرة مع قرينه الدبلوماسي البريطاني وشرح له مواقف مصر ولكن لم يلمس أدني تغير في السياسة البريطانية فأجابه الدبلوماسي البريطاني قائلا ياسيدي أنا نقلت ما ذكرته لي للندن ولكن لديهم مصادر أخري عديدة تقدم معلومات مختلفة عما قلته لي ولذا لم يغيروا مواقفهم . ما دلالة ذلك؟
إنها ثلاث دلالات
الأولي  إاما أن هذا الدبلوماسي كان لا يعرف طبيعة العمل الدبلوماسي بدقة وهو ليس مجرد تقديم المعلومات  ولكن يجب تقديم المعلومات الدقيقة والتعارف ولكنه ليس بمقدوره تغيير سياسة أية دولة فهذه تحكمها عوامل أخري مختلفة
والثانيةإنه ساذج وربما قدم معلومات مغلوطة
والثالثةإنه ربما لم يكن يجيد لغة الحوار مع الاخر وأسلوب الحوار في القضايا السياسية االدقيقة مع الاجانب
رحم الله هذا الدبلوماسي ورغم ما قاله وما تركه من انطباع إلا أنه كان انسانا دمث الخلق طيب المحتد.وهذا ذكرني بواقعة مع وزير خارجية مصري سابق رغب بناء علي تعليمات رئيس الدولة أن يرسل سفيرا إلي احدي الدول المهمة جدا فكلف الوزير وكلاء الوزارة للبحث وترشيح أحسن دبلوماسي يمكنه القيام بالمهمة وبعد البحث والتحري عن السفير الذي يصلح للمهمة من وجهة نظرهم آتذاك فجاؤا للوزير فرحين باختيارهم  لشخص اعتقدوا بصلاحيته وعندما عرضوا مؤهلاته  قالوا إنه دمث الخلق أمين يصلي الفروض في أوقاتها ولا يكذب ولا يجامل أحد. علي حساب الحق . فعقب الوزير متهكما علي قولهم إنه ينفع أن أزوجه إبنتي ولكنه لا ينفع سفيرا  في البلد المهم كقوة كبري فهو لا يعرف جيدا حضارة بلاده ولا ثقافة المجتمع الذي سيذهب إليه وبذلك فلا ينفع سفيرا في تلك الدولة.
**************
مساعد وزير الخارجية الاسبق
خبير في الدراسات الصينية والاسيوية والعربية والدولية

%d مدونون معجبون بهذه: